استجابة لتمنيات الدكتور يحيي العريضي: اطروحة لخيار حل وطني مشرف لسورية

عبد الله محمد أحمد حسن – القدس العربي

2005/05/02

 

تلبية لتمنيات الاخ الدكتور يحيي العريضي الواردة في صحيفة القدس العربي عدد الاربعاء 27/4/2005، حول من يتطوع بإطروحة تخاطب الهجمة الامريكية علي سورية، اتقدم بجهد المقل، ومعذرة إن كنت واضحا وقاطعا فيما أقدمه. لأن الموقف يتطلب الجدية والصراحة وإن كانت مؤلمة. وقيل في الادب الشعبي صديقك من صدقك .
بعد تجارب امريكا في افغانستان والعراق ومع السعودية ومصر والسودان وليبيا، تغيرت استراتيجيتها في التعامل مع سورية بعد خروج الاخيرة من لبنان.
إذ إتضح لامريكا إحتمالية سحب سورية الي ما تريده امريكا بوسائل أقل تكلفة مما جري في افغانستان والعراق.
ـ فما الذي تريده امريكا من سورية إذن؟
امريكا لا تصرح علنا بانها تريد ان تزيح النظام، ولكن الارهاصات الصحافية علي لسان ساسة امريكيين ترافقت مع زيارة شارون إلي امريكا، والتي تناولت النظام ورأسه مباشرة لم تأت من فراغ.
في الدهاليز السياسية الامريكية لا بد من سماع عبارات تتحدث عن إتخاذ إصلاحات جذرية داخلية دستورية (تقضي) علي ما يعتقده امراء هذه الدهاليز، الجناح المتبقي من حزب البعث بعد ان اقصي جناح العراق.
فهو في نظرهم حزب عقائدي مستبد لا محل له في ما تبشر الادارة الامريكية به من ديمقراطية علي النمط الغربي تحترم حقوق الانسان وتساهم في امن الغرب القومي بالوقوف ضد الارهاب وتجفيف منابعه في الشرق الاوسط الكبير.

قراءة امريكا للحالة السورية

تري
امريكا ان تركيبة النظام السوري التي استحدثها البعث تقوم علي حزب واحد كواجهة للسلطة يتحالف مع بعض الاحزاب الثانوية علي النمط الشيوعي الصيني وما جري عليه الحال في دول اوروبا الشرقية تحت النظام السوفييتي المنحل.
الكلمة النهائية في هذه الصيغة لقمة الهرم السياسي. او العسكرية الانقلابية، وهي في يد شخص واحد. اما المؤتمرات التي يعقدها الحزب فهي مجرد ديكور وكذلك البرلمانات في هذه الصيغ هي مجرد شكليات تجميلية للنظام.
برأيها ايضا ان شرعية النظام تعتمد علي قهر ثلاثي الاضلاع للقوي الشعبية:
ـ قوات مسلحة عقائدية تحكمها استخبارات قوية للرقابة علي التركيبة العسكرية حتي لا تقوم بانقلابات مضادة.
ـ اجهزة امن باطشة مفوضة تفويضا كاملا بالقوانين والمحاكم العرفية لردع كل من تسول له نفسه الخروج علي النظام.
ـ خلل إقتصادي موجّه عن قصد لتطويع القيادات الجماهيرية وفق نظرية (العصا والجزرة) او (جوّع كلبك يتبعك).
خلال ربع القرن الماضي استهدف الغرب هذا النوع من تركيبة السلطة بصورة مرنة. ولكن الادارة الامريكية الحالية إتخذت طابعا متطرفا في مواجهتها بذريعة انها تفرّخ الارهاب او تؤويه، وهي بهذا تساهم في زعزعة الامن والاستقرار الدولي.
وجاءت بداية نهاية هكذا انظمة مع نهاية الحرب الباردة وانفراد امريكا وزوال نظرية عدم التدخل في شؤون الاخرين الدولية وإحكام الحصار الاقتصادي والسياسي علي بعض الانظمة في دول مثل ليبيا والعراق والسودان وكوريا الشمالية وايران الاسلامية وسورية.

