بين "الملك العضوض"… و"اجتماع البيوتات"

د. محمد عابد الجابري - الاتحاد

 


من أين يكون الانتقال إلى الديمقراطية؟ وبعبارة أعم كيف تتعاقب نظم الحكم؟ إذا طرحنا هذا السؤال على الفلسفة فإنها ستحيلنا بكل تأكيد على أفلاطون. أما إذا طرحناه على الفكر الفلسفي العربي الإسلامي فإنه سيشير علينا بابن رشد أولاً، ثم بابن خلدون ثانياً، وليست هناك ثالثاً!
ولسائل أن يسأل: ولماذا لا تطرح هذا السؤال على غيرهما من مفكري الإسلام من متكلمين وأصوليين ومؤرخين ومؤلفين في "نصائح الملوك" و"الآداب السلطانية" إلخ؟.
نقول جواباً على هذا السؤال الاعتراضي: إن هؤلاء جميعا دأبوا على اختزال مسألة الحكم في التاريخ الإسلامي كله في القول: "بدأ الحكم في الإسلام خلافة (مع الخلفاء الراشدين) ثم انقلب إلى ملك عضوض مع معاوية". وإذا كانوا قد تكلموا في "الخلافة" كثيرا، بكلام مكرور في الغالب، فقد سكتوا عن بيان طبيعة هذا "الملك العضوض" الذي يغطي تاريخ الإسلام كله، باستثناء ثلاثين سنة من الخلافة الراشدة. سنترك هؤلاء، إذن، لننتقل إلى الفلاسفة الذين عرفوا من خلال أفلاطون تفاصيل كثيرة ودقيقة عن طبيعة "الملك العضوض"، وعن أصنافه، وعن كيفية تعاقب هذه الأصناف وتحول بعضها إلى بعض. وسنضيف إليهم ابن خلدون الذي قام بمحاولة أصيلة لتفسير طبيعة هذا "الملك العضوض" من داخل التجربة الحضارية العربية الإسلامية.

لقد شاع عن أفلاطون أنه صاحب "المدينة الفاضلة" التي اعترف هو نفسه أنها يصعب أن تقوم على الأرض، وإنما مكانها "في السماء"، سماء "المثل" التي تتحقق فيها نماذج الأشياء، ومنها نظم الحكم، على أجمل صورة وأكمل ما يكون الشيء. وهذا صحيح. ولكن صحيح أيضاً أن أفلاطون قد حلل وشرَّح النظم الأخرى من الحكم غير الفاضل، نظم المدن المضادة للمدينة الفاضلة. وإذا كان في حديثه عن المدينة الفاضلة يميل إلى الخيال والحلم فهو في تحليله الخالد حقاً لمضادات هذه المدينة – أي لأنواع الملك العضوض وأسراره وخفاياه- أكثر واقعية وأكثر موضوعية وتدقيقاً من أي محلل يمكن وصفه بهذه الأوصاف، في العالم القديم.

معلوم أن "الديمقراطية" كلمة يونانية وهي مؤلفة من ديموس بمعنى الشعب، وكراتوس بمعنى سلطة أو حكم. فالديمقراطية إذن هي "حكم الشعب نفسه بنفسه". ولم يكن أفلاطون يحبذ هذا النوع من الحكم لأن التجربة قد دلته على أن العيب الأكبر الذي يصيب "المدينة" التي يتولى فيها الحكم ساسة من "الشعب" (أو الدهماء) هو جهل هؤلاء وعدم كفاءتهم، ولذلك قرر أن المدينة لا تكون فاضلة إلا إذا شيدت لبنة لبنة بإعداد رجال الدولة والساسة خير إعداد، فيكونون عارفين بشؤون المدينة (الدولة) أكفاء قادرين على القيام بمهامهم خير قيام. ومن هنا ارتأى أن المدينة لا تكون فاضلة إلا إذا كان رئيسها فيلسوفاً، وهو ذلك الرجل الواسع المعرفة، الحكيم في تفكيره وسلوكه. لقد نظر إلى رئيس المدينة نظرة الناس إلى الطبيب. فإذا كان من شرط مزاولة مهنة الطب، التي هي حفظ صحة البدن وإزالة المرض عنه، المعرفة الدقيقة بالبدن وبالأمراض وأسبابها وطرق علاجها، فكذلك يجب أن يشترط في رئاسة المدينة الفاضلة أن يكون رئيسها عارفاً بشؤون المدينة، قادراً على أن يحقق العدالة في تدبيره لها. ولكن أفلاطون انتهى كما قلنا إلى الإقرار بصعوبة قيام مثل هذه المدينة لأن الفلاسفة قليلون ولا يوجدون في كل وقت، وإذا وجدوا فالناس في الغالب لا يسلمون أمرهم إليهم، ثم إن من الفلاسفة أنفسهم من لا يتصفون بما يلزم من الخصال الحميدة التي لابد منها في رئيس المدينة.

