هل سورية في خطر؟  باتريك سيل     الحياة     2005/05/6

أما وقد انسحبت سورية من لبنان تنفيذاً لما يخصها من قرار مجلس الأمن 1559، وتم تأليف حكومة لبنانية جديدة ملتزمة بإجراء انتخابات «حرة ونزيهة» في نهاية هذا الشهر، فهل انتهت الأزمة؟ وهل يمكن لسورية أن تنجو من ضغوط جديدة؟ وهل حان الوقت لوقف الحملة الدولية ضدها؟

ما أبعد ذلك عن الحقيقة والواقع.

ذلك أن إكراه سورية على الانسحاب من لبنان لم يكن بالنسبة الى اعدائها سوى وسيلة لبلوغ غاية. فالهدف الحقيقي هو نزع الاستقرار في سورية نفسها كخطوة لقلب نظام الحكم.

تلك هي إحدى الاستنتاجات الرئيسية التي خلص إليها كتاب صدر في أميركا في الأسبوع الماضي عن الرئيس السوري الشاب بعنوان : «وراثة سورية: دفع بشار إلى خط النار». المؤلف فلينت ليفريت عمل لدى وكالة المخابرات المركزية وفي وزارة الخارجية ثم في مجلس الأمن القومي. ويشاع بأنه أزيح من منصبه من جانب إليوت أبرامز، أحد أخلص «أصدقاء إسرائيل» حين تولى الأخير منصب مدير شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي.

حظي ليفريت بمقابلات عدة مع الرئيس بشار الأسد. وجاء كتابه لينتقد السياسة الأميركية تجاه سورية، وضمناً المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل الذين رسموا السياسة الأميركية في الشرق الأوسط في عهد إدارة بوش.

وبمناسبة الاحتفال بصدور الكتاب في الأسبوع الماضي في واشنطن أعلن ليفريت أن الإدارة الأميركية تتحرك باتجاه «تغيير النظام» في سورية، ولفت إلى «أن الكثيرين من رجال هذه الإدارة يميلون إلى هذا الاتجاه».

ثم أضاف ليفريت قائلاً: «لقد اعتمدت الإدارة رأياً في تحليل السياسة السورية يقول بأن إكراه سورية على الخروج من لبنان سيجعل النظام عاجزاً عن تحمل هذه الصدمة، وأن ذلك سيؤدي إلى زعزعته». وباختصار فإن المحافظين الجدد في رأي ليفريت يعتقدون بأنه إذا ما مورس قدر كاف من الضغط على دمشق فسوف يسقط بشار من الداخل. فما مدى صحة أقوال ليفريت؟ وهل ما زالت سورية هدفاً لمؤامرة؟

ماذا يريد أعداء سوريا؟

لا بد كخطوة أولى في أي تحليل للوضع من التمييز بين دوافع الأطراف الخارجية المختلفة التي ضغطت في الأشهر الأخيرة على سورية لتحملها على مغادرة لبنان.

ولنبدأ بفرنسا التي شاركت الولايات المتحدة في تبني قرار مجلس الأمن 1559 ولعبت دوراً مركزياً في الأزمة. وهي انتهزت فرصة هذه الخطوة الديبلوماسية المشتركة كي تلطف من توتر علاقاتها مع واشنطن. غير أن دوافعها مختلفة تماما عن دوافع أميركا. فهي لا تسعى إلى قلب نظام الرئيس بشار الأسد، وإنما عيل صبر الرئيس شيراك أمام تباطؤ سورية في إجراء الإصلاحات الداخلية، وشعر بإساءة بالغة حين أصر الرئيس بشار في العام الماضي على تمديد ولاية الرئيس اميل لجود، الأمر الذي دفع الرئيس الحريري إلى الاستقالة.

وحين قتل الحريري، صديق شيراك الشخصي الحميم، في شباط (فبراير) الماضي شعر الرئيس الفرنسي بتأثر بالغ. غير أن هدف فرنسا الأساسي لم يكن أبداً نزع استقرار سورية وإنما استعادة لبنان «لسيادته» كما وضح ميشيل بارنييه وزير الخارجية الفرنسي خلال زيارته لواشنطن هذا الأسبوع.

وإن لفرنسا علاقات حميمة مع لبنان منذ إنشاء هذه الدولة عام 1920، ولها مصالح مهمة فيها لا تزال حريصة على حمايتها تجاه جميع القادمين، بما في ذلك أميركا. أما وقد سحبت سوريا قواتها - الأمر الذي وصفه بارنييه «بالخيار الجيد» - فإن بإمكان فرنسا أن تستعيد مكانتها في حين يرجح أن تتحسن العلاقات السورية - الفرنسية في وقت لاحق.

لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة الى العلاقات السورية - الأميركية. فالمحافظون الجدد في واشنطن يتلهفون إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق المصالح الأميركية - الإسرائيلية، وسورية واقعة في قلب شبكة معادية تشمل المقاومة العراقية وجمهورية إيران الإسلامية وحزب الله في لبنان إضافة إلى سورية نفسها. ولكي تنهار هذه الشبكة لا بد من قلب النظام السوري...