ما الذي تقوم به امريكا؟

تشير الدراسات ودهاليز السياسة الي ان امريكا تقود حملة للقضاء علي ما تسميه أنظمة الحزب الواحد بعد ان قضت علي الجناح الشيوعي السوفييتي والجناح البعثي في العراق...
وهي الآن تواجه جناح الشيوعية الصيني بوسائل إغرائية واقتصادية وتكنولوجية ادركت ان الصين في امس الحاجة لها...
وقد قامت بتجربة عسكرية للقضاء علي جناح البعث العراقي وما تزال تتخبط في الآثار التي ترتبت علي ذلك، فهي تعتبر ذلك درسا لها في تعاملها مع ما تسميه الجناح السوري للبعث.
ولذلك تغير استراتيجيتها وتسعي لاتباع خطوات مختلفة ترتكز علي القضاء علي الهدف بيد داخلية. ومن هنا كثّفت الجهود لوضع دراسات معمقة للاسلام
وانتقاء ما تراه مناسبا من منظماته ليقوم بمهمة إنجاز ما تريد.
ومن هنا سعت امريكا بعد خسائرها البشرية الباهظة في افغانستان والعراق إلي الاستفادة من المعارضين المحليين في مغامراتها في الشرق الاوسط، وذلك عبر تجنيد أقليات دينية وعرقية بإسم حرمانها من الحقوق الاساسية والحريات والمشاركة السياسية، وعبر تجنيد المعارضين السياسيين في الخارج وتهيئة المعارضين الصامتين في الداخل لتحدث تغييرات اساسية بكل الوسائل الاعلامية والدبلوماسية، وتكثيف الضغوط علي الحكومات المتمردة لاجبارها علي تقديم تنازلات متتالية لصالح المعارضات لا حد لها الي ان تقضي عليها.
والنموذج الخارجي الآن يتمثل بالضغوط علي السودان عبر مجلس الامن وعلي السعودية لتشجيع خطواتها باتجاه نظام ديمقراطي باجراء إعادة النظر في المنهج التعليمي والتربوي ولاقصاء النفوذ الوهابي والضغط علي اليمن للقضاء علي بؤر التعصب الديني بالقوة من خلال المساعدات المالية والفنية.
وبهذا الصدد تسعي أمريكا لمغازلة نوع معين من الجماعات الاسلامية التي تري انها عانت سياسيا لعقود وقمع بعضها بتكاليف انسانية كبيرة وهي منظمة شعبيا علي قواعد نائمة يمكن بعث الحياة فيها اذا وفرت لها الامكانات المالية. وهي مستعدة لتولي السلطة بمساعدات سخية إذا رضيت بالخط الامريكي الديمقراطي. ومن هنا قامت بأجراء حوارات مع حماس وحزب الله وإخوان مصر وآخرين من القيادات الاسلامية المنتقاة في الدوحة. وطلبت من الترابي السجين اعلانا يحرم فيه العمليات الاستشهادية في العراق وفلسطين ورحبت بالجعفري.
واعلنت عبر وزيرة خارجيتها وعبر لجان في الكونغرس ودعم هذا التخاطب والتحالف مع نوع معين من الاسلاميين او انظمة حكم تقودها جماعة اسلامية معتدلة. واعلن بوش ورايس دعمهما لهذا الاتجاه. تماهيا مع التوجه الامريكي شهدنا مؤخرا الاعلان المفاجيء الصادر من الاتحاد الاوروبي في الشأن السوري ـ اللبناني بانه شرع في دراسة فكرة الحوار مع جماعات اسلامية في الشرق الاوسط، وبدأت حملة اعلانية خليجية ـ موجهة امريكيا ـ لتنبيه الرئيس الاسد لاجراء قرارات شجاعة اصلاحية داخلية سريعة.
وإلا فأن امريكا ستنتزع زمام المبادرة منه، وتجريها باسلوبها الخاص وبمستوي اقصائي نهائي لنظام حكمه البعثي وستكون هذه المغامرة مسنودة بالاتحاد الاوروبي بخلاف ما قامت به من إقصاء نظام البعث العراقي لوحدها.
خيارات سورية والمطلوب منها فعله

