نظرة تكاملية لظاهرة الإرهاب

السيد يسين -  الاتحاد

 

حين تعرضت للإرهاب في تحديه للديمقراطية، وفي علاقته بالعولمة لم أشأ أن أتعرض للمشكلة الشائكة التي تتعلق بتعريف الإرهاب. الخلاف أساسا بالنسبة للعمليات التي يقدم فيها شخص على تفجير نفسه، أي أن يتحول إلى قنبلة. هذه الأفعال وصفت بأنها عمليات انتحارية لدى البعض، وعمليات استشهادية لدى أنصار الجماعات الإسلامية على وجه الخصوص، الذين لا يرون فيها انتحاراً وإنما استشهاداً في سبيل الله، وهي في نظرهم عمل من أعمال المقاومة.
القانون الدولي يقر أن من حق الشعب المحتل مقاومة الاحتلال. وعلى هذا الأساس من حق أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. ولكن يبقى السؤال: هل أفعال المقاومة الموجهة ضد المدنيين الإسرائيليين مشروعة أم لا وفقاً للتعريف السابق، أم ينبغي توجيهها ضد العسكريين الإسرائيليين؟
إن تعريف الإرهاب مشكلة معقدة. وقد اتصل بي صديق وهو عالم اجتماعي مرموق قائلاً: أريد أن أعاتبك، لأنك وصفت من ارتكب حادثة الأزهر في مصر بأنه إرهابي، وأعترف أنني دهشت للغاية من مكالمته التليفونية، وسألته: كيف أصفه إذن؟ قال إن الإرهاب هو الذي تمثله الدول الظالمة، أما هذا الشخص الذي فجر نفسه فإنه – نظراً لحساسيته الشديدة – لم يطق أن يصبر عما يراه كل يوم من عدوان محلي ودولي على حقوق الشعوب العربية والإسلامية. وقلت له الإرهاب هو القتل العشوائي للبشر – أيا كانت دوافعه السياسية – لأن المجني عليهم سواء في حادثة الأزهر في القاهرة، أو في حادثة طابا أو في غيرها من الحوادث، هم أشخاص أبرياء لا علاقة لهم بالمشكلات التي أثرت في نفسية الإرهابيين ودفعتهم لارتكاب جرائم التفجير والقتل.

واختلفنا في الرأي، غير أنني أدركت أن هناك حاجة ملحة لتعريف الإرهاب. سنقتصر على تعريفات الإرهاب كما نصت عليها قوانين محاربة الإرهاب في كل من ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. ليس لأن تشريعاتهم أسمى من غيرها، ولكن لأنها واردة في قوانين خصصت لمواجهة الظاهرة، وتم تطبيقها فعلاً في العمل. ووفقاً لمكتب حماية الدستور فإن إدارة الأمن الداخلي في ألمانيا تعرف الإرهاب بأنه "صراع موجه لتحقيق أهداف سياسية يتم بالاعتداء على الحياة أو الممتلكات لأشخاص آخرين، وخصوصاً عن طريق ارتكاب جرائم عنيفة مثل القتل العمد وخطف الأشخاص والحريق". أما في بريطانيا فإن التشريع الخاص بمنع الإرهاب الصادر عام 1974 يعرفه بأنه "استخدام العنف ليحقق أهدافاً سياسية ويتضمن ذلك أي لجوء للعنف بفرض ترويع الجمهور ككل أو جزء منه".

ومن ناحية أخرى فإن وزارة الخارجية الأميركية تعرف الإرهاب بأنه "أي فعل عنف موجه لتحقيق أهداف سياسية بواسطة فاعلين أقل من مستوى الدول أو بواسطة عملاء سريين لدول ضد أشخاص غير محاربين بغرض التأثير في الناس".

وتعرف القوانين الأميركية الفعل الإرهابي بأنه عنف إجرامي يمارس بقصد ترويع أو قهر جمهور مدني، أو التأثير على سياسة حكومة ما عن طريق الترويع أو القهر، أو التأثير على سلوك حكومة ما عن طريق القتل العمد أو خطف الأشخاص". من هذه التعريفات جميعاً نخلص إلى العناصر المشتركة لتعريف الإرهاب، وهو كونه فعلاً من أفعال العنف عادة ما يتضمن ارتكاب جرائم خطيرة مثل القتل العمد أو اختطاف الأشخاص، وهو غالباً ما يتم تحقيقاً لأهداف سياسية للتأثير على سياسات الدول، أو ترويع القائمين عليها.

والواقع أن هذه التعريفات التي قد تبدو مجردة، تنطبق على كل أنواع الإرهاب وسواء كان إرهاباً غربياً أم إرهاباً تقوم به جماعات إسلامية متشددة. وحين نقول إرهاباً غربياً فينبغي أن يقر في الأذهان أن هناك إرهابا غربيا يساريا وإرهابا غربيا يمينيا إن صح التعبير!

