الحروب الدينية وصراع الحضارات

د. طيب تيزيني الاتحاد

 

ربما جاء انتخاب الكاردينال الألماني جوزف راتسينغر خليفة للبابا يوحنا بولس الثاني في يوم التاسع عشر من شهر أبريل، بمثابة حدث مهم جداً في سياق الاضطراب الخطير، الذي يمر به النظام العالمي الجديد، ومعه نظرية صراع الحضارات• فلقد أعلن البابا الجديد - في أول عِظة يقدمها بعد يوم من انتخابه - مجموعة من الأفكار تعتبر ركائز المرحلة القادمة. أولى هذه الأفكار تمثلت في تأكيده على أنه لن "يوفّر طاقة في سبيل إعادة بناء الوحدة الكاملة لجميع المسيحيين". أما الفكرة الثانية فقد حددها بضرورة "الحوار مع أتباع الديانات الأخرى"، و"مع غير المؤمنين"، إضافة إلى الحوار "مع الحضارات الأخرى".

كان ذلك بمثابة فتح عدة ملفات، يقف على رأسها حلف الحوار العقلاني الندِّي بين الحضارات، وبين الأديان، وبين الفِرق في دين واحد، وبين المتدينين وغير المتدينين. فلقد راحت ضرورة تأخذ حيّزاً مهماً في حياة الناس على مستوى المعمورة كلها. فالاضطراب الحاصل في هذه الأخيرة مع تصاعد وتائر العنف والفقر والإذلال لأفراد وفئات ومجموعات وشعوب في حالات كثيرة متكاثرة، إضافة إلى التهديد بحروب يجتهد المبدعون لها في استنباط أسماء لها مثل "الحرب الاستباقية"، إن ذلك جميعاً يضع العالم على حافة نمط من الذعر، الذي لا يفضي إلى الموت ولا يُبقي على الحياة! وقد يكون اثنان من تجليات هذه الحالة في الاهتمامات، التي تطرحها هذه المقالة. أما الأول فيتمثل في الإطناب بالأصول الدينية، التي تكمن وراء الإدارات الأميركية السياسية وخصوصاً منها الكالفينية، التي تتأسس على التأكيد على أن الولايات المتحدة إنما برزت إلى الوجود قبل قرن ونصف القرن تجسيداً لدعوة إلهية من أجل أن تهيمن على العالم، وتحقق بالتالي تحرير هذا العالم من مظاهر "التخلف والعقم والإرهاب والوثنية المتحدرة من عالم الجنوب". وقد أتيح لهذه الأفكار أن تأخذ مداها الكبير في سياق الحروب "المقدسة"، التي تشنها على "أعدائها وأعداء الرب". ومن هنا كان ما قاله الرئيس بوش في إحدى المناسبات من أنه يشن تلك الحروب دفاعاً عن "الصليب" ومن أن هذه الحروب هي - بالتالي- "حروب صليبية"، تعبيراً دقيقاً عن أن الصراعات التي قامت وتقوم بين الدول إنما هي صراعات دينية.

ويظهر الأمر أكثر وضوحاً في الأطروحة، التي قدمها هنتينغتون حول "صراع الحضارات". ففي رأيه أن هذا الصراع سيكون، من الآن فصاعداً، ذا طابع حضاري: حضارات ضد حضارات، كما كان الأمر كذلك سابقاً، ولكن ليس بهذا الشمول الذي يكتسبه راهناً مع نشأة النظام العالمي الجديد. وإذا علمنا أن هنتينغتون ضبط مفهوم "الحضاري والحضارة" من موقع ديني، إلى حدّ كبير، فإننا سوف نلاحظ أن الصراع المذكور سيكون - بطبيعة الحال وبالصيغة الغالبة- صراعاً دينياً. وجدير بالإشارة أنه يتحدث عن ثماني حضارات، منها اثنتان قد تكونان -في رأيه- عصيّتين على الاختراق إلا بصعوبة كبرى وهما الإسلامية والصينية. وهذا من شأنه أن يعني أن الصراع، الآن، سيدور بين "العالم الربّاني" و"عالم العنف والإرهاب"، أي بين "رسولة العالم الرباني الحر"، الولايات المتحدة من طرف، وبين ذلك العالم "الإرهابي" من طرف آخر، وبعبارة أخرى، بين المسيحية والإسلام "ناهيك الآن عن البوذية".

