تجربتا فلسطين والعراق... ولبنان لا ديموقراطية بدون مواطنة  

 بقلم كلوفيس مقصود  -النهار

النزف المستمر في العراق يهدر صدقية الانتخابات المبتورة التي حصلت في 30 كانون الثاني من هذا العام. الاخطر ان العنف المتواصل هناك يشوه وبالتالي يحرف مسيرة الديموقراطية، كونها مشاركة شاملة لمختلف شرائح المجتمع في صناعة القرار والحرية الكاملة في التعبير عن الرأي، وتأسيس المجتمعات المدنية وما يستتبعها من مؤسسات واحزاب قادرة على تقديم برامج تشكل بأهليتها المدخل الى تأمين حق الاختيار بين بدائل واضحة.

هذا هو المطلوب. الا ان الحاصل في العراق، رغم الوهج الاعلامي الذي رافق عملية الانتخابات الاخيرة، لا يلبي الشروط الاولوية التي توفر للشعب العراقي الفضاء الذي يمكّن الديموقراطية من الوصول الى مبتغاها... بل قد يعطل جاذبية الديموقراطية، كونها مبتورة كمسيرة مرغوبة للحكم الصالح، وبالتالي لكرامة الشعب. وقد اثبتت التجربة العراقية ان سلطة الاحتلال سعت الى تسهيل "الانتخابات". لكن هذا لا يعني بالضرورة انها تؤول الى ديموقراطية. والادعاء الاميركي ان هذا كان ممكناً في كل من العراق وفلسطين تكذبه الوقائع على الارض. ففي العراق عجز الاميركي عن توفير مشاركة شاملة، وفي فلسطين امعنت سلطات الاحتلال الاسرائيلي في التحكم وتضييق مجالات صناعة القرار واتخاذ المواقف وأي توجه نحو تقرير اية سياسة تتعلق بتقرير المصير.

كما تؤكد الاحداث الدامية المرافقة لعملية "الديموقراطية" في العراق ان الاحتلال وان لم يوصف هكذا والانتخاب على اسس طائفية او عرقية، او الاثنين معاً، لا يمكن مهما ادعى "الواقعيون" ان يعطيا نتائج سليمة ومستقيمة لكونها تبقى مبتورة ومشوهة في الوقت نفسه. وهذا يعود الى ان الاسانيد المذهبية او الطائفية لاي انتخابات تعطل صفة المواطنة للناخب من خلال ترجيح انتماءاته الطائفية والعرقية وبالتالي تصبح خياراته محصورة بالمصالح المتقوقعة لمحترفي، او مستغلي، الطائفية، وبالتالي رغم ادعاء النقيض تغيب طاقة استكمال المصلحة الوطنية عملياً.

اما في الحالة الفلسطينية فلم تكن عملية الانتخاب مشروطة بانتماءات فرعية كما كان الحال في العراق، بل كان المواطن يعاني نقصاً في مواطنته وتكاملا في وطنيته. هذه الازدواجية تسفر الى حد كبير عن ان ممارسة الديموقراطية التي حصلت وسوف تُستأنف قريبا حصلت في وضع شديد الغموض. فالناخب الفلسطيني يعتبر ان مشاركته في الانتخابات تشكل خطوة وطنية لتحقيق مواطنته كون الاحتلال يشكل مرحلة انتقالية موقتة، مهما دامت. لكن الواقع هو ان اسرائيل لا تعتبر وجودها "احتلالا" في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي لا تعتبر وجودها هذا "مرحليا وموقتا" اي ترى نفسها غير خاضعة لأـحكام اتفاقات جنيف (الرابعة). وهذا بدوره يفسر ما تقوم به من بناء كثيف للمستوطنات وانشاء طرق التفافية واقامة حائط خارق لكل القرارات الدولية والشرعية التي ارست معالمها في شكل قاطع محكمة العدل في لاهاي. فالالتباس القائم في الواقع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة مرده الى ان اسرائيل تتعامل اصلا كونها مالكة ممارسة من دون اعلان، مثل الاحتلال الاميركي في العراق الذي يمارس سلطاته في عراق انتقلت اليه "سيادة".

في الحالة الفلسطينية كما في العراق جاءت النتائج حائلا دون استكمال المواطنة وفي الحالة العراقية حائلا دون استكمال وحدة الوطن. وان محاولة ادارة بوش ابراز كل من النتيجتين كاحتمال كونهما نموذجين للديموقراطية، التي يرغب في نشرها في "الشرق الاوسط الكبير" انما تستهدف طمس الاكاذيب والتزويرات التي دفعت فريق المحافظين الجدد الى خرق صلاحيات مجلس الامن وغزو العراق، وقد تبين ان كل ما حددوه من اسباب كان تلفيقا لكونه حول العراق ساحة جذب لكل من اراد - من ارهابيين - تصفية حسابات مع الولايات المتحدة، مما ادى الى التباس لاحق بين استقامة المقاومة وجرائم الارهاب. وفي فلسطين مكّن التحيز الاميركي لأهداف اسرائيل شارون، من الادعاء أن اي اعادة انتشار تشكل "تنازلا اليما" كأن اسرائيل تتنازل عما تملك!

في هذا الصدد تأتي انتخابات لبنان المقبلة اكثر استقامة وإن لم تكن مستقيمة، واكثر سلامة وان لن تكون سليمة. فهي وإن جاءت منعتقة نسبيا من "الخارج" فان انطلاقها الطائفي قد يكون اجترارا لما كنا عليه وليس تعبيرا عن اروع انتفاضة لا طائفية حصلت بعد 14 شباط وتجلت بأبهى مظاهرها في 14 آذار.

ان الديموقراطية ليست مقتصرة على انتخابات بل تفترض ان يقوم بها مواطنون اخترقوا حواجز الولاءات الاضيق من اجل انجاز رؤيا اشمل وانبل، كي تكون اكثر قدرة على العطاء، وبالتالي ارسخ وطنية... فلا ديموقراطية من دون مواطنة، وبالتالي لا مواطنة بدون ديموقراطية.