تبقى إذن المدن التي توجد في الواقع فعلاً، وهي أنظمة في الحكم جعلها أفلاطون تتعاقب في كتابه "الجمهورية" كما يلي: حكومة الأرستقراطية
Aristocratie التي ترجمت إلى العربية بـ"حكومة الأخيار"، وهي عنده أفضل أنواع الحكم الممكنة واقعياً. وبانحلال هذا النوع تقوم التيموقراطية Timocratie وتعني حرفيا دولة الثروة والقوة العسكرية، وقد ترجمت إلى العربية بـ"رئاسة الكرامة" أو "مدينة الغلبة" لكون أصحابها يسعون إلى "الكرامة"، بمعنى المجد واليسار، عن طريق الفتوحات العسكرية (كما كان الشأن في إسبرطة)؛. وبانحلال التيموقراطية تنشأ الأولغارشية Oligarchie أي حكومة الأقلية من الأغنياء، وقد ترجمت إلى العربية بـ"رئاسة القلة" وبـ"رئاسة الخسة" و"برئاسة خدمة المال" وبـ"رئاسة اليسار". وبانحلال الأوليغارشية تقوم الديمقراطية Démocratie وهي "حكم الشعب نفسه بنفسه"، وعرف هذا النوع في الترجمات العربية القديمة بـ"الرئاسة الجماعية" وبـ"مدينة الحرية". فالديمقراطية عند اليونان هي المدينة الجماعية التي يغلب فيها ما هو طبيعي وفطري ولا تتجاوز في الغالب ما هو ضروري، ويكون السؤدد فيها لذوي النسب والحسب؛ وبانحلال الديمقراطية تعم الفوضى ويكون المآل قيام الحكم الاستبدادي أو الطغيان Tyrannie وقد ترجم هذا المصطلح قديما إلى العربية بـ"مدينة التغلب" أو "رئاسة وحدانية التسلط".

وهكذا تنحصر نظم الحكم الواقعية، عند أفلاطون، بين طرفين، أحدهما حكومة الأخيار (الأرستقراطية )
Aristocratie وهي الأقرب إلى المدينة الفاضلة، والآخر حكومة الطاغية وحداني التسلط Tyrannie، وهي في الطرف المقابل الأبعد عن المدينة الفاضلة. وبين هذين الطرفين تتعاقب نظم الحكم عبر التيموقراطية والأولغارشية والديمقراطية.

