«إمتحان بشار بالنار»: أي سيناريو في العلاقة مع سورية تنتهج الادارة الاميركية؟....

عمـاد مصطفـى...... الحياة

من يراقب الساحة السياسية في واشنطن، لاسيما منها ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط عموما وسورية خصوصا, لا يسعه إلا أن يشعر وكأنه يعيش في عوالم روايات فرانز كافكا، فاللامعقول وغير المنطقي يصبحان مرتكزا لأحاديث صانعي السياسات ومرجعا لرجال الكونغرس من شيوخ ونواب، وتطمس الحقيقة طمسا مذهلا في خضم طروحات المحافظين الجدد والإيقاع السطحي السريع الذي تتسم به نشرات الأخبار والبرامج السياسية في القنوات التلفزيونية الأميركية. وبالتالي يؤدي ظهور كتاب جديد عن سورية هو الأول من نوعه في الولايات المتحدة منذ تولي الرئيس بشار سدة الرئاسة حدثا يستحق التوقف عنده. 

الاستثناء الذي يثبت القاعدة

دعا مركز صبان التابع لمعهد بروكينغز والذي يديره السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل (والمدير الأسبق لمعهد واشنطن ذي الميول الليكودية المتطرفة) مارتن أنديك إلى ندوة سياسية وإعلامية لمناسبة صدور كتاب المحلل السياسي فلينت ليفيريت «وراثة سورية: امتحان بشار بالنار» (Interriting Syria: Trying Bashar By Fir). إشترك في إدارة الندوة مؤلف الكتاب نفسه فلينت ليفيريت (مدير سابق لقسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي وكبير المحللين سابقا لقسم الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية)، والصحافي الأميركي الشهير سيمور هيرش (أول من كشف فضيحة مجزرة مايلاي في فيتنام وفضيحة أبو غريب في العراق) وجيمس بينيت الذي كان مراسلا لـ»نيويورك تايمز» في القدس. وكان الحشد الإعلامي والسياسي الذي حضر الندوة كبيرا, والأهم من ذلك أنها بثت حية على قناة «سي-سبان» الإخبارية. أما المفاجأة فكانت أن هذه الندوة خرقت الحكمة السياسية السائدة في واشنطن والتي تقول أن نقد سورية والتهجم عليها هو الصوت الوحيد المسموح به في واشنطن، وأن من يستطيع أن يدلي بدلوه في هذا المجال فعلى الرحب والسعة، وإلا فليلزم الصمت صونا له من التهجم والقدح والتشهير. اذ قدم فلينت ليفيريت عرضا متوازنا ومعقولا جدا عن السياسة السورية وانتقد بقوة فشل الولايات المتحدة في اعتماد سياسة انخراط بناءة مع سورية وقدم تحليلا يتسم بالكثير من الموضوعية المتسمة بالإيجابية عن شخصية الرئيس بشار الأسد وسياساته. طبعا لم يخل كلام ليفيريت من الانتقادات للسياسات السورية لكنه ركز بوضوح على أن الولايات المتحدة, وليست سورية, هي المسؤولة عن التردي في العلاقات السورية الأميركية، وأشار إلى الدوافع الأيديولوجية والأحكام المسبقة المتسمة بالتحيز التي تقف وراء هذا التردي. وخلص إلى نتيجة مفادها أن غياب انخراط أميركي «مشروط» مع سورية يضر بمصالح الولايات المتحدة نفسها في المنطقة، ساخرا في شكل واضح من تردي الأداء الدبلوماسي الأميركي تجاه سورية، وأهم رأي عبر عنه ليفيريت كان أن الرئيس الأسد ليس مديرا لجمعية خيرية تهب الأميركيين العطايا، بل رئيس دولة يريد عقد اتفاق مع الأميركيين يحصل بموجبه على ما يراه مصلحة لسورية ويعطي الأميركيين مقابله ما يرونه مصلحة لهم. ثم تأسف كثيرا على الطريقة التي استخدمت بها الولايات المتحدة القرار 1559 للنيل من سورية والإساءة إليها عوضا عن استخدامه نقطة انطلاق لحل شامل لمشاكل الشرق الأوسط.

