تعقيب على مقالتين وتعليق حول الكتابات السورية

إنصافاً للمثقف على حساب 'الصحافي'...

فراس كيلاني

 

"إن تقدم "المحتوى" الآن وأفكاره الخلاقة، هو التحدي الكبير للكتابة السياسية (السورية)"

جهاد الزين 28/4/2005

أثارت مقالة السيد "شعبان عبود" المنشورة في "النهار" تحت عنوان "كتّاب المقال أهم بكثير من أعلام الثقافة" وردّ السيد "ابرهيم الجبين" بعنوان "ماذا عن الاذونات الامنية لكتاب المقالات الصحافية؟"، ردود فعل متباينة في الاوساط الثقافية والصحافية على حد سواء. وبينما عكست المقالة الاولى تدني مستوى النقاش الى حد اعتبار البعض أنفسهم "فاتحي القسطنطينية" على حساب آخرين قضوا حياتهم في سبيل الوصول الى هذه اللحظة، فإن المقالة الثانية جاءت أكثر اتزاناً في إحقاق الطرفين المثقف والصحافي بالنسبة الى مساهمة كل منهما في فتح الباب أمام السجال الداخلي السوري.

لكن اللافت كان تعقيب السيد جهاد الزين بتاريخ 28/4/2005 بطريقة غير مباشرة على هذا الموضوع محذراً من أن "الحقبة الجديدة، بكل المعايير، اذا كانت تفتح على آفاق مدهشة للديموقراطية في العالم العربي، وفي مقدمها سوريا الآن، فإنه من البديهي القول أنها تفتح بالقدر نفسه، وبالتداخل نفسه على المخاطر الكبيرة...".

في هذا السياق يبدو السجال بين السيدين شعبان وابرهيم مثيراً مستفزاً بقدر ما يدعو بحق الى مراجعة الاسباب التي أوصلت الامور الى هذا الحد.

ليس من شك في أن كتابات السيد شعبان عبود في صحيفة "النهار" تنطوي على كثير من الجرأة الى درجة تدعو للتساؤل في بعض الاحيان، وهو الذي كتب الكثير حول الاعلام السوري وتعقيداته المهنية والادارية والامنية. مما يطرح علامات استفهام عن جدوى كتابته اليوم حول جرأته بالاضافة الى زملائه الذين ما فتئ يذكرهم في كل مناسبة بالمقارنة مع المثقفين السوريين.

ثمة جملة لطالما أكدت عليها غالبية العاملين في الحقل الثقافي والابداعي السوري نتيجة خبرة طويلة لها مع المؤسسات الصحافية الرسمية: "الصحافي السوري متهم بالعمالة الامنية حتى تثبت براءته". لكن هذه النظرية بدأت منذ فترة ليست بقصيرة تنسحب على مراسلي الصحف والمحطات الفضائية بدون استثناء.

ربما هذا ما دفع السيد عبود، الذي حاز خلال فترة قياسية على اعتماد مراسلة صحيفة "النهار" وقناة "الحرة"، للرد على الاتهامات المبطنة من جانب كثيرين.

هل هو حقاً كذلك؟ تساؤل لن يستطيع أحد الاجابة عليه بالنفي او الايجاب. لكنه يظل مشرعاً في بلد لطالما ظل فيه لهذا الامر خصوصيته الكبيرة، فكيف اذا كان الامر يتعلق بنافذتين اعلاميتين من أكثر النوافذ انتقاداً للسياسة السورية (صحيفة "النهار" وقناة "الحرة")، مع كل ما يتطلبه الحصول على اعتماد المراسلة لأي جهة اعلامية من دمشق من موافقات أمنية وادارية. ومع الاخذ في الاعتبار ايضاً رفض تعاطي المسؤولين السوريين مع قناة "الحرة" حتى فترة قريبة، ومنع مراسلها السابق عمار مصارع من العمل من دمشق. وايضاً مشاركة السيد شعبان في حلقة حول مستقبل الاعلام السوري في قناة "الحرة"، ألغيت بعدها ثلاث حلقات لعدم الاتفاق على ضيوف البرنامج الذين حاولت وزارة الاعلام السورية فرضهم على القناة حسب ما أعلنت ادارة "الحرة"، مما يوحي بأن السيد شعبان من المرضي عليهم.