الإرهاب الغربي اليساري يمثله أصدق تمثيل جماعة الألوية الحمراء الإرهابية التي تشكلت في إيطاليا في أواخر الستينيات، وقادها مثقفون ماركسيون أرادوا القضاء على النظام الرأسمالي باستخدام العنف. وكان على رأس هذه الجماعة الإرهابية توني نيجري أستاذ الفلسفة الإيطالي الذي حكم عليه بالإعدام وهرب إلى فرنسا، واحتضنه اليسار الفرنسي وعين أستاذاً للفلسفة في إحدى جامعاتها، وكان يرعاه على وجه الخصوص الفيلسوف الفرنسي الشهير ميشيل فوكو. وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً ضاق نيجري بالمنفى، وعاد إلى بلده إيطاليا، وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. غير أنه سمح له بالخروج من السجن كل صباح لكي يقرأ في مكتبة الجامعة، ويعود في المساء لكي يبيت في السجن!

وهكذا استطاع هذا الفيلسوف المرموق أن يستفيد من هذا النظام العقابي الفريد، فيؤلف مع مؤرخ أميركي هو مايكل هاردت كتاباً مهماً بعنوان "الإمبراطورية" قدم فيه نظرية مهمة عن مستقبل العالم في القرن الحادي والعشرين.

غير أن هناك إرهاباً غربياً يمينياً، تمثله الميليشيات العسكرية الأميركية التي تعتنق مذاهب دينية متطرفة، وتتبنى رؤى مختلفة عن العالم، ويقوم بالقتل الجماعي في بعض الأحيان. غير أن الذي يهمنا في الواقع هو الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المتشددة، التي تريد في الواقع تقويض أسس الدولة العربية المعاصرة لبناء الدولة الدينية التي تحكم بالشريعة الإسلامية. بل إن الإرهاب الإسلامي المتشدد طال المملكة العربية السعودية والتي هي بحسب التعريف دولة دينية، لاحتجاج أنصار تنظيم "القاعدة" على وجود الأجانب الكفار على أرضها المقدسة.

نحن في العالم العربي في مواجهة الإرهاب أمام ظاهرة بالغة التعقيد. ومن هنا فالتفسيرات الاختزالية التي تذهب إلى أن السبب هو الفقر المدقع للناس والذين يخرج من صفوفهم الإرهابيون ليس صحيحاً. والدليل على ذلك أن الإخوان المسلمين في مصر حين شكلوا الجهاز السري ليكون أداة إرهابية لتنفيذ أحكامهم بالموت على خصومهم من القضاة أو السياسيين لم يكن الدافع هو الفقر، ولكن كانت تقف وراء ذلك إيديولوجية دينية تريد إقامة الدولة الدينية، ولأهداف سياسية هي الاستيلاء بالقوة على الحكم في مصر.

ولعل ما يجعلنا ننحي جانباً هذا التفسير الاختزالي للإرهاب في مسألة الفقر، هو حالة زعيمي القاعدة المشهورين بن لادن السعودي والظواهري المصري. بن لادن من أكبر الأثرياء، وبالتالي فإن الزعم إن الفقر دفعه لارتكاب جرائم الإرهاب أو التخطيط لها لا يستقيم. وكذلك الظواهري الطبيب الذي ينتمي إلى أسرة مهنية ثرية. وهناك عشرات الأمثلة من أعضاء الجماعات الإرهابية سواء في الغرب أو لدينا لا علاقة لسلوكهم الإرهابي بالفقر.

المشكلة هي رؤى العالم التي يتبناها أعضاء الجماعات الإرهابية، وقد تكون هذه الرؤى ماركسية تحلم بعالم يسوده العدل وينتفي فيه الظلم الطبقي، وقد تكون إسلامية متشددة تحلم باستعادة الفردوس المفقود الذي يتمثل في إعادة نظام الخلافة من جديد، أو على الأقل قلب الدول العلمانية التي تحكم بالدستور والقوانين الوضعية، وتأسيس الدولة الدينية التي تقوم على الفتوى.

أمام ظاهرة الإرهاب لا ينبغي أن نقنع بالتفسيرات الاختزالية المسطحة ، مثل الفقر، أو القهر الذي تمارسه النظم السياسية السلطوية، لأن الإرهاب الغربي تم في حالات عديدة ضد نظم سياسية ديمقراطية لا تمارس القهر على شعوبها.

المشكلة الحقيقية هي كيف يتشكل العقل الإرهابي؟ هذا العقل الإرهابي بالرغم من الاختلافات الجوهرية بين الثقافة الغربية والثقافة العربية الإسلامية له بنية متماثلة.
ولهذا حديث آخر.