بعد ذلك عرض هيرش آراءه في شأن سورية ولبنان والصراع العربي - الإسرائيلي، فدافع بقوة عن الرئيس السوري وتهكم بعنف لاذع على صانعي القرار السياسي في واشنطن. وعندما حاول إنديك إمالة الكفة مرة ثانية بالاتجاه المضاد طرح سؤالا يتسم بالكثير من المكر: ولكن ربما كان السبب في تخلي الدبلوماسية الأميركية عن الانخراط مع الرئيس الأسد كامن في عدم تحقيقه للمطالب التي قدمتها إليه الولايات المتحدة؟ فجاء جواب ليفيريت قاطعا: إنه لا يستطيع أن يتنازل عن كل الأوراق من دون مقابل وضمانات، وفقط عندما تقرر الولايات المتحدة أنها تستطيع أن تتعامل مع سورية باعتبارها دولة ذات حقوق ولها مصالح وتقدم لها مقابل ما تطالبها به يمكن لنا تقويم استجابة الرئيس الأسد وصدقيته.

يتألف الكتاب من 286 صفحة من القطع المتوسط وهو يشمل مقدمة وخمسة فصول وثلاثة ملاحق. الفصل الأول بعنوان :»التناقض الذي تمثله سورية» وللفصل الثاني عنوانه: «تركة حافظ وإرث بشار»، والفصل الثالث عنوانه: «بشار وإمكانات الإصلاح الداخلي»، والفصل الرابع عنوانه: «بشار وموقع سورية في النظام الإقليمي»، والفصل الأخير بعنوان: «خيارات وتوصيات لسياسات الولايات المتحدة تجاه سورية». وواقع الأمر هو أن الفصلين الأول والخامس يقدمان تحليلا سياسيا للمشاكل القائمة بين الولايات المتحدة وسورية وتصورات مؤلف الكتاب لطرق معالجة هذه المشاكل، أما الفصول الثلاثة الأخرى فتقدم عرضا للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الداخلي في سورية ولشخصية الرئيس الأسد وللتحديات التي تواجه رؤاه الإصلاحية.

وبغض النظر عن تأييدي أو اختلافي مع وجهات نظر مؤلف الكتاب فلينت ليفيريت فإنني أعتقد أن الكتاب أقوى ما يكون عندما يقوم بتحليل السياسات وعرض الخيارات والإستراتيجيات. أما عندما يتحدث عن والوضع الداخلي في سورية فإنه لا يزيد عن تقديمه لعرض لمجموعة من المعلومات مما نستطيع قراءته في الإعلام السوري اليومي ولا سيما الإلكتروني منه. أما نقطة الضعف الكبرى في الكتاب فاعتماده على روايات شهود تفتقد للقيمة والصدقية، فهو ينقل قصصا وحكايات ليعتبرها مؤشرات يستخلص منها أحكاما. فعلى سبيل المثال ينقل رواية عن دبلوماسي غربي ليستشهد بها على عدم وجود «مؤسسة للرئاسة في سورية». إذ يقول أنه عندما زار هذا الدبلوماسي الغربي قصر الشعب في دمشق لاحظ أن القصر يتكون من ممرات وصالات فاخرة لكنه لا يحوي هيئة موظفين، فهناك الرئيس فقط ومرافقوه وحرسه ولا أحد آخر. وفات ذلك الدبلوماسي الغربي أن يقول لليفيريت أن ذلك القصر لا يستخدمه الرئيس الأسد إلا للمراسم واللقاءات البروتوكولية، وأن مقر عمله اليومي هو ما يسمى قصر الروضة، وهو أبعد ما يكون عن القصور إذ أنه ليس إلا بناية عادية متوسطة الحجم في حي الروضة في دمشق. والكتاب يزخر بالكثير من القصص والحكايات التي يدرك القارىء المطلع أنها أقرب إلى أحاديث الصالونات منها إلى الروايات الموثقة التي يمكن الاعتماد عليها.

إضافة إلى ذلك تزخر الفصول الثلاثة المتعلقة بالوضع الداخلي في سورية وبشخصية الرئيس الأسد بالعديد من الأخطاء الصرفة، ولا سيما عندما يتحدث عن مستشارين للرئيس الأسد ومقربين إليه، فيذكر أسماء أناس لم يعرف عنهم أنهم كانوا مستشارين له ويغفل أسماء أكثر أهمية، وإلى غير ذلك الكثير من المعلومات غير الدقيقة والتي أعتقد أنها ناجمة عن تصديق ليفيريت لكل ما يسمعه من قصص دون التشدد في التحقق منها ومقابلتها مع قصص أخرى للتأكد من موثوقيتها. أما عندما يخرج الكاتب عن عرضه للوضع الداخلي في سورية ويبدأ بالكتابة في المجال الذي يتمتع فيه بالخبرة والمعرفة والدراية فإنه يقدم عرضا قويا متماسكا للسياسات والخيارات التي تواجه القوى الإقليمية والكبرى في منطقة الشرق الأوسط.

