الطائفية والطغيان: الأسفلان في لبنان وسوريا

ياسين الحاج صالح - المستقبل

مشكلة لبنان الأولى هي الطائفية، أو قوة الطوائف إزاء الدولة وضعف الدولة حيال الطوائف. وجذر المشكلة ان نظام الدولة تكوَّن أصلاً باتفاق طوائفي. ضعف الدولة يتضمن أن تفكك الوحدة الأهلية احتمال قائم دوماً، وأن الصراع الأهلي خطر لا يمكن استبعاده. لكن، بالمقابل، صان تكوين الدولة هذا حيزاً من الاستقلال الاجتماعي لا يمكن انتهاكه دون ان تدمر دولة الميثاق الوطني نفسها. ورغم انغماس الطوائف في الحرب وفرط تطييف كل منها، أعني طرد الاختلاف و"الديموقراطية" من داخلها، فقد بقيت حية في لبنان فسحات مهمة من الاستقلال الاجتماعي والإعلامي والثقافي. يمكن القول إن ثمن "الديموقراطية اللبنانية" هو ضعف الدولة وقوة الطوائف.

ديموقراطية معتلة؟ بلا شك. لكن الخيارات المتاحة في الماضي تراوحت بين ديمقراطية معتلة وبين دكتاتورية معافاة تمصّ دم المجتمع وترفسه وتهينه. الطوائف هنا حرمات أوحصانات أو سلطات تحدّ من النزوع الطبيعي لكل سلطة إلى التوسع والاجتياح. لكن كلاً منها قد تكون سلطة استبدادية، وكل منها تحمل نزوعا لتكوين دولة ذاتية، وهي جميعاً تنظيمات حرب اهلية ممكنة على الدوام. وبقدر ما أن الدولة هي حل مشكلة الحرب الأهلية، وبقدر ما إن الحرب الأهلية انحلال للدولة، فإن سؤال المستقبل اللبناني هو: كيف يمكن تقوية الدولة دون التضحية بالاستقلال الاجتماعي والديموقراطية الطوائفية؟ وكيف يمكن توسيع الاستقلال الاجتماعي وتضييق الولاءات الطائفية؟ دولة أكثر، طائفية أقل، ديموقراطية مستقرة؛ هذا هو الرهان اللبناني.

في سوريا البعثية لم يكن ثمة شيء يحد من اختراق الدولة للمجتمع واستتباعه. الطوائف غير معترف بها وغير مستقلة. الأحزاب المعارضة النشطة تُقمع بعنف استئصالي، حقود وطويل البال. الحياة الثقافية والأكاديمية والاجتماعية مراقبة ومخترقة بشدة. لكن مقابل حرمان المجتمع السوري من اي شكل من أشكال الاستقلال الاجتماعي أو الانتظام الاجتماعي المستقل، البلاد لم تكن مهددة بشكل متفجر من الحرب الأهلية. المشكلة السورية "تغوّل" الدولة، بينما المشكلة اللبنانية ضعف الدولة. في سوريا الدولة تحل مشكلة الحرب الأهلية بحل المجتمع ذاته. الدولة حل للحرب الأهلية لكنها كذلك "حل" للأهل الاجتماعي إن جاز التعبير. هنا أيضا ليس ثمة حصانات ولا سلطات مستقلة ولا استقلال اجتماعي. سؤال المستقبل السوري كيف يمكن حماية مناطق حرة للاستقلال الاجتماعي دون إضعاف الدولة ودون مزالق الطائفية؟

بصورة تخطيطية يمكن القول إن "المثل الأسفل" اللبناني هو الطائفية المطلقة أو الحرب الأهلية، والمثل الأسفل السوري هو السلطة المطلقة أو الطغيان. وقد جرب البلدان مثليهما الأسفلين حتى الثمالة. بل جربا كل منهما مزيجه الخاص وبعض مزيج شقيقه. ثمة بعض الأسفل اللبناني في الحالة السورية، وذاق اللبنانيون بعض ما خبره إخوانهم السوريون من سلطة اعتباطية و"دولة أمنية". ولا ريب أن الخوف من المثل الأسفل السوري يدفع لبنانيين كثيرين إلى الاستسلام لمثلهم الأسفل الطائفي. ولا ريب كذلك أن الخوف من المثل الأسفل الطائفي كما تجسد في الحرب اللبنانية يدفع الكثير من السوريين إلى تقبل الطغيان.

