حزب بعث ديمقراطي!... ربما

وحيد عبد المجيد - الاتحاد

 

حدوث تغيير ملموس في هيكل حزب البعث السوري وبرنامجه واتجاهاته خلال مؤتمره القطري العاشر، لم يعد حديثاً هامساً أو توقعاً غائماً. صحيفة "البعث" السورية الرسمية بشرت بحزب يعمل بين صفوفه الناس ولا يكون أداة في يد الحكومة. وكتب رئيس تحريرها، في مناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لتأسيس الحزب في 7 أبريل الماضي، أن المؤتمر الذي سيعقد في يونيو المقبل سيكون المحطة الأكثر أهمية في تاريخ البعث.
فليس في إمكان دمشق الآن أن تصد رياح التغيير التي نجحت في مقاومتها طويلاً. وسوريا الخارجة من لبنان عبر ضغوط من داخله، وليس فقط بسبب سياسات دولية وإقليمية، ليست هي سوريا التي كانت لها اليد الطولى في هذا البلد الذي جعلته حديقتها الخلفية.
ولعل هذا يفسر التفاؤل الحذر في سوريا ومن حولها بإمكان استئناف "ربيع دمشق" القصير للغاية الذي ظهرت بشائره في مطلع عهد الرئيس بشار الأسد. ولكن ما أن بدأ ذلك "الربيع" حتى هبت موجة صقيع طويلة أعادت البرودة إلى الجسد السياسي السوري وكرست جموده الذي طال أمده. ولذلك فمن الطبيعي أن يكون التفاؤل أكثر حذراً هذه المرة. غير أن الأمل في ربيع الديمقراطية يطل برأسه مجدداً تدعمه مصادفة تزامن مؤشرات التغيير في حزب البعث مع حملة كبيرة لإعادة الياسمين إلى دمشق. الحملة أطلقتها إحدى الشركات السورية الخاصة الكبرى تحت شعار "شاركوا معنا لنزرع الحب في دمشق ونعيدها مدينة الياسمين". وهي تزامنت مع دعوات لمشاركة أكثر فاعلية في مؤتمر حزب البعث القادم ومؤشرات على تغيير سيحدث خلاله.

هذا التغيير، الذي بدأت ملامحه الرئيسية تتضح، يمكن أن يكون نقطة تحول فعلاً إذا أدى إلى إعادة صوغ دستور الحزب ولائحته التنظيمية، وليس فقط استبدال كلمات وعبارات بأخرى. هذا الاستبدال مهم في حد ذاته، خصوصاً عندما يؤدي إلى تبني مفهوم الديمقراطية بدلاً من "الديمقراطية الشعبية" التي استعارها الحزب من الماركسية. وكذلك الحال عندما يحل مفهوم التعددية السياسية محل "التنظيم الحزبي الموحد". ولا يخفى المغزى المهم لإحلال مبدأ العدالة الاجتماعية محل الاشتراكية. وربما تضاف إشارات لا سابقة لها إلى اقتصاد السوق.

وهذا كله مهم وضروري ويعزز فرصة التطور باتجاه الديمقراطية في المستقبل. ولكن الأهم والأشد ضرورة هو إعادة النظر في "الروح" الشمولية التي سرت في جسد الحزب لفترة طويلة، وفي منهج التوسل برسالة تاريخية وهمية أو متوهمة لتبرير التحكم في حياة الناس وأرزاقهم ومصائرهم، وفي أسلوب التذرع بالدور القومي لحجز تطور "القطر" وإدامة تخلفه.

فالأحزاب ليست مجرد دساتير وبرامج ولوائح، وفي تاريخ الأحزاب السياسية كثير من عدم الانسجام بين النصوص والممارسات. والبعث السوري في حاجة إلى روح الحرية بمقدار حاجته إلى تغيير في النصوص التي تشكل فكرته ونظرته إلى الآخر وطريقته في التعاطي مع غير البعثيين وأسلوبه في إدارة العلاقات في داخله. وفي هذه الحال يمكن أن يكون التغيير الذي اقترح بعض أعضاء الحزب إجراءه في اسمه ليصبح "حزب البعث الديمقراطي" بدلاً من "حزب البعث العربي الاشتراكي" معبراً عن واقع حال جديد. ولكن الاسم الجديد لا ينطبق إلا على حزب يُعاد صوغه في الجوهر وليس تحسينه من حيث الشكل.

فهذا التغيير الذي يجعل البعث السوري حزباً ديمقراطياً ممكن وليس مستحيلاً إذا توفرت إرادة الإصلاح. فالبعث، في أصله التاريخي، ليس من هذا النوع من الأحزاب التي تستحيل دمقرطتها لأسباب تتعلق بصميم تكويناتها وأيديولوجياتها بخلاف الأحزاب الفاشية وبعض الأحزاب الشيوعية التي بنيت في الأساس على النمط الستاليني.