بين الساسة والمنظرين

يعرف كل المتابعين للساحة السياسية في واشنطن اليوم أن صراعا محتدما يدور بين فئتين من صانعي القرار في السياسة الخارجية الأميركية: فئة تؤمن أن المقاربة البراغماتية للسياسية الأميركية هي المقاربة الوحيدة التي يمكن أن تخدم مصالح الولايات المتحدة القريبة والمتوسطة المدى، وفئة تؤمن بأن الأيديولوجيا يجب أن تحل محل السياسة البراغماتية في تعامل الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط «الاستبدادية والإرهابية». ولا يؤدي تحليل ليفيريت لتردي العلاقات السورية - الأميركية إلى نتيجة مختلفة عن ذلك المنظور السائد. فعلى سبيل المثال، عندما يتحدث عن زيارة ريتشارد أرميتاج الأخيرة إلى دمشق، وفيما إذا كانت ناجحة أو فاشلة، يقول أن الأمر غير المستغرب كان أن أطرافا مختلفة في الإدارة الأميركية قدمت تقويمات متناقضة لنتائج هذه الزيارة. ثم يستطرد فيشرح كيف أثنت عناصر من وزارة الخارجية والجيش الأميركي على الأداء السوري في ما يخص قضية الحدود العراقية فيما واصل مدنيو وزارة الدفاع التهجم على سورية والتحريض ضــدها.

إن المتفق عليه في واشنطن اليوم أن أكثر الناس موضوعية وعقلانية في التعامل مع الملف السوري هم الفنيون، أي ضباط الجيش والاستخبارات وخبراء وزارة المال الأميركية، وأن الدبلوماسيين المحترفين في وزارة الخارجية تحولوا إلى منفذين حرفيين للتوجيهات السياسية القادمة إليهم من أطراف أخرى من الإدارة (مجلس الأمن القومي ومكتب نائب الرئيس ديك تشيني) ولم يعد لهم إلا دور هامشي في تقديم المشورة وصياغة السياسات، أما الصانعون الحقيقيون للسياسات الأميركية تجاه سورية فهم أقطاب ورموز المحافظين الجدد.

ولا يتورع ليفيريت عن إيراد ذلك بشكل صريح في كتابه، فهو يحدثنا كيف أن مجموعة من المحافظين الجدد كانوا قد أعدوا دراسة استراتيجية لسياسات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط قبل فوز الرئيس بوش بإدارته الأولى، تقوم على مرتكزات ثلاثة: تغيير النظام في العراق عبر احتلاله، وإسقاط إتفاقية أوسلو، وضرب سورية وإضعافها ولا سيما في لبنان. ثم يذكر أسماء معدي هذه الدراسة ومواقعهم التي شغلوها في إدارة الرئيس بوش: ريتشارد بيرل ودوغلاس فايث ودايفيد وورسمر وبول وولفويتز.

عمل ليفريت لفترة طويلة في مجلس الأمن القومي وتعامل عن قرب مع مجموعات مختلفة من السياسيين الأميركيين الذين ينتمون إلى مشارب ومدارس مختلفة، وهو في موقع يسمح له بأن يقوم ما إذا كانت تلك المجموعة نجحت في فرض أهدافها السياسية الخاصة بها على الخط العام للسياسة الخارجية الأميركية أم لا.

التناقض الذي تمثله سورية

يناقش الكاتب في هذا الفصل بإسهاب أهمية الدور الإقليمي لسورية والتحديات التي تمثلها السياسات السورية للسياسة الأميركية في المنطقة، فيقول أنه بالنسبة لصانعي السياسة الأميركية فإن بلدا مثل سورية التي تعاني من مؤشرات ضعف عديدة مثل التنوع الطائفي والعرقي وقلة الموارد وصغر المساحة يجب أن يكون دولة صغيرة يمكن للقوى الدولية والإقليمية أن تهمشها أو تهملها، ومع ذلك فإن وضع سورية ليس كذلك.

وهذا التناقض بين مظاهر الضعف الإستراتيجي لسورية, بحسب رأيه, والدور السوري في المنطقة كلاعب رئيسي هو الذي يمثل التحدي للسياسة الأميركية. ويسهب المؤلف في ذكر تفاصيل التقلبات التي شهدتها العلاقات السورية - الأميركية، ودوافع كل طرف، طوال الفترة منذ حرب تشرين الاول (أكتوبر) 1973 وحتى تاريخه في الوفاق أو المواجهة.