إنتاج المثل السفلى

غير أن الأسوأ (أو الأسفل) لا يكون الأسوأ (أو الأسفل) إلا إذا نجحت الثقافة في إقناع الناس بأنه كذلك، اي بجعله موضع تحريم وتربية ضمير مضاد له. فالمثل الأسفل ثقافة مثل المثل الأعلى. والمثل الأسفل ينتج اجتماعياً كما المثل الأعلى. والمثل السفلى التي لم "تحتويها" الثقافة (تستوعبها وتطوّقها) يجازف المجتمع بأن يسقط فيها من جديد. وما لا يكاد يحتاج إلى تأكيد خاص ان الحواجز الأخلاقية ضد التمييز الديني والمذهبي والإثني ضعيفة في ثقافة اللبنانيين والسوريين قدر ما هي كذلك الحواجز ضد التسلط والاعتباط والقسوة. بسهولة انزلق لبنانيون إلى سلوك عنصري ضد سوريين عزّلاً، وبسهولة ينزلق سوريون إلى شوفينية جريحة موجهة ضد لبنانيين. هنا مشكلة ثقافية لا ينبغي السكوت عليها، مهما أمكن تفهمها سياسياً. وعجز الثقافة عن التصدي إلى هذه الدناءات يبيح لنا القول إن الدكتاتورية والطائفية مثلان أسفلان "في ذاتيهما" وليس "لذاتيهمااي أن لدينا مشكلتين واقعيتين لكن لم نتمكن من جعلهما مسألتين فكريتين. وهو ما يدعو إلى جهد ثقافي أكبر في سبيل محاصرة الطائفية والطغيان أخلاقياً وثقافياً أو تسفيلهما. فهذا الجهد وجه مكمل للكفاح السياسي والحقوقي ضدها. ومن نافل القول إن التسفيل ليس محض تشهير كسول أو اجترار إنشائي لمساوئ الطائفية والطغيان، إنه جهد فكري وفني وفلسفي وأخلاقي يحاصرهما في داخل الفرد قبل أن يطردهما من المجتمع والدولة.

كثير من المأساة وقليل من المعنى

في الثقافة السياسية اللبنانية الشأن الطائفي أكثر حضوراً ما هو الطغيان في الثقافة السياسية السورية. غير أنه يصعب القول إنه يحضر كمثل أسفل. يصعب القول أيضا إن ثمة قراراً ثقافياً لبنانياً بنبذ الطائفية والتحرر منها وإخراجها من "الصواب السياسي" اللبناني. ولا ريب أن حداثة العهد بالحرب اللبنانية التي كان لها وجه أهلي وطائفي بارز من جهة، وما أشرنا إليه أعلاه من قيام الطوائف بحماية درجة مهمة من الاستقلال الاجتماعي من جهة ثانية، يعوقان تأسيس الوطنية اللبنانية على تحريم الطائفية أو تسفيلها. ورغم ان الطائفية كلفت لبنان عشرات الوف الشهداء فإن عدد من يمكن اعتبارهم شهداء ضد الطائفية ومن أجل جمهورية لبنانية قائمة على المساواة قليلون جداً. هذا بينما المثل السفلى تحاصرها التضحيات ودماء الشهداء ذاتها التي تحمي المثل العليا.

وإذا أمكن الاستناد إلى النموذج الذي توحي به مشاركة الشباب اللبناني من الجنسين ومن طوائف متعددة في "انتفاضة الاستقلال"، فإن جيل ما بعد الحرب، الجيل الذي لم تكوّن الحرب ذاكرته ولم تختلط ببناء شخصيته، سيكون جيل الوطنية اللبنانية الجديدة. ومن ناحية أخرى سيكون لتخفف حدة الاستقطاب الإقليمي وتسوية مقبولة نسبياً للصراع العربي الإسرائيلي وأفول الدكتاتوريات الإقليمية أن تدعم الدولة اللبنانية على حساب الطوائف دون أن يكون ذلك ضرورة على حساب الحريات.

