تأمّلات في مقهى الثقافة السوري - منذر بدر حلّوم - السفير

 

المقهى السوري، اليوم، مكان فعل وقول. ولا تستعجلوا الفصل بينهما! فالأمّة توضع هنا على الطاولة ويتساقط رماد السجائر على لبنانها وسورياها ونيلها وفراتها وحَرَميها وأقصاها.. ولكن، كل تلك الجغرافيا بعد أن يكون لبنان وسوريا قد أُشبعا باللعاب. هنا تُدمغ حدودٌ بالبُنّ المحروق وتُغرق شعوب بلعاب الاستعلاء والاشمئزاز والمصادرة.. وهنا، هنا بالذات تُقصل أقلام وتوصم ألسنة بكوبيا شتّى الدمغات، دمغات الارتزاق حينا والعمالة حينا آخر والثأرية حينا ثالثا والبحث عن أمجاد حينا رابعا والاستعجال لاقتناص مواقع يُنتظر أن تخليها السلطة التي أخلت مواقعها العسكرية في لبنان حينا خامسا.. وقد تجد ما يجعلك تقول حيناً ألفاً، ولكن سيصعب عليك جدا أن تجد، في مقهى الثقافة السوري، من يُرجع الكتابة السورية السورية بدليل حمولتها التاريخية وهمومها، وليس بدليل دم أصحابها فقط إلى همّ وطني، فأرشيف مقهى المثقفين لا يتسع لتصنيف كهذا.
وأمّا للبنان في مقهى الثقافة السوري فوضع خاص. فلبنان كلّه بجبله وبقاعه وجنوبه وتفاحه وخروبه وبيروته.. لم يحتج لكي يخرج من قلب المقهى، ويمكنك القول من قلوب روّاده، إلاّ إلى نزر يسير من الوقت الذي احتاجه خروج القوات السورية من لبنان. ولكن، هذا اللبنان، رغم خروجه من القلب، لم يبرح مقهى الثقافة بعد، ولا أظنه فاعلاً في القريب! فما علاقة لبنان بما يدور في مقهى الثقافة السوري؟ كيف لا! ومن سواه هو لبنان اليوم يُخرج بَواطنَ العجز السوري ويدفع بأحشاء ثقافته إلى قارعة الطريق!! فثمّة كيمياء لبنانية قادرة على قلب الأشياء السورية رأسا على عقب، قادرة على إزالة الأقنعة السورية أو إذابتها بلمسة واحدة. ففي مقهى الثقافة، وبفضل من الكيمياء اللبنانية، تحدث أشياء مدهشة، أشياء لم يكن ممكنا أن تحدث منذ عهد قريب. فها هي، مثلاً، الكتابة المعارضة للنظام السوري في الصحف اللبنانية تصبح، على إحدى الطاولات المفعمة بحماسة الوطنية، نشراً لغسيلٍ سوري وسخ في بلد غريب. هورّا، أو قُل أوريكا.. فأخيراً! أخيراً! وجدها أرخميدس السوري!.. ألف مبروك للبنان! لقد اعترف المقهى السوري باستقلاله، بل بما يفيض عن حاجته إلى الاستقلال من الغربة. ولا بأس على من يقول ذلك ولا هم يحزنون! فهم أنفسهم وفي المقهى ذاته كانوا يقولون قبل 14 شباط أو قُبيله بقليل بشعب واحد في بلدين وب<<سوا ربينا>> وبضرورة خروج القوات السورية من لبنان. فيا لسحر الكيمياء! فما إن خرجت القوات السورية حتى اخترق غازها المسيل للدموع والمُطيّر للعاب زجاج المقهى فغيّر الأحكام، أحكام (المُقهين) الذين في ضباب دخانهم (يعمهون). اليوم، فقط، يعترف مقهى الثقافة السوري بسايكس بيكو. ولكن، ما إن يصبح لبنان سايكس بيكوياً حتى تصبح الكتابة السورية سايكسبيكوية أيضاً. ليس هو الشيء نفسه، طبعا، هنا وهناك. فثمة بين سايكس بيكو لبناني وسايكس بيكو سوري فرق كبير من منظور المقهى السوري. ففي حين قد يعني الأوّل منه الاستقلال فإن الثاني يعني التآمر. وهكذا فما إن تصبح الكتابة السورية سايكسبيكوية حتى تغدو تآمرية ولا وطنية بمؤداها النهائي، خاصّة إذا جاءت في صحف لبنانية معارضة. ولن أقول لأي النظامين فالمعارضة تكون لهما معا بالضرورة. وأمّا الآن، فتعالوا نتأمل الطريق الذي يمكن أن يقود إليه مثل هذا المنطق. فلو أنّ العشائر، التي تختبئ تحت جلودنا، تنتج صحافتها والقبائل والطوائف والمذاهب كمثلها.. فكيف كان سينظر بعض مقهى الثقافة السوري إلى الكتابة في صحيفة عشيرة الغير! هل ستصبح الكتابة آنئذ لاعشائرية بدلا من لاوطنية، وماذا سيعني ذلك؟
وفي مقهى الثقافة السوري اليوم ثمة إبداع آخر، وهذه المرّة أيضا بفضل من الكيمياء اللبنانية. هو إبداع يلغي الحاجة إلى التعبير ويمجّد حقبة ما قبل الكلام في تاريخ النشوء والتطور البشري، إبداع يُختصر بالقول التالي: (المعارضة الصامتة أهم وأجدى من المعارضة الناطقة). ولا يفوتنّك أنّ ما يقال في المقهى لا يلغي صفة المعارضة الصامتة عن قائليه. فالمكتوب هو وحده غير الصامت وفق معجم المقهى. وليس الصامت هنا في مواجهة الصائت. فليس المقصود بالصمت الامتناع عن الهتاف والتمجيد والتأييد الصائتين وإطباق الشفاه في وجه قائد عسكري يطلب إجابة بعينها فيما كمّاشة عينيه تتوعد الصامتين بخلع أبواب أفواههم المغلقة.. لا، إنّما المقصود معارضة غير مُعبّر عنها مقابل معارضة معلنة. قد لا يكون لبضع مئات من آلاف السنين أهمّية هنا ما دمنا نتحدّث عن بضع سنوات من عمر الكتابة المعارضة السورية.