ومع أن سورية برأي الكاتب شكلت دائما موقفاً ممانعاً وإشكالياً بالنسبة الى الولايات المتحدة إلا أن الأخيرة تعاملت مع سورية في شكل مختلف عن تعاملها مع دول مماثلة كإيران وعراق صدام، فهي لم تقطع علاقاتها معها بل سحبت سفيرها فحسب، وهي لم تضع سورية تحت طائلة مقاطعة اقتصادية وتجارية شاملة (باعتبارها داعمة للإرهاب)، ولكن ذلك كله تغير بعد 11 أيلول واحتلال العراق. هذا التغيير يطرح حاليا برأي الكاتب عدة أسئلة جوهرية أمام صناع القرار الأميركيين:

- هل يجب الاستمرار في ممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية والإعلامية الخطابية ضد سورية؟

- أم يجب معاملتها كنظام صدام أو طالبان أي العمل القسري لتغيير النظام؟

- أم هل تستخدم سياسة العصا والجزرة معها كما تم مع ليبيا؟

وصعوبة الإجابة تكمن في وجود تصورات عدة متضاربة في الولايات المتحدة عن الرئيس بشار الأسد. يرى المؤلف أن لكل تصور فريقاً يؤمن به ويكرره في أوساط صانعي السياسة في واشنطن، إلا أن رأيه الشخصي هو أنه لا يمكن تبسيط شخصية الرئيس الأسد بحيث تكون واحدة من التصورات السائدة وأن الحقيقة هي أن كل تلك العوامل تتداخل وتتشابك بصورة معقدة لتنتج شخصية الرئيس بشار الأسد، إلا أن الجوهري بالنسبة للمؤلف هو أنه بغض النظر عن البطء في عملية الإصلاح أو العقبات التي تقف في وجه تنفيذ الرئيس الأسد لخطته الإصلاحية، فإنه يعتقد أنه كان في وسع الولايات المتحدة أن تتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأسد تحل فيه القضايا العالقة معه وتساعده على تحقيق خطط التطوير والتنمية التي يريدها لبلده.

خيارات وتوصيات لسياسة أميركية تجاه سورية

يعرض هذا الفصل السياسات والاستراتيجيات التي تبنتها الإدارات الأميركية السابقة تجاه سورية، وكيف أنها كانت تعتبر سورية دولة ممانعة لسياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكن التعامل معها من شأنه أن يؤدي إلى تلاشي نقاط الخلاف الكبيرة في حال تم التوصل إلى اتفاق سلمي مع اسرائيل برعاية الولايات المتحدة. فاتفاقية السلام هذه من شأنها أن تؤدي إلى تلاشي حاجة سورية إلى تبني المنظمات الإرهابية وإلى نزع سلاح «حزب الله» وإلى تخلي سورية عن برنامج أسلحة التدمير الشامل لديها.

أما اليوم فإدارة الرئيس بوش حددت مجموعة أهداف تريدها من سورية تقوم على منع سورية من التدخل في الإستراتيجية الأميركية تجاه العراق، وإنهاء الدعم السوري للمنظمات الفلسطينية و»حزب الله» مع المحافظة على تعاون سورية معها ضد «القاعدة»، وإنهاء الوجود السوري في لبنان.

ويشير الكاتب بعد ذلك إلى عدم وجود استراتيجية عمل واضحة لدى إدارة الرئيس بوش تجاه سورية وإلى أن غياب هذه الإستراتيجية الواضحة هو أمر ضار بالمصالح الأميركية ويعرض الخيارات التالية قبل أن يحلل كل منها: زيادة الضغوط وأشكال العقوبات المختلفة, وتغيير قسري للنظام في سورية, وإعادة إحياء المسار السوري في محادثات السلام أو الانخراط الشرطي مع نظام الأسد خارج إطار عملية السلام.

وهو يشير إلى وجود فرقاء مختلفين في الإدارة الأميركية يؤيد كل منهم أحد هذه الخيارات. بعد ذلك يحلل الكاتب كل من هذه الخيارات.

زيادة الضغوط

يشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة تعتمد سياسة العقوبات على سورية منذ فترة طويلة، بدءا بوضع سورية في قائمة الدول المساندة للإرهاب ومرورا بقانون محاسبة سورية وتطبيق قانون باتريوت على المصرف التجاري السوري وانتهاء بمجموعة عقوبات لاحقة يزمع الرئيس بوش اعتمادها. إلا أن الكاتب يشير إلى أن سياسة العقوبات لا تكون مجدية عندما تكون أحادية الجانب، وبما أنه يستبعد أن توافق دول الإتحاد الأوروبي وروسيا والصين على فرض عقوبات دولية على سورية فإنه يرى أن هذا الخيار غير مجد.

