الليبرالية والعلمانية: تواطؤ الدولة والتيار الديني.....

 خالد الدخيل.....الاتحاد

بسبب انتشار ما يعرف بالصحوة الإسلامية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي في العالم العربي, وبسبب السياسات الثقافية للدولة العربية تحول كل من الليبرالية والعلمانية إلى مفهوم مشين يدل على انحراف ونقص في الدين والعقل والأخلاق. وهذا أمر ليس بالجديد في الثقافة العربية. الجديد في الأمر هو تحول هذا الموقف أو النظرة إلى الليبرالية والعلمانية من موقف يكاد يكون محصوراً ضمن دائرة النخبة الدينية في الماضي إلى موقف شعبي واسع الانتشار في وقتنا الحاضر. أصبح مفهوم الليبرالية والعلمانية على لسان الكثيرين نوعاً من التهمة يسمح كل فرد لنفسه أن يوجهها إلى كل من يختلف معه في موقفه أو رؤيته الدينية لهذه القضية أو تلك. سيطرت على الشارع العربي دلالة عامية لكل من مفهوم الليبرالية والعلمانية, هذا على الرغم من أن هذين المصطلحين, بدلالاتهما الأبستيمولوجية والسياسية, لا ينتميان إلى مجال التداول الثقافي الإسلامي. من يؤيد قيادة المرأة للسيارة مثلا يعتبر علمانيا. ومن يدعو إلى الإصلاح والديمقراطية والحرية ينظر إليه على أنه ليبرالي متغرب, يتحدث بلغة ومفردات لا تتلاءم مع الإسلام, أو الشريعة ومقتضياتها.

بسبب هذه النظرة أصبح الكثيرون ممن يؤمنون بالديمقراطية والحرية من العرب والمسلمين لا يجرؤون على الإفصاح عن مواقفهم هذه في المنابر العامة, وذلك خوفا من أن يتم إدراجهم ضمن قائمة الليبراليين والعلمانيين. والحقيقة أن تهمة العلمانية أسوأ بكثير في الثقافة الإسلامية من تهمة الليبرالية. فإذا كانت الليبرالية تعني لدى العامة التحرر من قيود الدين والتقاليد, فإن العلمانية تعني الكفر والإلحاد, ومحاربة الدين. وبالتالي أن تكون ليبراليا أخف وطأة من أن تكون علمانيا. وفي هذا دلالة واضحة على تدني مستوى الفهم والاستيعاب لهذين المفهومين في الثقافة الإسلامية. كل ذلك يتم هكذا جزافا, وانطلاقا من مواقف شعبية وعاطفية لا تستند إلى دراسات وتمعن للدلالة الموضوعية لهذين المفهومين, ولجذورهما التاريخية, ومرجعيتهما الفكرية. يتم الحكم عليهما من خلال معايير ثقافية تنتمي إلى مرجعية فكرية وتاريخية مختلفة تماما.

تبخيس الليبرالية والعلمانية بهذه الطريقة يعكس جهلا فاضحا بتاريخ هذين المفهومين, إلى جانب أنه يعكس مدى السذاجة الفكرية والتاريخية التي ينطوي عليها كموقف ثقافي. إنه موقف يتجاهل تماما, وبكل بساطة متناهية ما حققته الليبرالية من إنجازات حضارية هائلة في الغرب. طبعا هذا لا يعني بالضرورة أن هذا المفهوم, ومعه مفهوم العلمانية سيؤدي إلى النتيجة ذاتها فيما لو تم تطبيقه كتجربة في إطار مختلف مثل الإطار العربي. وفي الوقت نفسه لابد من ملاحظة, أن تطبيق هذين المفهومين في التجربة اليابانية أفضى إلى نتيجة مشابهة, وليست متماثلة, مع ما حصل في الغرب. لكن عملية التبخيس السائدة عربيا تتجاهل حتى التاريخ الغربي, ولا تعير اهتماما للخصوصية التاريخية لهذا الغرب, خاصة في ضوء الإصرار العربي والإسلامي على ما يمثله من خصوصية. هذا الموقف العربي لا يحترم الخيار الذي استقر عليه الغرب في تبني الليبرالية والعلمانية لتجاوز المأزق الحضاري الذي كان يعيشه في العصور الوسطى.

المأزق العربي الحقيقي في تبخيسه لليبرالية والعلمانية لا يتجاوز موقف الرفض المشوب بالضعف والخوف. فهو في رفضه هنا لا يقدم لنفسه البديل, بل ينتكس إلى الماضي, لا لشيء إلا لمجرد الرفض. ولم يكن من الممكن أن يقدم بديلا لما يرفض, لأن الرفض لم يأتِ نتيجة لفهم واستيعاب مفهومي الليبرالية والعلمانية, وفي سياق من الحوار الفكري والثقافي مع التجربة التاريخية التي أفرزتهما. جاء الرفض عفويا ومباشرا, وكموقف ديني أيديولوجي مسبق.

