أسئلة الحدث اللبناني على خريطة المثقفين السوريين

أكرم البني     الحياة     2005/05/1

مع تسارع التطورات في لبنان وجديد مواقف النظام السوري، ثمة أسئلة تثار بين المثقفين السوريين، يمكن توصيفها، بالأسئلة الصعبة صعوبة الوصول الى إجابات واضحة عليها.

السؤال الأول، يتعلق بهوية مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فثمة حال من الارتباك والحيرة تسم اجتهادات المثقفين السوريين في تفسير هذا الحدث الآثم، تنعكس عند غالبيتهم قلقاً وخوفاً من حقيقة ما يثار من اتهامات لأجهزة أمنية سورية ولبنانية في ما حصل: هل في الأمر صحة؟! أم مجرد تحامل من بعض المعارضة اللبنانية؟! أم لعله جزء من حملة أميركية مغرضة غايتها إحراج سورية وتشديد الضغط عليها؟!.

لا يزال قطاع من المثقفين السوريين يعتبر ما جري ويجري من تطورات في لبنان حلقة من مخطط قديم ومكشوف للولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل للنيل من النفوذ الإقليمي السوري، ويذهب هذا القطاع الى اعتبار ما حصل للحريري أمرا مدبرا نفذه عملاؤها لقناعتهم بأنه سوف يلصَق على الفور بدمشق والسلطة اللبنانية ويضعهما في دائرة الاتهام المباشر. ولتوكيد هذه الفكرة يشير أصحابها بالبنان الى أن واشنطن وتل أبيب هما الطرفان الوحيدان المستفيدان من هذا الحدث وتداعياته. وعلى العكس، يجد آخرون أن هذا التحليل التآمري لا يملك حظاً في الحياة وأن ليس ثمة حاجة ملحة عند واشنطن لمثل هذا الاختراق البوليسي كي تحقق مآربها، فلديها قرار أممي يقضي بسحب القوات العسكرية السورية من لبنان (على ما حصل) كان يتطلب التريث بعض الوقت كي يوضع موضع التنفيذ. ويضيف هؤلاء، أنه، وبغض النظر عن الفاعل الحقيقي، من غير الصائب أيضاً قياس الأمور بنتائجها أو شرطها تلقائياً بمن «يستفيد». وهم يستحضرون أمثلة عن أحداث أدت الى عكس ما كان أصحابها يرجون منها، بل انقلبت أحياناً وبالاً عليهم، من أهمها وأقربها زمناً تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. وقتئذٍ وجه كثير من المثقفين العرب أصابع الاتهام الى دوائر التطرف الأميركية لأنها برأيهم المستفيد الأول من نتائجها، وربما حتى الآن لا تزال قلة منهم غير مقتنعة، أو لا تريد أن تقتنع، بمسؤولية تنظيم القاعدة على رغم إعلان زعيمه هذه الحقيقة وما كشفته التحقيقات لأسماء المنفذين وانتمائهم لهذا التنظيم.

ما يثير الغرابة أيضاً، أن أصحاب هذا التفسير التآمري هم أنفسهم الذين رفضوا الدعوة لتشكيل لجنة تحقيق دولية تكشف اللثام عن جريمة الاغتيال، إذ من غير المفهوم، طالما لديهم ثقة مطلقة بضلوع واشنطن وتل أبيب في ارتكابها، أن لا يكونوا في طليعة المتحمسين لإجراء مثل هذا التحقيق وتعرية سلوك هؤلاء المجرمين أمام الرأي العام! ولا ينفع هنا التهرب ومحاولة تسوية هذا التناقض من خلال التشكيك والطعن بنزاهة هذه اللجنة وأنها قابلة للبيع والشراء وصياغة تقرير يرضي مطامع واشنطن وشركائها. فهذه إهانة للعالم أجمع، خصوصاً للدول الكبرى الصديقة صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، كروسيا والصين، والتي طالما استقوينا بها لنصرة حقوقنا!

صحيح أن واشنطن هي الطرف الأقوى في مجلس الأمن وضغوطها معروفة ومكشوفة في تسخير كثير من قراراته لتمرير سياساتها، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المنظمة الدولية ليست المخابرات المركزية الأميركية، ومن الصعب نجاح عملية شراء ذمم أو حصول مقايضات نوعية في ضوء توازناتها الراهنة، هذا إذا لم يسارع الإعلام الفضائحي الى كشفها قبلئذٍ. ثم أليس مجلس الأمن هو ذاته الذي شكل لجان تحقيق للكشف عن أسلحة الدمار الشامل في العراق ولم تستطع أميركا تطويع إرادة هذه اللجان وتحوير تقاريرها كي تبرر حربها، وهو المجلس ذاته الذي اتخذ قراراً ضد الحرب على العراق وأجبر لندن وواشنطن على الذهاب إليها دون إذن أو شرعية دولية!