التغيير القسري للنظام

يشير الكاتب إلى أن مجموعة من كبار رجال الإدارة الأمريكية وغيرهم من المحافظين الجدد يؤمنون منذ زمن طويل بالتغيير القسري للنظام السوري. إلا أنه يشير إلى أن تورط الإدارة الأميركية في حربي العراق وأفغانستان، وقلة الدعم الدولي لمغامرة عسكرية أمريكية ثالثة تجعل هذا الخيار مستبعدا في الوقت الحاضر على رغم وجود دعاة أقوياء له في الإدارة الأميركية. كما يشير إلى أن رغبة الرئيس الأسد الواضحة في الإنخراط في حوار جدي مع الولايات المتحدة تفقد دعاة الحرب حجتهم القائلة بأنهم استنفدوا الوسائل الدبلوماسية للتعامل مع الإشكالية السورية الأمر الذي لا يضفي أي شرعية على حرب أميركية جديدة ضد سورية.

بعد ذلك يتطرق الكاتب إلى فكرة استخدام المعارضة السورية في الخارج أداة لقلب النظام إلا أنه يستبعدها لأنه لا يعتقد بأن هذه المعارضة تتمتع بوجود حقيقي في الشارع السوري مشيرا إلى أن معارضة الداخل قد رفضت التعامل مع المعارضة التي ترعاها أميركا لكي لا تفقد صدقيتها أمام الشارع السوري. ويخلص الكاتب إلى رفض هذا الخيار.

إعادة إحياء مسار السلام

يؤيد الكاتب بقوة ووضوح فكرة أن إعادة إحياء مسار السلام السوري الإسرائيلي هو أفضل الحلول للتعامل مع سورية والرئيس بشار الأسد، وهو أمر يخدم مصلحة سورية ومصلحة إسرائيل ومصلحة الولايات المتحدة نفسها. وهو يشير إلى أن سورية لن تقبل باستئناف محادثات السلام إذ لم تلتزم إسرائيل في شكل أو بآخر بتعهد رابين (وديعة رابين). إلا أنه يعترف أن الظروف السياسية الحالية في إسرائيل لن تسمح باستئناف عملية السلام، وهو لا يرى هذا الاحتمال واردا طالما ظل أرييل شارون رئيسا للحكومة الإسرائيلية، رغم أن الاستخبارات الإسرائيلية وكبار القادة العسكريين الإسرائيليين يؤيدون الانخراط مع سورية في عملية سلمية.

الانخراط الشرطي

يشرح الكاتب فوائد الإنخراط الإيجابي مع سورية على رغم أنها بلد مشاكس للولايات المتحدة حسب رأيه. وهو يشير إلى الفوائد التي جنتها الولايات المتحدة من الانخراط الإيجابي مع دول أخرى مثل السودان وليبيا. ويطرح السؤال التالي: هــل الرئيــس بشار الأسد رجل قابل للانخراط معه أم لا؟ ويجـــيب بنعم.

يقول الكاتب أن الرئيس بشار الأسد قابل للانخراط معه للأسباب التالية: فهو ليس مهووسا أيديولوجيا كنظام «طالبان»، وليس مجرما شريرا كصدام، وهو أوضح مرارا بأنه يرغب في تحديث سورية واصلاحها على رغم انعدام وجود رؤية واضحة لكيفية تحقيق ذلك الإصلاح.

يشير الكاتب أن الرئيس الأسد يؤمن بالانخراط مع أميركا والتوصل معها إلى اتفاق يقوم على ما يلي: استعادة الجولان، وعلاقة إيجابية مع أي نظام حكم ستتمخض عنه التطورات في العراق، وعلاقة قوية مع الولايات المتحدة.

في نهاية الفصل يختم الكاتب كتابه بدعوة الإدارة الأميركية إلى التوصل إلى صفقة مع سورية. ويشرح الفوائد التي ستعود على الولايات المتحدة من التوصل إلى صفقة كهذه في كل من المواضيع التالية: العراق ومشروع الولايات المتحدة فيه، والإرهاب والتعاون مع سورية على مكافحته، وإتمام عملية السلام الشامل في الشرق الأوسط.

والجملة الأخيرة في الكتاب هي التالية: سيكون من المخيب للآمال أن تعجز المؤسسة السياسية الأميركية عن حشد الإمكانات والطاقات للسير قدما في سياسة تخدم بوضوح المصالح الأميركية.

* سفير سورية لدى الولايات المتحدة، عميد سابق لكلية المعلوماتية في جامعة دمشق.