جعجعة الشائعات في سوريا

 بقلم : فايز سارة – السفير

 

 

أكثر من أي وقت مضى، تبدو سوريا اليوم ميداناً واسعاً للشائعات، ولا سيما الشائعات المتصلة بالشؤون السياسية والمتصلة بالاصلاحات خاصة. ففي كل يوم تظهر شائعة، واحياناً ثمة شائعات يجري تداولها على مدار الساعة، وقد يحدث اجراء تعديلات على الشائعة، ليتم تداولها في صورة اخرى، وهذا يتضمن تعديلات على الشائعة سواء لجهة الزيادة او النقص، او اطلاق صيغ جديدة ومناقضة كلياً للشائعة السابقة.
والحق فإن في الاجواء السورية بيئة تساعد على انتشار الشائعات، تبدو ملامحها الاساسية في ثلاثة مظاهر اساسية: اولها الارتباكات الحاصلة في السياسة الرسمية سواء في المستوى الداخلي او الخارجي؛ والثاني رغبة السلطات في عدم اتخاذ قرارات ربما تكون لها تأثيرات سلبية لاحقة على سياساتها وقراراتها؛ والثالث يمثله جو التكتم الرسمي وغياب الشفافية في علاقات الحكومة مع الجمهور.
والطريف في امر الشائعات السورية، ان اغلبها رسمي الطابع. تبدأ في خبر يطلق هنا او هناك، ثم يجري تداوله سواء دون توجيه أو بتوجيه من الجهات المعنية، التي لا يُشترط دائماً انها جهات واجهزة أمنية، ثم يدور الخبر بعد ان تتم عليه الاضافات والتفسيرات والامنيات، ليغدو شائعة مكتملة الاركان، يعاد انتاجها وتعميمها مجدداً، لكن على نطاق واسع من خلال اجهزة الاعلام، التي تبدو اليوم عيونها مفتوحة الى الحد الاقصى في تعاطيها مع الشؤون السورية.
ان بين أكثر الشائعات السورية، التي جرى تداولها في الفترة الاخيرة، شائعة ان السلطات السورية، درست حالة غير المجنسين من السوريين الاكراد، وانها قررت منح الجنسية لثلاثين الفاً (وردت تقديرات اخرى حول العدد) في اطار عملية تصفية التوترات على خلفية احداث القامشلي في آذار 2004، وذلك بعد الخطوة الرسمية التي تم من خلالها اطلاق السجناء والمعتقلين السوريين الاكراد.
الشائعة الثانية، التي جرى تداولها على نطاق واسع، انه سيجري اطلاق سراح معتقلي وسجناء <<ربيع دمشق>>، وقد اشير بالتخصيص الى كل من النائبين رياض سيف ومأمون الحمصي، وكلاهما محكوم بالسجن لخمس سنوات، قاربت على النهاية، اذا اعطي كل منهما ربع المدة. وجاءت هذه الاشاعة على خلفية زيارة برلمانية اوروبية تمت مؤخراً، قيل ان بين تفاصيل الكلام الذي تبودل في خلالها، ان رئيسة الوفد البرلماني الاوروبي رغبت في رؤية النائبين سيف والحمصي طليقين، وان ذلك سينعكس ايجاباً على العلاقات الاوروبية السورية، ولا سيما على اتفاق الشراكة بينهما والذي تحيط شكوك بتوقيعه.
اما الشائعة الثالثة والاهم، فتقول ان المؤتمر القطري القادم لحزب البعث الحاكم، سيُجري اصلاحات كبيرة وجوهرية، تطال مختلف جوانب الحياة. وقد بُنيت هذه الشائعة على جملة اعتراضية، قالها الرئيس بشار الاسد في خطابه امام مجلس الشعب السوري الشهر الماضي، عندما اعلن قرار الانسحاب السوري من لبنان بعد حديث عن العلاقات السورية اللبنانية.
ورغم انه من الصعب الجزم في تحديد من قام باطلاق الشائعة الثالثة، فان الشخصية التي اطلقت الشائعة الاولى، كانت شخصية كبيرة في الجهاز الامني السوري، التقت شخصيات من قيادة الاحزاب الكردية في سوريا، واخبرتهم ان مشكلة غير المجنسين سوف تحل، ويمنح عديمو الجنسية من السوريين الاكراد الجنسية، فقام بعضهم بتسريب الخبر لاوساطه المقربة وللصحافة، فعمت الشائعة الداخل السوري، وفاضت منه الى الخارج. ومثل ذلك حدث بالنسبة للشائعة الخاصة باطلاق سراح معتقلي <<ربيع دمشق>>، وعُممت اول مرة عبر البريد الالكتروني من منظمة سورية في الخارج، وتلقفتها بعض الاوساط في الداخل السوري، ثم ضختها في الداخل، وجرى تسريبها الى الاعلام، فصارت خبراً داخلياً وخارجياً في آن معاً.
غير انه بخلاف مضمون الشائعتين السابقتين، فانه لم يتحقق أي تقدم على طريق منح الجنسية للسوريين الاكراد، ولم يطلق سراح أي من معتلقي <<ربيع دمشق>>، بل جرى نفي الشائعة الثانية من آل المعتقلين والسجناء ومن اوساط حقوقية سورية ايضاً. اما ما يتصل بالشائعة الثالثة الخاصة بالمؤتمر القطري، فالأمر لا يحتاج الى نفي، لأن المؤتمر القطري ليس من صلاحياته اساساً اجراء اصلاحات، واقصى ما يمكن القيام به اصدار قرارات وتوجيهات للقيادة القطرية التي سينتخبها، وتاليا للحكومة المعينة للقيام بما يمكن ان يعتبره مؤتمرو البعث <<اصلاحات>>، رغم ان ثمة شكوكا سورية واسعة في المستويين السياسي والشعبي حول قدرة المؤتمر القادم على التوجه نحو سياسات اصلاحية في ظل حقيقة ان مؤتمرات الحزب تتبنى في العادة توجهات السلطات، والسلطات السورية تتكلم عن الاصلاح أكثر بكثير من ان تقوم بخطوات عملية وجوهرية فيه.
خلاصة القول، ان السوريين محاطون بالشائعات وغارقون فيها، وهي شائعات تدغدغ رغباتهم واحلامهم في الخلاص من المشاكل التي يرزحون تحتها وهي مشاكل متعددة ومتداخلة، يقوي علاجها او تجاوزها قدرتهم على مواجهة ما يفرضه الواقع من تحديات خارجية باتت تشكل تهديداً لمستقبل السوريين وكيانهم. لكن الواقع السوري في ظل الشائعات، يعيدنا الى عنوان تلك المسرحية الشكسبيرية الشهيرة <<اسمع جعجعة ولا أرى طحنا>>. واذا استمرت الحال السورية على ما هي عليه في توليد شائعات دون القيام بخطوات على طريق الاصلاح الجدي، فإن الوضع الى تفاقم مدمر، لا تنفع فيه الشائعات مهما كانت مشجعة، ومهما دغدغت رغبات اوسع قطاعات السوريين.
(
) كاتب سوري