علي القيادة السورية ان تتدبر امرها بكل ما يعتريه من جدية وخطورة..فالولايات المتحدة مصممة علي المضي قدما في خطة نشر النمط الديمقراطي الغربي بكل الوسائل الممكنة ـ شرعية كانت ام قذرة ـ وقد ركزت جهدها ـ الآن ـ علي العالم العربي دون استثناء لاقرب اصدقائها مثل مصر والسعودية.
وبعد احداث11 ايلول ـ سبتمبر 2001 والقرار الامريكي بحظر التعامل مع الاسلام لتسببه بما حدث لامريكا، نشهد مؤخرا توجها استراتيجيا جديدا في التعامل مع نوع معين من الاسلام.
و المطلوب من سورية إعادة النظر في تركيبة نظامها باجراءات اصلاحية تتلاءم مع مقتضيات الخطة الامريكية ـ الغربية او تستعد للصدام معها وتتحمل نتائج ذلك وقد تكون مغامرة تنتهي بسحق نهائي لنظامها السياسي.

خيار ـ 1 ـ

ـ إجراءات شكلية لكسب الوقت
قد
تحاول القيادة السورية القيام ببعض الشكليات مثل:
ـ الدعوة لوحدة وطنية لمواجهة تحديات التدخل الامريكي تجند لها وسائل الاعلام التي تملكها الدولة.
ـ الانقلاب التصحيحي علي حزب البعث بإقصاء بعض القيادات بذريعة انها سبب البلاء النازل علي الحزب، ويسخر فيها جهاز الامن الداخلي.
ـ اجراء انتخابات تشارك فيها قيادات حزبية جديدة و مؤتمر قطري تجري فيه الكثير من المزاودة.
ـ العفو الرئاسي عن بعض المعتقلين السياسيين وتشجيع بعض القيادات الثانوية المهاجرة علي العودة وتفتح لها وسائل الاعلام الداخلي للثناء علي هذا النوع من اجراءات التخفيف السياسي.
ـ نتائج محتملة للاجراءات الشكلية
بالمناسبة فإن هذا النوع من الاجراءات لا يقنع القيادة الامريكية وحلفاءها الاوروبيين لان مجرد وجود حزب البعث في صدر القيادة السياسية يدل علي أن القيادة لا تريد تغييرا جذريا، لأن القيادة في نظرهم هي مالكة زمام الامر وهي القادرة علي إجراء التغيير الجذري إذا ارادت ذلك.
ولذلك ستكون الجولة التي تلي مثل هذه الاجراءات عنيفة وتستهدف إزالة القيادة بدون اي تسوية.
علي القيادة السورية ان اختارت هذا التحدي ان تعلم انها ستواجه عدة سيناريوهات شرعية وقذرة معا وعلي سبيل المثال:
1 ـ إنزال عسكري: وهذا اضعف إحتمال لأن التجربة العراقية تكاد تزلق امريكا إلي فيتنام ثانية.
2 ـ حصار إقتصادي محكم وقد يكون اقوي من الحصار الذي ضرب علي ليبيا مع الفارق السكاني والعائد النفطي الليبي والحماية الايطالية التي لقيتها ليبيا. وكل ذلك مكنها من الصمود لأكثر من عقد من الزمان وانتهي الي استسلام كامل للادارة الامريكية.
3 ـ استهداف استقرار البلاد بعصابات مدربة من السوريين المعارضين بقيادة كوماندوز علي نمط ما يحصل الآن في افغانستان وما يشاع انزاله في انحاء من ايران وفي هذا قد يتم الاستعانة بعناصر مستعربة في الموساد.
4 ـ تحريك الاقليات العرقية وتبني مطالبهم مثلما تبنوا مطالب حركة جون قرنق في السودان ومطالب الاكراد في العراق ومطالب الاقباط المصريين المهاجرين في كندا وامريكا واستراليا.
5 ـ تحريك الاحتقانات الطائفية والمذهبية و استغلال تحكم مجموعة بأخري. ولا يستبعد هنا حدوث تفاهم مع جماعة مثل الزرقاوي العاملة في العراق لوضع سورية في اجندتها، مقابل بعض التسويات معها التي تؤدي لتخفيف وطأتها علي القوات الامريكية في العراق وفي هذا الحال امريكا جاهزة للتعاون مع الشيطان.
6 ـ تعرية سورية من اصدقائها العرب (مصر والسعودية) ومن اصدقائها الاوروبيين. وتعرية سورية من هؤلاء يعني ان امريكا ستخوض الازمة مع سورية مشدودة الازر باوروبا وبعض الاقطار العربية.. ومن وراء ذلك الامم المتحدة.
وهو شيء مختلف تماما عن الوضع في الحالة العراقية.