السؤال الثاني، يبحث عن مدى جدية النظام السوري بعد سحب قواته من لبنان في صياغة علاقات جديدة ومتكافئة مع هذا البلد. فمشاعر الارتياح التي شاعت في مختلف الأوساط الثقافية والسياسية السورية من قرار سحب القوات الى ما وراء الحدود، لم تحجب قلق البعض بأن يكون الأمر مجرد مناورة لتخفيف الضغوط وكسب الوقت تضمر رغبة في إعادة الأمور الى ما كانت عليه. فعدم وقوف النخبة الحاكمة موقفاً نقدياً حازماً وصريحاً من السياسات القديمة تجاه لبنان ينذر باستمرار العقلية الوصائية ذاتها واحتمال بعثها بصور وأشكال مختلفة. ترجح هذا الاحتمال الدعاية الرسمية التي تصور الانسحاب على أنه انتصار وفوز وليس خسارة أو تراجعا عن دور إقليمي أكرهت عليه القيادة السياسية، وأيضاً تلك التظاهرات التي سُيّرت في معظم المدن السورية دعماً لقرار الحكومة وابتهاجاً بالنصر! وأخيراً ما يشاع عن استمرار الجهود السورية لإعادة ترتيب القوى والحلفاء اللبنانيين والإفادة منهم لمقاومة المستجدات القادمة!

يهمس أحد المثقفين بأن لا ثقة عنده في أن يؤدي الانسحاب العسكري الى فتح صفحة جديدة مع لبنان، مضيفاً أن نظاماً كالنظام الحالي في دمشق، وربطاً مع عمق مصالح بعض متنفّذيه في لبنان، لن يغير سياساته تجاه الجار الصغير طالما لم يكره على تغييرها تجاه الداخل السوري. ويجد آخر أن شدة الضغوط وجديتها وعمق المأزق الراهن كفيلان بإجباره على المراجعة والتصحيح. بينما يدفع ثالث موقفه في الاتجاه المعاكس معلناً بأنه لن تكون من مراجعة ولا من يحزنون، فنظام لم تهزه نوعية المتغيرات العالمية والإقليمية التي حدثت خلال العقد المنصرم لن يهزه التحدي اللبناني الأخير.

السؤال الثالث، يحاول سبر انعكاس ما جرى في لبنان على الأوضاع الداخلية السورية. فثمة ترقب وتوجس يتنامى في أوساط معظم المثقفين حول طابع المرحلة القادمة: هل يؤدي الانسحاب السوري الى التفات جدي صوب الداخل وإقلاع حقيقي في عملية الإصلاح والتغيير الديموقراطي، أم الى مزيد من الضبط الأمني والسياسي؟ ويجد بعضهم أن النظام لن يتقبل خسارتين متتاليتين، ويتوقعون أن يفضي انحسار الوزن الإقليمي والدور في لبنان الى مزيد من استحواذ النخبة الحاكمة على الوضع السوري وتشديد السيطرة عليه، وتالياً قطع الطريق على المعارضة وقوى المجتمع الحية من استثمار الجديد الراهن لتقوية حضورهما ووزنهما.

«لا أمل»، يتنهد أحدهم كمن يحاول تفريغ شحنة اليأس والإحباط التي تعتمل في نفسه، أو كأنه يكثّف مواقف أعداد متزايدة من البشر تصل، يوماً بعد يوم، الى التسليم بأنه ليس من تغيير قادم في سورية، وما من رهان على مؤتمر حزب البعث الحاكم في أن «ينتشل الزير من البير»، وقد خبروا جيداً مصير الوعود عن الإصلاح التي سبق أن أُطلقت لسنوات وسنوات.

في المقابل، يستبشر آخرون خيراً، ويعولون في المرحلة الآتية على تراجع ممانعة السلطة للتغيير واضطرارها لإعادة بناء شرعيتها السياسية على أسس جديدة تستند أساساً الى الداخل بعد انحسار دورها الإقليمي وفشل شعاراتها الوطنية والقومية. فالانفتاح على المجتمع هو المخرج الوحيد للخلاص من حال العزلة والحصار التي تزداد إحكاماً حولها بما هو تخفيف القبضة الاحتكارية على أنشطة الحياة السياسية والاقتصادية، وإظهار صورة جديدة لسورية تكون مقبولة عالمياً على صعيد الديموقراطية وحقوق الانسان. بل يعتبر هؤلاء أن النخبة الحاكمة باتت تعرف اليوم أكثر من غيرها بأن لا جدوى من العودة الى الوسائل الأمنية والعنفية وأن ليس من دولة أو حليف أو رأي عام يمكن أن يساند ويدعم سلطة لا تزال محصنة بالقمع والاستبداد.

بين هذا وذاك ثمة رأي يقرن حركة التغيير في سورية بمنطق القوة، ويجد أن النظام لن يقدم تنازلات سياسية أو يتخذ خطوات جدية في مسار الإصلاح الديموقراطي إلا تحت الضغط وبالإكراه. ولا يستبعد هذا الرأي حصول إجراءات متفرقة ومحسوبة تغازل بعض مطالب المجتمع ولا تمس جوهر السيادة السياسية، الغرض منها تخفيف أزمة النظام الراهنة والتكيف مع الاشتراطات الخارجية. وإذ يضمر بعضهم رغبة في أن تذهب هذه الاشتراطات بعيداً وبعيداً، يغمز البعض الآخر من قناة المعارضة السورية وقوى التغيير الديموقراطي آملاً أن تتجاوز ضعفها وترددها وتتقدم لانتزاع زمام المبادرة.

(كاتب وناشط سوري)