هل يبقي البعث في سورية على صيغة «الجبهة الوطنية التقدمية»؟

حازم نهار     الحياة

   2005/05/4

ثمة قضايا عدة ستكون على جدول اعمال المؤتمر القادم لحزب البعث، خصوصاً بعد التغيرات المتسارعة في البيئة الإقليمية المحيطة بسورية، وبعد ان اصبح الوضع الداخلي السوري تحت العدسة الدولية.

يمكن تحديد هذه القضايا في ثلاثة محاور رئيسة متشابكة، اولها محاولة البعث إصلاح ذاته وفكره السياسي، وثانيها طبيعة علاقته مع القوى السياسية على الساحة السورية، وثالثها علاقته بالدولة والمجتمع وقضايا الوضع الداخلي والظروف المحيطة بالبلد.

وبغض النظر عن طبيعة المؤتمرين وقدرتهم على الإنجاز في تلك المحاور، او حتى توافر النيات الطيبة للسير الجاد فيها، إلا انها تبقى العناوين الاساسية لاي عملية اصلاحية، والتي لا يمكن الادعاء بوجود او إطلاق اصلاح حقيقي من دون معالجتها بما يؤدي الى تغيير طبيعة النظام السياسي السائد في سورية.

صيغة «الجبهة الوطنية التقدمية» واحدة من اعمدة النظام السياسي، التي تحتاج، ليس كما يزعم البعض الى التطوير، بل الى الإنهاء والإعلان عن افلاسها.

شكل القانون الصادر في 12/3/1958 والقاضي بحل الأحزاب السياسية في الإقليم السوري بعد الإعلان عن الوحدة بين سورية ومصر في 22 شباط (فبراير) 1958، انقطاعاً في العملية الديموقراطية المتنامية في سورية خلال خمسينات القرن الماضي. إذ لم يصدر قانون خاص بتنظيم العمل الحزبي بعد ذلك، إنما جاءت «ثورة 8 آذار» (مارس) لتعلن حال الطوارئ، وبعدها تأسست «الجبهة الوطنية التقدمية» في السابع من آذار 1972، وجاءت المادة الثامنة من دستور عام 1973 لتؤكد على ان «حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب في خدمة الأمة العربية»، وتشكلت هذه الجبهة من عدة احزاب قومية وشيوعية بقيادة حزب البعث، وزاد عمرها اليوم على الثلاثين عاماً.

بعد مرور هذا الزمن الطويل على تجربة «الجبهة الوطنية» في الحكم، وبصفتها ظاهرة، كانت ولا تزال، عنوان «التجربة السورية الفريدة، في العمل الوطني الديموقراطي كما يشيع محازبوها ومناصروها، فإننا نعتقد بأنها في حاجة لقراءة جدية لتقويم تاريخها ومحاولة استكشاف آفاقها، خصوصاً في ظل الإصرار القائم على استمرارها، ومحاولة البعض حقن الدماء في عروقها المتخشبة.

هل حققت الجبهة بعد هذا العمر الطويل، الأهداف التي كانت تصبو إليها او جزءاً منها، والتي حددها ميثاقها ببناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد وتعزيز الوحدة الوطنية وتمتين الجبهة الداخلية وتوثيق علاقات التعاون والعمل المشترك بين الأحزاب المشاركة فيها بديلاً لعلاقات التناحر وبما يؤدي الى تحقيق الديموقراطية...؟ انه السؤال الرئيس الذي يطرح بأشكال مختلفة، لكن مضمونه ينعقد دائماً، كما تشير الوقائع، حول الإقرار بعدم فاعلية الجبهة وأحزابها في لعب أي دور سياسي حقيقي في اوضاع البلاد والعباد.

لم تكن تجربة «الجبهة الوطنية» كما يخيل للبعض، إنتاجاً وطنياً خالصاً، بل انها مستنسخة او مستوحاة – كما تؤكد وثائق الحزب الحاكم – من تجارب شعوب وأمم اخرى، وهذا يعني بطلان حجة اصالة التجربة او «عدم استيرادها» التي يعلنها على الدوام المدافعون عن التجربة واستمرارها و»المقتنعون» بأنها الشكل الوحيد الملائم لمجتمعنا ولخصوصيته التاريخية والثقافية والدينية.