على أن أفلاطون يعود في مؤلفات أخرى ليصنف الحكومات حسب كونها دستورية تحكم بالقانون أو غير دستورية تحكم بالهوى، وانطلاقا من كون الحكم فيها في يد فرد أو أقلية أو في يد الجميع. وهكذا فالحاكم الفرد قد يكون على رأس حكم ملكي دستوري، وقد يكون على رأس حكم استبدادي، والأقلية الحاكمة قد تكون دستورية فتكون حكومتها "حكومة الأخيار" (الأرستقراطية) وقد تكون غير دستورية وحكومتها حكومة الأغنياء (الأوليغارشية)، أما الحكم الجماعي (الديمقراطية) فقد يكون معتدلاً وقد يكون متطرفاً. وأفضل نظم الحكم حسب هذا المقياس الجديد هي الملكية المقيدة بدستور وبهيئات نيابية تمثل الجميع. إنه نظام في الحكم مركب، يجمع بين الملكية والديمقراطية ويتجنب مساوئهما: يتجنب مساوئ الملكية المطلقة التي تتلخص في حب السلطة والانفراد بها، كما يتجنب مساوئ الديمقراطية التي تتمثل في المغالاة في حب الحرية. وبالجمع بينهما بالشكل الملائم يحصل التوازن الذي يحكمه مبدأ الحكمة المفترض في النظام الملكي ومبدأ الحرية الذي تقوم عليه الديمقراطية. ذلك هو ما انتهى إليه أفلاطون في آخر كتاب له في الموضوع: كتاب "القوانين" (ترجم إلى العربية باسم "النواميس").

فكيف قرأ الفلاسفة المسلمون آراء أفلاطون في الحكم؟ أما ابن سينا فلا بضاعة له في هذا المجال تستحق الذكر، وأما الفارابي فقد عمد إلى "الجمع" كعادته بين أفلاطون وأرسطو وأمشاج من نظرية الخلافة السنية والإمامة الشيعية، وانتهى به الأمر إلى القول إن المدينة الفاضلة هي التي يرأسها فيلسوف أو نبي، وقد فكر فيها باستلهام التجربة النبوية في المدينة ممزوجة بعناصر من مدينة أفلاطون.

وهكذا، فليس في ما كتبه الفارابي في الموضوع ما يستثير اهتمامنا وانتباهنا، نحن عرب القرن الحادي والعشرين. وبالعكس من ذلك تماما فيلسوف قرطبة ابن رشد. وفيما يلي البيان:

اختصر فيلسوفنا كتاب "السياسة" لأفلاطون، وهو المعروف اليوم بـ"الجمهورية"، وعلق على كثير مما ورد فيه، مطابقاً بين ما قرره أفلاطون في هذا الكتاب وبين حقب من التاريخ الإسلامي. وفي ما يلي أمثلة:

يوافق فيلسوف قرطبة أفلاطون على تحليله لكيفية انتقال الحكم من الرئاسة الفاضلة إلى الرئاسة الكرامية (رئاسة العسكر والفتوحات) ويقرأ ذلك التحليل في مراحل من التاريخ الإسلامي. يقول مخاطبا قارئه:"وأنت تقف على الذي قاله أفلاطون، في تحول السياسة الفاضلة إلى السياسة الكرامية، من سياسة العرب في الزمن القديم، لأنهم حاكوا السياسة الفاضلة ثم تحولوا عنها أيام معاوية إلى الكرامية". ثم يضيف:"ويشبه أن يكون الأمر كذلك في السياسة الموجودة اليوم في هذه الجزيرة"، يعني الأندلس. ومضمون هذه الملاحظة الأخيرة أن الحكم في المغرب والأندلس كان أقرب إلى السياسة الفاضلة على عهد الملك المستنير المتفلسف يوسف بن عبد المومن ثم تحول إلى حكم العسكر وطلب المجد من خلال الأعمال العسكرية على عهد ابنه يعقوب المنصور. أما في الأقطار الإسلامية الأخرى فقد تفككت الدولة في كثير منها مما جعلها تعيش وضعية "المدينة الجماعية"، وضعية اللادولة حيث الكلمة للقبائل والعشائر وليس للسلطة المركزية. هذا ما يبرزه فيلسوف قرطبة عندما يقول: "والاجتماعات في كثير من الممالك الإسلامية اليوم إنما هي اجتماعات بيوتات لا غير. وإنما بقي لهم من النواميس (القوانين والأعراف): الناموس الذي حفظ عليهم حقوقهم الأولى"، يعني نمط العيش في المجتمع القبلي حيث يكتفي الناس بالضروريات.

فتأمل! أما البقية فستأتي!.