وربما زاد الطين بلة ان تفرد صحيفة "النهار" مقالاً للسيد عبود أشبه ما يكون بمسيرة انجازات شخصية، وهو امر كان على السيد جهاد الزين، الذي عرف بحدسه الصحافي، تجنبه.

وبعكس المراد منه فتح هذا المقال الباب واسعاً على تساؤلات عن دور المراسل الصحافي ونزاهته وضرورة ارتباطه بمؤسسات أمنية أم لا، ومستوى ثقافته، الى غير ذلك من تساؤلات لا تنتهي. لكن البارز أنه كان ثمة إجماع على أن مراسل "النهار" لم يستطع تجنب الوقوع في بعض الاخطاء التي كشفت عدم إطلاعه على نتاج حتى القلة القليلة من المثقفين الذين أتى على ذكرهم والذين قال عنهم أنه "بالكاد نسمع عن عمل مميز لهم" وهو الامر الذي بقدر ما اساء للمثقفين المذكورين أثار حفيظة البقية.

فماذا يمكن أن يسمي كتاب الراحل ممدوح عدوان المعنون بـ"حيونة الانسان" الذي خصص للبحث في آثار الديكتاتورية على الانسان، والذي نفذت الطبعة الاولى منه خلال بضعة ايام؟ ومن المؤكد ان عدوان لم يكن يتحدث فيه عن "كمبوديا او جنوب افريقيا". او الديوان الصادر حديثاً للشاعر محمد الماغوط بعنوان "شرق عدن غرب الله" والذي منع في العديد من الدول العربية لمجرد عنوانه؟ او فيلم "الطوفان" للمخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي الذي منع من العرض ليس في سوريا فقط بل في مهرجان عربي ايضاً كونه يتحدث عن تسلم البعث للسلطة في سوريا؟ ثم كيف ينظر السيد شعبان لكتابات ميشال كيلو وغيره من كتاب "النهار" قبل بدء كتاباته الفذة؟ وماذا عن "الملحق الثقافي" لـ"النهار"، العدد 684، الصادر في 17/4/2005 والذي شاركت في كتابته مجموعة كبيرة من المثقفين السوريين؟ أم أن السيد عبود لا يعترف بهم؟

لم يبدُ واضحاً من خلال مقال السيد شعبان هل يريد أن "يسمع من هؤلاء شيئاً ذا أهمية من خلال الرواية او القصيدة او النص المسرحي" كما ذكر، أم أنه يدافع فقط عن كتّاب المقالة السياسية بتأكيده ان شخصاً بمقام الدكتور عارف دليلة كان "يتكئ على المقالة الصحافية ينشرها هنا وهنا"؟ وهو استشهاد ليس ثمة داع للرد عليه، فمن المعروف أن الدكتور دليلة المحكوم بالسجن لعشرة اعوام استقطب الآلاف في كل محاضرة دعي اليها.

ولا يختلف الامر بالنسبة للكاتب حكم البابا، اذ يعتقد السيد عبود أن أحداً لا يعرفه ككاتب كوميدي! وأن سبب شهرته يعود فقط لبضعة مقالات نشرها في صحيفة "النهار". لكنه لا يدرك ان شخصيات حكم البابا أصبحت نماذج تقلد في الاوساط السورية.

محاولات بائسة لاستحضار أمثلة للدفاع عن قضية تبرز في نهاية المقال حين يؤكد السيد عبود أنه هو من أطلق وصف "ربيع دمشق" على فترة الانفتاح اليتيمة حين تسلم الرئيس بشار الاسد مقاليد السلطة. بل أكثر من ذلك حين يؤكد ان من شاركه هذا النصر في "رصد الحراك الذي رافق وصول الرئيس بشار الاسد ليسوا من العاملين في الصحافة الرسمية"!