اما «ميثاق الجبهة» الذي وقعته الأحزاب آنذاك وتعهدت فيه باستبعاد الطلاب من دائرة نشاطها وعملها، فإنه كان بداية نهايتها، فضلاً عن الإقرار بقيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، واحتكاره على مستوى القيادة المركزية للجبهة لتسعة اعضاء من اصل سبعة عشر عضواً، الأمر الذي عنى من حيث المبدأ تغييب أي صفة تمثيلية حقيقية لهذه الأحزاب، وانتفاء الآليات والممارسات الديموقراطية داخل الجبهة. وإذا ما اضيف الى هذه التضييقات ايضاً حرمانها طوال ثلاثين عاماً من فتح مقار رسمية لها والإعلان عن برامجها ونشاطاتها، ومنعها من اصدار صحافة حزبية حقيقية، فإنه يغدو من الطبيعي ظهور المناخ الملائم لنمو العقلية الاتكالية داخل معظم تلك الأحزاب، في مقابل العقلية الوصائية في الحزب الحاكم.

هذه الأرضية منعت احزاب الجبهة من ان تكون احزاباً فاعلة، لتصبح تدريجاً مؤسسات متخشبة لا تملك إلا عدداً محدوداً من الكوادر الهرمة، ومفتقدة لأي رصيد معنوي ايجابي في الشارع السياسي، بخاصة بعد الحالات المتعددة من الانقسام والتشظي في صفوفها، والتي لم تأت، إلا في ما ندر، استناداً لأسباب فكرية سياسية، بل كانت في غالبيتها وليدة اسباب نفعية وانتهازية، فبُنيت التكتلات وصيغت المؤامرات للحصول على كرسي وزاري او مقعد نيابي او موقع في المجالس المحلية، تلك المسؤوليات التي بات يُنظر لها على انها غنائم وامتيازات ليس اكثر، مما ادى مع الزمن الى تشكل شريحة من المستفيدين والفاسدين داخل تلك الأحزاب اصبح همها وهاجسها الأساس كيفية الحصول على امتيازات مادية ومعنوية اكثر وكيفية الاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة.

حضرت المصالح وغابت البرامج والأفكار والمواقف وتلاشت الصفات النضالية والكفاحية، بل وحتى السياسية، عندما كفت تلك الأحزاب عن التعبير عن مصالح الناس والدفاع عنهم امام «الدولة» التي اندمجوا بأجهزتها، كما فعل الحزب الحاكم، واستفادوا من امتيازاتها، وغابت ايضاً «الاستقلالية» و»الندية» ازاء «الحزب القائد» الذي تدخل في بعض الأحيان حتى في تحديد بعض الأمناء العامين لتلك الأحزاب وتحديد اسماء بعينها منها للمناصب الوزارية، بغض النظر عن آراء وترشيحات الأحزاب.

اختارت اذاً تلك التشكيلات الحزبية، في البداية ومن حيث المبدأ والتحول الى هياكل كرتونية وديكورات، وفي سياق التجربة الواقعية ولدت صوراً مؤذية للحركة السياسية الوطنية في سورية في شكل عام بما برز منها من انقسامات نفعية وتعميق لظاهر «الشللية» القائمة على اعتبارات «ما دون سياسية»، والى جانب ذلك برزت ظاهرة توريث المناصب والمواقع والامتيازات او بيعها في بعض الأحيان، لتتحول في المآل الأخير من «تشكيلات سياسية» الى مجرد مصادر سريعة للمكاسب والغنائم.

هذا كله ادى لفقدانها معايير الصدقية، وتشويه الممارسة السياسية الحزبية، والإساءة للحركة السياسية الوطنية، مما ساهم في انفضاض الناس عن «السياسة» و»الشأن العام»، وتكرست حالة من عدم الاكتراث واللامبالاة عندهم، وشجع على العودة للانتماءات والولاءات المعيقة التي تطفو الى السطح في شكل جلي إبان الدورات التشريعية لمجلس الشعب في مقابل ضمور الولاء للوطن والبرامج والأهداف والسياسات.