موقع المقهى يقوم، في الواقع السوري، اليوم، بين الصمت والكتابة. مقهى الثقافة السوري يقوم في منطقة اللاتحديد حيث كل شيء لا منتم، وينتمي إلى أي شيء تريده، إن شئت، في آن معاً. قد لا تكون هذه سمة سورية فقط، لكنها سمة سورية أيضا. وبين العمومية والخصوصية السورية لا يخفى على أحد ما في عدم التحديد (المقهوي) من لامسؤولية. فهنا، يمكنك أن تفتح حاوية قمامة خاصّة بك وبمجالسيك وتلقي فيها بمن تشاء، وهنا، أيضاً، يمكنك أن تُنصّب نفسك حاكماً وتحكم بما تريد على من تشاء، وهنا، هنا بالذات، يمكنك أن تعتز بمواقفك المعارضة الجريئة دون أن يكون لك أي موقف معارض صريح خارج المقهى، وربما خارج المطبخ، أو خارج نفر قليل من الأصدقاء في مكان ما آخر قصي، وهنا، بالتالي، يسهل أن يكون المعارضون الآخرون أنذالاً وسفلة ومعدومي مواهب وضعاف نفوس وعملاء وغاوي مناصب وأمجاد.. فهم منشورون أمامك، عراة على صفحات الجرائد المفروشة على طاولتك، تعرف عنهم الكثير، من خلال ما يكتبون وغيره مما تجنيه بحكم ثقافة استخباراتيه موروثة، في حين أنّهم لا يعرفون عنك شيئا. فتأمّلوا كم هي وضعية مريحة ومربحة ووضيعة.
وبعد، فإن يكن مؤسفا، إنّما هو ليس مفاجئا ما تعبق به أجواء مقهى الثقافة السوري اليوم. فهنا بالذات تُنتج آليات التعويض عن العجز المزمن والخوف الساكن لب العظم، التعويض عن العمر الضائع ومعه الفرص والآمال الضائعة، هنا بالذات تجد المصنع الذي يحوّل الهزائم إلى انتصارات، هنا تجد عدّة دونكيشوت وعتاده من كلام.. لا أحد يرتدي القلنسوة ويحمل الرمح هنا. فالقلنسوة والرمح يفضحان! هنا تجد عالقين في منتصف الطريق، لا هم قادرون على الانسلاخ إلى وجود جديد، ولا هم قادرون على العودة إلى وجودهم القديم. وما أمضّ وجع الانسلاخ! فكيف به إذا كان دائما! لا جلد قديماً ينخلع ولا جديد يتشكّل! إلى هنا يأتي أهل الكهف. يتخفون ويأتون، فلا الشارع يعرفهم ولا هم يعرفون، وتأتي معهم قدسيتهم جاعلة التغيير ممكنا ليس قبل (ثلاثمئة سنين). إلى هنا يأتي أشخاص مكتفون بذواتهم وبسِيَرِ بطولاتهم الشخصية، وإلى هنا يأتي أبناء الثورة الضالّون ويأتي آخرون ممن أضناهم الحبر فهجروه إلى اللعاب.. فحذار أن تسير على رصيف مقهى مثقّفين لئلاّ يصيبك بعض من رذاذه الحارق الذي لا يفيد معه الاغتسال، ولا يُعتد به ماءً للوضوء.
أجل، هناك في مقهى الثقافة آخرون من غير أولئك الصامتين الصائتين، هناك من يتأمل المقهى والشارع عبره، ويتأمّل الضحايا الذين تتقاذفهم الألسنة، وكدت أقول الأقدام، وهناك (دو شيش) و(كش مات).. ولكن، أين الذين لا يكونون أولئك ولا يكونون هؤلاء؟ ففيما يقذف مقهى الثقافة بالرجال من على صفحات الجرائد إلى الرصيف، حريصا على أن يقعوا بين أقدام العابرين، وربما بسبب من ذلك تسافر العيون باحثة عن رجال ثقافة يشتغلون بجدّية الباحث وأناته وموضوعيته وعدالته وحماسته الباردة على الهمّ العام.. فما أقلّ هؤلاء، وما أحوجنا إلى قامات ثقافية تعدّل حموضة هواء المقهى القاتلة.
ليس في مقهى الثقافة حواجز بين ظالم ومظلوم. فمن ذا الذي يخترع مصفاة تنقّي هواء المقهى من الظلم والادعاء قبل أن يخرج إلى الناس، ومتى يكون ذلك ممكناً، أو هل يكون؟!
المقهى عنصر رئيس في هوية المدينة. فأين يكون مقهى الثقافة من ثقافتنا، وليس فقط من مدينتنا؟ أخشى أن يكون في القلب منها، فنكون من الخاسرين ونكون من الضالّين، ولا فرق عندئذ أن نكون من المغضوب عليهم أو لا نكون!