وهنا يحق لنا ان نتساءل ألا يعمل السيد حكم البابا في صحيفة "تشرين"؟ والسيد عدنان علي في صحيفة "الثورة"؟ وكاتب هذه السطور في التلفزيون السوري؟

***

بيّن السيد جهاد الزين في زاويته السابقة الذكر ان "أولوية معيار الشجاعة، الاولوية الحاسمة في السنوات الماضية، منعت التمييز دائماً بين الغث والسمين في محتوى الكتابة".

الحديث هنا طبعاً عن الكتاب السوريين في صحيفة "النهار". وهو ما يفتح الباب واسعاً للتساؤل عمن يقصدهم السيد الزين. علماً ان السيد عبود لم يكن معروفاً قبل بدء كتابته في صحيفة "النهار" في أي مجال صحافي، وهو التاريخ الذي يذكر أنه بدأ في العام 1999 فهل يريد السيد عبود ان يلغي تاريخاً كاملاً ليستأثر بما يعتقده نصر فتح "باب الحراك" وهل هذه هي حقاً مشكلة سورية التي ينصب نفسه مدافعاً عنها؟

لدى المراجعة السريعة لتلك الفترة يبرز واضحاً حجم الجهل او التجهيل الذي مارسه الصحافيون عبر بث الاحلام والآمال بمستقبل واعد تحت عنوان "الاصلاح والتطوير".

وحتى اليوم لا يزال هؤلاء الصحافيون يبثون أخبارهم بالطريقة ذاتها تحت عنوان "مصدر مطلع"، و"مصدر مسؤول"، و"مصدر رفض الكشف عن اسمه" أشار السيد ابرهيم الجبين الى أنه في الحقيقة "مصدر أمني" ورد في العديد من أخبار السيد شعبان وحاول لاحقاً التبرؤ منه. أخبار تدور كلها حول وعود "إصلاح وانفتاح" لا يعلم سوى الله من أين يأتون بها. وهو أمر اصاب السيد الجبين حين لاحظه في رده على السيد عبود بتأكيده ان "هؤلاء هم أنفسهم من رفعوا أصواتهم بأن الربيع مقبل وأن المرحلة الجديدة هي مرحلة تغيير ووعدوا او أبرزوا وعود السلطة على أنها بشائر خير، فكيف يتحولون اليوم معارضة حادة؟ وكيف يصبحون اليوم أبطال الاحتجاج بعد أن أوهموا الشارع السوري بأن التطوير آت لا محالة عبر هذا الطريق او ذاك"؟

في معرض رده تساءل السيد ابرهيم الجبين: "هل تستطيع مجموعة من خريجي كلية الصحافة في الجامعات السورية أن يحلوا محل الثقافة السورية؟".

سؤال يستدعي التوقف مطولاً، خصوصاً ان المشاهد السوري شاهد قبل بضعة أيام على قناة "الحرة"، في حوار شارك فيه مراسل "النهار" شعبان عبود، المستوى المتدني ثقافياً ومهنياً لطلاب الصحافة الذين استضيفوا في الحلقة.

***

في النهاية، وبقدر ما ساهمت صحيفة "النهار" وصفحة "قضايا" ممثلة بالسيد جهاد الزين، في فتح باب الحوار بين الكتاب السوريين ذوي الاتجاهات المختلفة، يبدو أنه آن الاوان حقاً لوضع معايير جديدة، لا يؤخذ فيها بالشجاعة وحدها مفتاحاً للنشر، فثمة ما هو أخطر من مجرد فتح سجال بات حاضراً في كل بيت سوري على صفحات الجرائد.

لم تعد المسألة تحتمل البحث عن أمجاد شخصية فمصير البلد بات في مهب الريح. واذا كان ثمة من موقف ينبغي الدفاع عنه، فمن المؤكد أنه ليس الدفاع عن المسؤولين الاعلاميين الذي وصفهم السيد عبود بأنهم يشكلون فريقاً يسعى أن يكون أكثر مدنية ولطفاً مع المراسلين وبقية الصحافيين". نريده أكثر مهنية وحرصاً وطنياً.

وبالعودة الى تعليق السيد جهاد فإن تحديات المرحلة الجديدة أكبر بكثير من السابق، رصانة وشجاعة وخلقاً وحداثة.

هذا هم سياسي... ومهني!

(دمشق)

كاتب