لقد كان البعث، في الأصل عند تأسيسه، أقرب ما يكون إلى حزب ديمقراطي اشتراكي، وتأثر مؤسسه الرئيس ميشيل عفلق، الذي وضع مسودة دستوره الأول في إحدى مقاهي باريس، بأجواء الحرية الأوروبية. وكانت وسيلته في سعيه للوصول إلى السلطة، هي الانتخابات وليس غيرها. وبالرغم من مواقفه الراديكالية ولغته الحادة، لم يكن في أصله حزباً انقلابياً أو شمولياً. ولا يصح الخلط بين دعوة البعث في بدايته إلى ما كان يسميه الانقلاب على الأوضاع العربية الفاسدة ومسألة الانقلاب العسكري. فقد وصف البعث نفسه فعلاً بأنه "حركة قومية شعبية انقلابية"، ولكن بمعنى السعي إلى تطبيق سياسات جذرية لتغيير أوضاع اعتبرها فاسدة عندما يصل إلى الحكم عبر الانتخابات، وليس من خلال انقلاب عسكري.

ولا يمكن، هنا، إغفال مغزى موقف البعث ضد ثورة 1952 في مصر عندما رفضها بسبب طابعها العسكري، ورأى في نظام الحكم الذي أقامته (ديكتاتورية عسكرية تبطش بالقوى الشعبية), كما جاء في البيان الصادر عن قيادته في أكتوبر 1953. ولكنه تحالف مع هذا النظام بعد ذلك عندما اشتدت المخاطر الإقليمية والدولية على سوريا. وربما يجوز القول إن البعث تحول إلى حزب شمولي لأسباب إقليمية ودولية بالأساس في مقدمتها الأثر الفادح لتصاعد الصراع العربي- الإسرائيلي وخصوصاً في الدول التي تحملت القسم الأكبر من أعباء هذا الصراع.

ولذلك نجد فرقاً كبيراً بين البعث في سنواته الأولى وبعد ذلك. فقد شارك، في بدايته، في الانتخابات البرلمانية في سوريا، وسعى إلى انتفاضة شعبية في العراق. لم يكن العمل من أجل انقلاب عسكري وراداً لديه خلال السنوات العشر الأولى، بل كان هو أكثر الخاسرين في العراق من انقلاب 1958 الذي أسفر عن نظام ديكتاتوري. ولولا موقفه غير الديمقراطي تجاه رافضي الفكرة القومية وإزاء الأقليات غير العربية، لأمكن اعتباره، في أصله، كبير الشبه بالأحزاب الديمقراطية الاشتراكية الأوروبية التي تأثر بها عفلق في أربعينيات القرن الماضي. كان موقفه غير ديمقراطي تجاه غير العرب في دستوره الذي أكد على ضمان الحريات. فما أشد التناقض في دستوره بين المبدأ الثاني الذي ورد فيه أن "حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة، وقيمة المواطنين تقدر بعد منحهم فرصاً متكافئة بالعمل الذي يقومون به في سبيل تقدم الأمة العربية دون النظر إلى أي اعتبار آخر"، وبين المادتين 41 و48. في البند الرابع من المادة 41 جاء في الدستور: "فسح المجال في حدود الفكرة القومية العربية لتأسيس النوادي وتأليف الجمعيات والأحزاب..."، أي أن المعيار في التعددية هو الالتزام بالفكرة القومية العربية. ويعني ذلك -استنتاجاً- أن من يرفض هذه الفكرة لا مجال له في المشاركة. أما المادة 48 فهي تستبعد غير العرب من التدريس في المدارس "حصر مهنة التعليم وكل ما له مساس بالتربية في المواطنين العرب، ويستثنى من ذلك التعليم العالي".

ومع ذلك، وبالرغم من هذا الاستثناء، يظل تحويل البعث إلى حزب ديمقراطي ممكناً إذا أحسن القائمون عليه قراءة الوضع في سوريا ومن حولها فعزموا أمرهم على إصلاح حقيقي، فما زال في الإمكان إنقاذ سوريا مما ينتظرها في الفترة المقبلة. وحزب بعث ديمقراطي هو شرط أساسي لتصحيح المسار والتقدم نحو مصالحة وطنية تشتد الحاجة إليها لتحقيق "مناعة" داخلية مفقودة الآن ضد تغيير مدفوع من الخارج. وقد يكون الدفع باتجاه هذا التغيير أقرب مما كان متصوراً حتى أسابيع قليلة بعد أن أسقط صانعو القرار في واشنطن "الفيتو" السابق على وصول حركات إسلامية إلى السلطة. كان ممكناً، قبل هذا التغيير في السياسة الأميركية، استخدام "الإخوان المسلمين" مثلاً في هذا البلد العربي أو ذاك فزّاعة لإبعاد شبح التغيير من الخارج، غير أن هذه الفزّاعة لم تعد تفزع، بعد أن بات صانعو القرار الأميركي مؤمنين بأن الوضع القائم في بعض البلاد العربية هو الأسوأ، وأن تغييره ضروري حتى إذا أدى إلى قدر من الفوضى التي يرون أنها ستكون "بناءة"، أو قادة إسلاميين معتدلين إلى السلطة.

وبعد أن أسقطت الفزّاعة الأصولية التي كانت هي العاصم الوحيد من تدخل خارجي لتحقيق تغيير في دمشق، لا يجوز استبعاد هذا التدخل في وقت قريب إلا إذا بدأت عملية إصلاح حقيقي تقطع الطريق عليه.