لاحظ هنا أن الدولة في العالم العربي استفادت وتستفيد من الموقف الديني الشعبي من الليبرالية والعلمانية, تستوي في ذلك الدولة العربية الحليفة للغرب, وتلك التي لا تتمتع الآن بمثل هذا الحلف, وفقدت من قبل حليفها الذي طوته التحولات التاريخية, وأعني الاتحاد السوفييتي. من أين تأتي هذه الاستفادة, وهي في الواقع استفادة متوهمة؟ تأتي من أن هذه الدولة تشترك مع التيار الديني في رفضه لليبرالية والعلمانية, لكن ليس من منطلق ديني, بل من منطلق سياسي بحت. كانت هذه الدولة في الماضي القريب ترفض الليبرالية والعلمانية إما من منطلق اشتراكي مزعوم, أو من منطلقات إسلامية تتعارض مع المقتضيات السياسية والقانونية والاجتماعية لهذين المفهومين. الآن لا تصرح هذه الدولة العربية أو تلك بمثل هذا الرفض, أو بمثل تلك المبررات. بدلا من ذلك إما تلوذ بالصمت وتترك للتيار الديني المجال مفتوحا لتشويه وتدمير كل ما له علاقة بالليبرالية والعلمانية, أو تعلن تمسكها قبل كل شيء بالخصوصية الاجتماعية والتاريخية. في كلتا الحالتين تمثل الليبرالية والعلمانية تهديدا لسلطة الدولة بالقدر نفسه الذي تمثله بالنسبة للتيار الديني.

حصل هذا التلاقي بين موقف الدولة وموقف التيار الديني نتيجة لتطورين مهمين: الأول انتهاء الحرب الباردة, والثاني الثورة الكبيرة لآليات العولمة. التطور الأول وضع الدولة العربية في حالة انكشاف أمام هيمنة, الغرب الرأسمالي, وخصوصا الولايات المتحدة كدولة تسعى إلى ترسيخ هيمنتها على النظام الدولي. إحدى أهم آليات هذه الهيمنة هي تعميم النموذج السياسي للغرب, ولنظامه القيمي خارج حدوده السياسية والجغرافية.
التطور الثاني وفر للغرب الأدوات الثقافية والتكنولوجية, بما في ذلك التكنولوجيا العسكرية, لتحقيق عملية التعميم هذه, وتوسيع نطاقها. في هذه الحالة وجدت الدولة العربية نفسها أمام ضغوط التوسع المستمر للنظام الرأسمالي. وهي ضغوط يتأكد كل يوم أنه ليس في وسعها مقاومتها بسهولة ونجاح. وبما أن التوسع الرأسمالي, خاصة في صيغته الأميركية, يقدم نفسه في العالم العربي كإطار للإصلاح باسم الحرية والديمقراطية في وجه التطرف والإرهاب الإسلاميين في هذه المنطقة, لا تجد الدولة العربية مناصا أمام هذه الضغوط إلا من خلال الاستعانة بسلاح الدين, أو بمفهوم الخصوصية التاريخية والثقافية.

هي لا تملك رفض الإصلاح في هذه الحالة, لكنها تصر على ضرورة أن يكون الإصلاح نابعاً من الداخل بما له من خصوصية, ومرتكزا على الإرث الديني والتاريخي بما يحفظ للمجتمع هذه الخصوصية, وبالتالي يحفض هويته. بمثل هذا الطرح لا تعير الدولة اهتماما لحقيقة أنه كان بإمكانها أن تكون هي المبادرة إلى الإصلاح من الداخل, وقبل اشتداد ضغوط الخارج, وأنها بحديثها عن الخصوصية في هذه اللحظة تحاول كسب الوقت, ومخاتلة ضرورة الإصلاح. بعبارة أخرى, الدولة العربية هنا تستخدم أطروحات تيار الصحوة لرفض التغيير والإصلاح من خلال رفض شعارات الليبرالية والعلمانية.

تحالف الدولة والتيار الديني في محاربة مفهومي الليبرالية والعلمانية, وتشويه مضامينهما الثقافية والسياسية كان له دور كبير في المكانة المتدنية التي يحتلها كل من هذين المفهومين في الثقافة السياسية العربية في الوقت الراهن. كذلك لا يمكن تجاهل الدور المدمر للسياسة الأميركية تجاه المنطقة في تحقق النتيجة ذاتها. لكنّ هناك عاملا آخر لا يقل أهمية إلى جانب كل من الدولة العربية والتيار الديني, والسياسة الأميركية. ويتمثل هذا العامل في فشل الليبرالية, كأساس للعلمانية, وعبر مسارها التاريخي الطويل في الثقافة العربية في التحول من كونها مجموعة من المواقف والشعارات إلى منظومة فكرية وأيديولوجية متماسكة. بهذه الصفة بقيت الليبرالية مجرد نزعة, أو ميل ثقافي, ولم تتمكن من أن تتطور إلى موقف فكري وسياسي يستند إلى مجموعة متكاملة من المسلمات والقناعات الراسخة الموجهة لسلوك الفرد الذي يتبناها.

بعبارة أخرى, عندما نأخذ مرتكزات الليبرالية وهي: الفردية, والحرية, والتعددية, في إطارها الثقافي العربي نجد أنها مجرد شعارات. لم تتحول إلى حقوق إنسانية وسياسية مكتسبة, وإلى قناعات تعكس مصالح سياسية واقتصادية وفكرية لا يمكن القبول بانتهاكها مهما كان المبرر وراء ذلك. ما علاقة الفردية بالجماعة سواء في صيغتها العشائرية أو العائلية أو المذهبية؟ أكثر القوى السياسية حيوية وشعبية في العالم العربي هي مؤسسات الطائفة والعشيرة والمرجعية الدينية, وآخر الأمثلة العراق ولبنان. ثم ما علاقة الحرية بالدين والدولة, والفكر الديني, إلى جانب المؤسسات الأخرى المذكورة؟ وأخيرا ما علاقة التعددية بالإجماع, سواء في ذلك الإجماع الديني أو العشائري؟ وما علاقتها بـ"إن يد الله مع الجماعة, ومن شذ شذ في النار"؟ وبـأن "كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار"؟.