أما المسيحية المعنية هنا بوصفها طرف الصراع الأول، فتتمثل في العقيدة الكالفينية القائلة إن الرب منح الأميركيين "رسالة حكم العالم"، وقدّم لهم الإمكانية الكبرى للهجرة من إنجلترا وإيكوسيا في أوائل القرن السابع عشر (عام 1607)، كي يبنوا "صهيون الجديدة" في "القارة الجديدة". وها هنا، بدأ الفعل باتجاه (الثروة والإنتاج والرب)، أي باتجاه المسوغات العظمى لفتح العالم وحكمه والهيمنة عليه. ويمكن القول إن تأسيس أول مستوطنة في العالم الجديد بفرجينيا عام 1607، اعتبر بداية غزو العالم، إلى أن وصل إلى مشارف سوريا في أيامنا هذه العارية من كل شيء إلا من العار. ويبقى تحديد "الإسلام"، الذي يبرز في معادلة هنتينغتون بمثابته واحدة من حضارتين اثنتين هما موضع التحدي الجديد (والثانية كما أشرنا هي الصينية)، كي نتبين موقعه من الحروب والصراعات الأميركية العولمية الاستباقية. فالإسلام المعني هنا لا علاقة له بالأيديولوجيا، إلا بقدر ما تقترب هذه الأخيرة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والنفطية. وهنا، نضع يدنا على ما اعتبره هنتينغتون "صراع الحضارات"، لـ"نكتشف" أن هذا الأخير إنما هو خط متوازٍ ومتداخل مع ما اعتبره بوش "زلّة لسان"، أي ما أعلن عنه بمثابته "حرباً صليبية أميركية"، ضد "إسلام يعوم على النفط" خصوصاً.

في تلك الحيثيات المثيرة إلى حدّ الخطورة، نقرأ ضرورة التبصّر فيما قدّمه البابا الجديد، بابا كل الكاثوليك في العالم، أي بابا الدين الذي ينتميان إليه، هنتينغتون وبوش كلاهما. فمن طرف أول، تتضح ضرورة وضع الحدود والتخوم، التي يمكن أن تتداخل بين الحضارة والدين، وتلك التي يمكن أن تتقاطع فيما بينها وتتخالف. ومن طرف ثان، يمكن القول إن الحديث الأكثر صدقية يتمثل في حوار الحضارات والمثاقفة فيما بينها. في حين أن الحديث عن صراع حضارات، أي صراع أديان حسب هنتينغتون، قد يكون فاقداً لمثل تلك الصّدقية، خصوصاً إذا وُضع في الاعتبار أن كل الأديان تضع نصب عينها مُثُلاً عليا يُراد لها أن تكون في خدمة الإنسان، بغض النظر عن وجهاتها وأنماط تفكيرها والآليات التي تحتكم إليها. ومن طرف ثالث، تتضح أهمية القيام بدراسة تفكيكية لخطابي هنتينغتون وبوش في ضوء ما نعمل على الشغل عليه تحت حدّ: المصالح تضبط العقائد، وتسهم في تفسيرها واكتشاف دلالاتها. فـ"الصراع الديني" الذي يدعوان إليه ويجدان ضرورة قصوى لتسويقه خصوصاً في البلدان المعنية (الإسلامية العربية)، إنما هو صراع مصالح يجري السكوت عليها، بل هو سيكون واضحاً وبارزاً، إذا اقتضت المصالح ذلك، مما يُفضي إلى القول إن الأيديولوجيا هي قراءة الأفكار وتفسيرها بمقتضى المصالح.

إن حزمة الأفكار، التي قدمها بابا روما الجديد، تنجز مهمة شاقة ومرموقة، حين تسهم - بلغة دينية- في تقديم حوار مفتوح يستبطن ما هو مغلق، لصالح ما يعتبره هدفاً له ولمجموعاته: السلم العلني.