ما ينطبق على الطائفية اللبنانية ينطبق على الطغيان السوري. كلف الطغيان سوريا آلاف الضحايا والشهداء، لكن عدد الشهداء ضد الطغيان ومن أجل الديموقراطية أقل. الطغيان يقتل الناس لأنه طغيان ولأنهم يعترضون على بعض وجوه نظامه، وليس بالضرورة لأنهم منسجمون في مقاومتهم له. وكذلك تقتل الطائفية الناس لأن الطائفية تقتل، وليس بالضرورة لأنهم مكافحون منسجمون ضدها. هناك فجوة بين الاستعداد للتضحية والمقاومة وبين الوعي الذاتي للتضحية والمقاومة. المآسي ذاتها، لكن المعنى أقل. والتضحيات ذاتها، لكن الأبطال أقل.

المشكلة ثقافية

الثقافة في سوريا كانت ضعيفة حيال العقائد والتنظيمات الخلاصية الحاملة لبذور الطغيان الحكومي. وبينما ينتقد السوريون بحدة في السنوات الأخيرة الطغيان الذي يعانون منه ولم يقصروا في تسفيله فإنهم كانوا أقل نجاحاً في بناء الوعي الوطني السوري حول مناهضة العسف والاعتباط وتحريم القسوة وتجريم التعذيب. ونميل إلى الظن بأن المشكلة ثقافية أكثر ما هي سياسية، أعني أن الثقافة لا تزال مقصرة عن استيعاب وتمثل الخبرة الحية للسوريين في ظل الطغيان وعن بث الانسجام في وعيهم وسلوكهم في مواجهته. وقد يمكن القول إن تجنب النزاع الأهلي (لكن ليس الولاء الطائفي) ثقافة في لبنان، بينما لم يبلغ تجنب الطغيان هذا المستوى في سوريا. ولعل الأصل في ذلك، في الحالين، ما سبق ان أشرنا إليه من دور للطوائف في الحد من تسلط الدولة المحتمل في لبنان، ومن دور للدولة في سوريا في الحد من احتمالات التناثر الأهلي وفي تحقيق ذاتية سياسية عليا تهدئ القلق السياسي والكياني السوري. بعبارة أخرى، يخشى السوريون ضعف الدولة بدرجة قد تفوق خشيتهم من قوتها، ويخشى اللبنانيون ضعف طوائفهم أكثر مما يخشون قوتها.

احتمالات قوية وخيارات ضعيفة

غير أن هذا يحدّ من الخيارات المتاحة للشعبين. فخيارات السوريين تبدو محصورة بين دولة قوية تسحقهم وبين دولة ضعيفة يخشون منها على بقاء بلدهم واستقرار مجتمعهم، أو بين الطغيان والتفكك الوطني والاجتماعي الذي قد يأخذ شكلاً طوائفياً. ولا يبدو الجمع بين دولة قوية وسيادة القانون خيارا سياسيا واجتماعيا حقيقيا. وفي لبنان تبدو الخيارات محصورة بين قوة الطوائف وضعف الدولة، وبين قوة الدولة وانسحاق مساحات الاستقلال الاجتماعي. هنا أيضاً لا يرتسم بصورة مقنعة خيار يجمع بين قوة الدولة وشكل ديموقراطي للاستقلال الاجتماعي.

السؤال اللبناني، ختاماً: ما هي الخطط والسياسات والبرامج الضرورية لخفض الطلب الاجتماعي على الطائفية؟ أما الكلام على إلغاء الطائفية السياسية فلا معنى له حين تكون الطائفية، وليس الدولة، هي الحل. والسؤال السوري: كيف يمكن التحوّل نحو نموذج للدولة القوية لا يرتكز على العنف وحده؟ كيف يبنى التفاهم الوطني السوري على أسس مدنية ودستورية متطورة تحل محل الشكل البعثي، القسري والفوقي، للوطنية السورية؟ أما الكلام الغنائي على الديموقراطية والتعددية فقليل الجدوى حين يكون الطغيان هو الحل.

المشكلة ان الاحتمالين السيئين خياران اجتماعيان حقيقيان، أما الاحتمالان الجيّدان فليسا خيارين لأحد.

ثمة، بلا شك، أزمة ثقافية واجتماعية بالغة الخطورة حين تكون المثل السفلى حلولاً، والمثل العليا منابع للأخطار.

"المستقبل"