ولقد أثبتت المقاومة العراقية أنها العقبة الكأداء أمام تخيلات المحافظين الجدد بإقامة شرق أوسط تم إصلاحه ودمقرطته، وأصبح عاجزاً عن تحدي أهداف أميركا وإسرائيل الاستراتيجية. فبدلاً من أن يتحول العراق إلى نموذج ديموقراطي في المنطقة، راح يغرق في مستنقع الفوضى والإجرام والعنف.

ولقد بدا واضحاً الآن أن الاحتلال الأميركي يعاني مصاعب جمة. فليس هنالك ما يشير إلى السيطرة على المقاومة. وحتى لو صح أن عدد القتلى الأميركيين قد انخفض عما كان عليه قبل بضعة أشهر، فإن رجال المقاومة يوجهون الآن هجماتهم الشرسة على «المتعاونين» مع أميركا، وخصوصاً أفراد أجهزة الجيش والشرطة الوليدة. إنهم يقتلون بنفس السرعة التي يجري بها تدريبهم من قبل القوات الأمريكية. ونتيجة لذلك ترسخت في بعض الدوائر في واشنطن فكرة تقول بأنه لا يمكن الفوز بالنصر في العراق حتى يتم تركيع سورية وإيران اللتين ينظر إليهما كقاعدة خلفية لإمداد المقاومة. وبما أن واشنطن تبدو مترددة في شن حملة عسكرية ضد إيران التي تعتبر هدفا بالغ الصعوبة، فإن الهدف البديل لا بد أن يكون «تغيير النظام» في سورية. ويعتبر المحافظون الجدد أن قيام حكومة موالية لأميركا في دمشق سيؤدي إلى عزل إيران ومحاصرتها وتحييدها.

دور إسرائيل حليفة أميركا

لقد هللت إسرائيل للغزو الأميركي ولتدمير العراق الذي قضى في المستقبل المنظور على أي احتمال لقيام «جبهة شرقية» معادية للدولة الإسرائيلية. كذلك سارعت إسرائيل إلى التعبير عن عظيم امتنانها للانسحاب السوري من لبنان الذي ترى فيه خطوة نحو هدفها الرئيسي الذي هو نزع سلاح حزب الله.

فهنالك حساب لإسرائيل مع حزب الله لا بد من تصفيته. فقوات المقاومة التابعة له أكرهت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان في عام 2000 بعد مرور 22 سنة على احتلاله. وهي اليوم تخشى أن يستمر حزب الله في لعب دور مزدوج كأداة لاستمرار النفوذ السوري في لبنان كعقبة في وجه أي تسلل وتدخل إسرائيلي في الشؤون اللبنانية.

ويبدو أن بعض الإسرائيليين، بما فيهم رئيس الحكومة أرييل شارون، يحلمون بتكرار أحداث عام 1983 حين جرى إغراء لبنان، بعد احتلاله في العام السابق، بتوقيع صلح منفرد مع إسرائيل. ولقد تم الوصول إلى اتفاق دام بعض الوقت ولكنه سرعان ما أجهض من جانب حلفاء سورية المحليين. ترى هل ستسنح الفرصة ثانية لعقد صلح منفرد؟ لا شك أن إسرائيل ستنتهزها لكن سورية ستبذل كل قواها لمنع ذلك.

غني عن القول أن إسرائيل ترحب باستمرار الضغط الأميركي على النظام في دمشق وبأي سيناريو من الفوضى يمكن أن يتبع قلب النظام. ذلك أن إضعاف سورية سوف يخلق الفرص لإسرائيل في لبنان كما يدعم في الوقت نفسه موقفها في أي مفاوضات يمكن أن تجرى مع سورية في المستقبل. وستؤجل في هذه الأثناء أو تزول نهائياً أي حملة ضغط دولية على إسرائيل للانسحاب من مرتفعات الجولان.

ومن أخبار واشنطن أن أميركا ألحت على رئيس الحكومة شارون بأن لا يدخل في مفاوضات مع الرئيس بشار الأسد. فربما يعتقد المحافظون الجدد بأن نظاماً مختلفا في دمشق قد يخلق مناخاً أكثر ملاءمة لمثل هذه المفاوضات.

وإذا كان هذا التحليل للوضع الراهن صحيحاً دقيقاً فمعنى ذلك أن على النظام السوري أن يتوقع هجمات جديدة من قبل أعدائة وأنه بالتالي لا يزال يواجه خطراً حقيقياً.

ولكن ماذا لو كان كل برنامج المحافظين الجدد بشأن الشرق الأوسط مشوباً بالخطأ الفادح؟ إن الحصيلة حالياً سلبية جداً. فالاحتلال الأميركي للعراق والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية - وكلاهما لا أخلاقي ومخالف للقانون - لا يزالان موضع إدانة من قبل سواد العالم. وكلا الدولتين تمثلان كمتهمين أمام محكمة الرأي العام. وكلاهما أفسدهما الاحتلال وشوه سلوك جنودهما القمعي والبالغ الخشونة سمعتهما نهائياً. وجدير بكل منهما اليوم أن ينسحب إلى موقع أكثر أمناً بدلاً من البحث عن مغامرات جديدة.

كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط.