الاتحاد الاوروبي...نفاق سياسي

واستعمار رأسمالي

 

ثابت عكاوي - كنعان

 

    

          هل كان من قبيل الصدفة أن أخذ مثقفون وساسة عرب في تحسين وتلميع صورة أوروبا راس المال في أعقاب تراجعها في السباق الرأسمالي الاستعماري وراء الولايات المتحدة؟ وهل كان لهذا العشق المُدعى او المزعوم من قبل الحكام العرب من مبرر؟

          في سياق تلميع أوروبا برز ديغول كقائد "تاريخي" بنظر العرب، وأصبحت فرنسا مثابة الوجه الحضاري الجديد للغرب. وتدريجيا أصبحت أوروبا بأسرها موضع آمال المثقفين والساسة العرب في إسعافهم في مواجهة الخطر الاميركي. وما أن تفكك الاتحاد السوفييتي حتى ازداد "أمل" هؤلاء العرب لتصبح أوروبا مثابة "حبها لنا أو الموت".

          مضت فترة وربما حتى الآن، كان من الصعب فيها على الكثيرين في شارعنا العربي نقد اوروبا حتى ولو بمعطيات سياسية، فما بالك بتحليل فكري نظري. وحتى في مصر البلد العربي الاكبر والاكثر تراثا ثقافياً، وقف مثقفون بمناسبة مئتي عام على الحملة الاستعمارية الفرنسية بقيادة نابليون ليحاولوا طمس او تجاوز الجوهر الاستعماري الرأسمالي لهذه الحملة محاولين تصويرها كثورة ثقافية وتثوير ثقافي!

          والحقيقة ان هذه التوجهات هي إنعكاس لأمور عدة منها:

الأول: هو الاحتجاز او الانسداد في مسار النهضة العربية القومية والاشتراكية

والثاني: هو تخارج مثقفين وساسة عرب وتأجنبهم بموجب مصالحهم وارتباطاتهم

والثالث: ان أوروبا نفسها لم تستسلم في السباق مع أميركا حيث أخذت تظهر باشكال عدة منها ثقافية كالفرانكفونية ومنها الانجزة(NGOization)، وزعم حقوق الانسان والمجتمع المدني...الخ

          وإذا اتفقنا ان الامرين المتعلقين بالعرب لا جدال كثير فيهما، بين العروبيين على الأقل، فإن الامر الثالث يشكل عصب الموقف بمعنى ان العلاقات التي تبدو وطيدة بين الاستعمار المتراجع والآخر المتقدم، بل هي وطيدة فعلا، لا تعكس حقيقة وجود تيارات متلاطمة في قعر النهر. فنحن نتحدث عن دول راسمالية استعمارية ذات قواعد انتاجية متطورة وبالتالي لها مصالح خارجية متجذرة بما يدفعها للتنافس فيما بينها. أما في حالة تمتع اوروبا بقوة مناسبة فهي لا بد ان تنقل التنافس الى صراع. وهذا يشير الى جوهر مسألة المنافسة في راس المال. فليس صحيحا ان المنافسة هي فقط بين افراد وشركات، بل هي ايضا ويجب ان تصبح بين دول وجيوشها لخدمة الشركات والافراد.

          لقد عادت اوروبا الى المشهد بقوة ملموسة بعد تعزيز الاتحاد الاوروبي وتوحيد عملتها، وبالتالي فهي تُعد نفسها لتحسين شروط اقتسام الضحايا مع امريكا. وهو الاقتسام الذي يأخذ الآن حالة المنافسة، ومن يدري متى يرتفع الى حالة الصراع.

          وما دمنا في مرحلة المنافسة، تفيد الاشارة الى ان المنافسة تأخذ احيانا حالة احتكار مزدوج او متعدد بين فريق من الاطراف. وهذا يفتح على حصول احتكارات غير اقتصادية مباشرة تكون في اساسها ومردودها اقتصادية او مصلحية مادية.

          تقدمت كوبا في نيسان هذا العام بمشروع قرار الى لجنة حقوق الانسان العالمية في جنيف مطالبة بالتحقيق في ظروف الاسرى في معتقل غوانتانامو الذي اقامته الولايات المتحدة على اراضي كوبا. لكن الاتحاد الاوروبي وقف الى جانب الولايات المتحدة ورفض مطلب كوبا بتحقيق مستقل وشامل. هذا علماً بأن قاعدة غوانتانامو هي حالة احتلال استعماري واضح للاراضي الكوبية من قبل الدولة التي تزعم انها منارة الحرية والتي يحج اليها مثقفون وساسة عرب يتكاثرون في مناخ العولمة الرأسمالية.

          إن طبيعة التصويت على القرار تعكس طبيعة الانظمة الحاكمة وتوزيع مصالحها. فقد ايدت الاقتراح الكوبي كل من سوريا وماليزيا وكوريا الشمالية وروسيا البيضاء والمكسيك وفنزويلا وغواتيمالا . بينما عارضه إضافة للاتحاد الاوروبي كل من الولايات المتحدة وبيرو وهندوراس وكوستاريكا والهند وكندا ورومانيا، بينما تغيبت 23 دولة.

          من الملاحظ ان الدول التي أيدت الاقتراح الكوبي هي في غالبها مستهدفة بالاستعمار او الاحتلال من قبل الولايات المتحدة، وهو الاحتلال الذي يمكن ان يلقى دعما او مشاركة اوروبية كما حصل في يوغسلافيا وافغانستان والعراق. في حين ان الدول التي وقفت ضد القرار الكوبي تنقسم الى مجموعتين، فهي غالبا من جمهوريات الموز التي هي مستعمرات اميركية لا تقل خضوعا عن قاعدة غوانتانامو نفسها، الى جانب الهند التي اصبحت لها مصالح استعمارية بعد انتقال اقتصادها الى علاقات شراكة مع الدول الراسمالية الامبريالية. وبعبارة اخرى فإن الهند هي في حالة من الحراك باتجاه التخلص من ماضي عدم الانحياز ودخول المعسكر الاميركي للعولمة مما يجعلها اقرب الى الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة.

          لكن المهم في الامر ان لا أحد من هذه الدول جميعا تزعم انها موئل حقوق الانسان والمجتمع المدني وسيادة القانون...الخ من هذا التراث المزعج من الاكاذيب والنفاق الذي يتخذ حالة هنا معاكسة لحالة يتخذها هناك. ربما لم يسبق أحد الاتحاد الاوروبي في وصف طالبان بالسلفية والظلامية ووصف الرئيس صدام حسين بالديكتاتورية وكذلك وصف كاسترو. وإذا كانت هذه المزاعم خاضعة او يجوز فيها النقاش، فإن احتلال غوانتانامو واعتقال الاسرى هناك لا مجال للجدال في عدم قانونيتها فما بالك بانسانيتها، ومع ذلك يقف الاتحاد الاوروبي ليخلع ملابسه الديمقراطية والحرياتية كلياً ويفتخر بالتعري مبرزا عورة قبيحة وكل عورة قبيحة بالطبع.

          لقد هاجم كاسترو موقف اوربا مبرزا ان الضغط الاوروبي هو الذي قاد الى رفض الاقتراح الكوبي وحال بالتالي دون مسائلة الولايات المتحدة.

          لقد توسل الاتحاد الاوروبي في العام الماضي الى كوبا كي لا تتقدم باقتراح يدين الممارسات الاميركية في قاعدة غوانتانامو مما يحرج الاتحاد الاوروبي إذا ما أدان الجرائم الاميركية هناك. أما هذا العام فقد ارتفع النفاق الاوروبي ليقف صراحة لصالح الولايات المتحدة.

          ما الذي حدث اذن؟ هل هناك أمر آخر غير تهاوي اكثر لحقوق الانسان في الشارع الاوروبي، وتماهي اكثر من دعاة حقوق الانسان مع الانظمة الحاكمة ناهيك عن تهالك الانظمة العربي والاسلامية وغياب أي دور شعبي ضد الاحتلال الاميركي للعراق والصهيوني لفلسطين؟ والاهم من هذا، أليس هذا مؤشر على تقارب اكثر بين الاتحاد الاوروبي وامريكا في اقتسام ثروة العراق والوطن العربي ومناطق اخرى في العالم؟ ألم نلاحظ هذا العام تقارب امريكي اوروبي، لا سيما ضد السودان ولبنان وسوريا؟

          يؤكد هذا ان حالة التنافس هي السائدة بين هذين الوحشين الاستعماريين، وهي منافسة تسير ضمن تقاسم وتشارك في الادوار ، أي لم ترتفع الى صراع. وما يسارع ارتفاعها الى صراع هو الحراك الشعبي في البلدان التي يستهدفها بل يُنيخ عليها هذا الاستعمار الرأسمالي.

          هذا الحراك او المقاومة الشعبية هي وحدها التي تضع حدا، أولاً لمثقفي راس المال والتغربن واللبرالية والانجزة في الوطن العربي خاصة، وهو الحراك الذي يمكن ان يبدأ بالتركيز على مقاطعة منتجات الغرب الاستعماري واستخدام شعار المقاطعة الاقتصادية للتجنيد لمقاومة التبعية الثقافية من قبل المثقفين التابعين والتبعية السياسية من قبل الحكام