ما زالت السلطة السياسية، على ما يبدو، مصرة على صيغة «الجبهة الوطنية» كطريقة في الحكم وممارسة الشأن السياسي، وكذلك اصحاب الامتيازات في احزاب الجبهة الذين قد يتهدد مواقعهم الخطر بزوال الصيغة، وذلك على رغم رائحة العفن التي تفوح منها ووضوح الخراب الذي انتجته.

بعد مجيء الرئيس بشار الأسد الى سدة الرئاسة قيل ان «الجبهة» وضعت امام مهمة تفعيل دورها وزيادة تأثيرها في حياة البلاد السياسية، فما الذي جرى في هذا الإطار منذ الإعلان عن هذا التوجه قبل ما يزيد على اربعة اعوام؟

عقد المؤتمر العام الأول للجبهة في 21/12/2001، وعقد مؤتمرها الثاني في الفترة ما بين 21- 23/12/2002 الذي اكتسب «اهمية» خاصة بحكم عقده عشية انتخابات مجلس الشعب لدورته الجديدة، وزاد في تلك «الأهمية» مشاركة القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم وأعضاء الحكومة السورية، بما كان يعني ان النقاشات ستسهم في اتخاذ «قرارات» لها صفة الفاعلية.

لكن إلقاء نظرة موضوعية على الواقع الداخلي السوري بدءأً من طرح مهمة «تطوير الجبهة» ومروراً بمؤتمريها الأول والثاني وحتى هذه اللحظة يجعلنا نقول انه لم يجر الشيء الكثير في هذا المجال. فإذا كان السماح لأحزاب الجبهة بافتتاح مقار لها تضع عليها «اليافطات التعريفية» الخاصة بها والسماح لها بإصدار صحف ناطقة باسمها وإلغاء الحظر المفروض على عملها بين الطلاب، وقد جاء – على رغم ان هذه الإجراءات هي اساسيات بديهية لوجود الأحزاب – بعدما يقارب الثلاثين عاماً من عمر الجبهة، فهل من المتوقع لـ»توصيات» المؤتمر الأول للجبهة – على ضآلتها قياساً بما يتطلبه الوضع الداخلي – ان ترى النور؟ هذا إذا تجاوزنا التناقض الواضح بين اعتبار «الجبهة الوطنية التقدمية» بحسب الدستور اعلى قيادة سياسية في البلاد، وبين تسمية ما يصدر عنها بـ»التوصيات» وليس «القرارات» المفترضة التطبيق؟

تضمن المؤتمر الأول للجبهة مثلاً اقتراحاً بتعديل ميثاقها، او حتى صوغ ميثاق بديل، واقتراحات اخرى نكاد لا نلمس تطبيقاً لمعظمها عندما جاء مؤتمرها الثاني، بل وحتى الآن، فهل الجبهة عاجزة لهذه الدرجة مثلاً عن صوغ «ميثاق» جديد؟ ام ان تفعيل الجبهة يتأتى من طريق منح الامتيازات المجانية لأحزاب الجبهة في تشكيل الحكومة كما حدث؟!!

كان على احزاب الجبهة، فيما لو توافرت الإرادات والنيات الصادقة، ان تطالب في مؤتمراتها، بل وتسعى لفرض، مراجعة شاملة للنظام الانتخابي الحالي لمجلس الشعب، وإصدار قانون ديموقراطي عصري ينظّم العمل الحزبي، وليس التأكيد على تقاسم السلطة مع الحزب الحاكم، فضلاً عن ضرورة المطالبة بتحجيم قانون الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية المعمول بها في البلاد، والسعي الى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والتعويض لهم عن الأضرار التي لحقت بهم، والاعتراف بوجود طيف سياسي معارض ورأي آخر مختلف، وغيرها من المطالب التي يساهم تحقيقها في توفير المناخ الضروري لإنتاج حياة سياسية سليمة.

هذا التقويم للجبهة ولدورها وفاعليتها، لا يثلم وطنية احد، الا اولئك المندرجين في شبكة الفساد والامتيازات، كما لا يعني انتفاء وجود بعض الأصوات المخلصة والجريئة داخلها.

كاتب سوري.