خيار ـ 2 ـ

ـ التحرك الجوهري السريع
اولا: إذا كان ماتقدم معقولا فيلزم القيادة السورية ان تتحرك بسرعة فتتلافي ما يمكن تلافيه وذلك بطرح مبادرة تصالح وطني تقوم علي استباق الولايات المتحدة في إحتضان العناصر المشار إليها أعلاه والتي عزلت عن السلطة والتنمية وعانت سياسيا.
واي تباطؤ معناه إتاحة الفرصة لامريكا للدخول عليهم واستيعابهم في خدمة استراتيجيتها وان تمعن المرء في رؤية جماعة الاخوان المسلمين السوريين لمستقبل سورية السياسي (نهاية 2004) سيجد انها متوازنة وتنسجم مع ماتطلبه امريكا ولكن الجماعة ذاتها لا تختار التعاون مع امريكا.
وفي الشهادة التي قدمها نجيب الغضبان امام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الامريكي يتم النصح للادارة الامريكية بالتعاون والتعامل مع حركات اسلامية لانه يساعد في تجفيف مفارخ الارهاب في الشرق الاوسط بعد ان عجزت الانظمة الحاكمة او لم تتعاون في تجفيفها.
ثانيا: ان يتم التحرك في هذا الشأن بغاية السرية إلي ان تكتمل فرص وعناصر حياته نضوجا.
ثالثا: ان تكلف به جهة محايدة حتي لا يبدو وكأنه تهافت من قبل القيادة السورية لاحساسها بالقلق والخطر او ان يظهر وكانه استجداء من قبل الاخوان. والفريق الاولي بتكليف هذه الجهة المحايدة هو القيادة السورية وليس الاخوان. ولا سقف الاستحقاقات يجب ان يرتفع، ولا التنازلات يجب ان تكون مستحيلة او صعبة.
رابعا: ان تتاح الفرصة للجهة المكلفة بهذه المهمة بالتالي:
1 ـ ان تشكل لجنة وسطاء من الاطراف العربية والاسلامية المتعاطفة مع قضية هذا التصالح الوطني السوري.
2 ـ ان تشكل اللجنة فريقا من الخبراء والباحثين لاجراء دراسة لجوانب الاشكال المختلفة بحيث تحدد الحد الادني الذي يمكن ان يلتقي فيه الاطراف.
3 ـ ان تتاح للجنة فرصة اللقاء بالقيادة السورية لتتعرف علي السقف المناسب لها بقاءً وكرامة لتستهدي به في توجيه لجنة الخبراء وتستفتح به مباحثاتها الاولية مع الطرف المعارض او الاطراف المعارضة في الداخل والخارج.
4 ـ ان يعطي امان من القيادة وحرية حركة لتلتقي اطراف الداخل والخارج المعارضة لتتشاور حول ما يطرح عليها ليكون لديها إجماع علي مايمكن ان يتم التصالح عليه.
5 ـ ان توفر الامكانات لعقد الندوات والمؤتمرات وحرية تبادل وجهات النظر.
6 ـ اللجنة المقترحة تتألف من عشرة اشخاص اصحاب خبرة مشهود لهم في المفاوضات بين الحكومات وجماعات معارضة، ولأغلبهم صلات مباشرة مع الجماعات الاسلامية السورية وغير السورية المعارضة في المهاجر. ولهم تأثير قوي عليهم ويمتلكون تعاطفا مع سورية وهم حريصون علي ضرورة إخراجها من الهجمة الامريكية المتجاسرة عليها والتي لا تعنيها قيادة سورية او معارضتها بل مصالحها.
اما اسماء هذه اللجنة فسأبقيها طي الكتمان إلي ان يتم الاستفسار عنها رسميا.
وزير وسفير سوداني سابق