تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان حول فضيحة "أبوغريب" ... – دار الخليج

هل يفلت المسؤولون عن التعذيب من العقاب؟

 

 

 

أصدرت منظمة حقوق الإنسان الأمريكية تقريراً حول فضيحة تعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب، وحمّلت فيه المسؤولية المباشرة لمسؤولي البنتاجون، وأشارت الى أن وزير الدفاع رامسفيلد كان يصدر التعليمات لتسهيل انتهاكات حقوق الإنسان. وجاء في التقرير: مضت حتى الآن سنة منذ ظهور الصور الاولى لجنود امريكيين يهينون ويعذبون محتجزين في سجن ابو غريب في العراق. وبعد ظهور الصور بفترة وجيزة، تعهد الرئيس جورج دبليو بوش ب “تقديم المخطئين الى العدالة”. وقد اتضح خلال الشهور الماضية ان التعذيب واساءة المعاملة لم يحدثا في سجن ابو غريب وحسب، بل في العشرات من مرافق الاحتجاز الامريكية في انحاء العالم وان اساءة المعاملة، أدت في العديد من الحالات الى الموت أو الأذى الجسيم، وان عدداً  كبيراً من الضحايا كان من المدنيين الذين لا تربطهم اية رابطة بحركة القاعدة او الارهاب.
كما تتوفر أدلة على حدوث سوء المعاملة في “مواقع سرية” تخضع للسيطرة الامريكية في الخارج، وعلى ارسال السلطات الامريكية مشتبهاً بهم الى زنازين في دول ثالثة في أنحاء العالم، حيث يحتمل وقوع التعذيب فيها. ولكن المخطئين الوحيدين الذين تم تقديمهم الى العدالة حتى اليوم، هم الذين يأتون في  ادنى مراتب سلسلة القيادة. وتتطلب الأدلة اكثر من ذلك، الا ان جداراً من الحصانة يحيط بمهندسي السياسات المسؤولة عن النموذج الأوسع لإساءة المعاملة
.

 

يبين هذا التقرير، أن قادة أمريكيين مدنيين وعسكريين في مراتب عليا - بينهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية، جورج تينيت، والفريق ريكاردو سانشيز، القائد الاعلى السابق في العراق، واللواد جفري ميللر، القائد السابق لمعسكر الاعتقال في خليج جوانتانامو في كوبا - قد اتخذوا قرارات وأصدروا سياسات تسهّل ارتكاب انتهاكات خطيرة وواسعة النطاق للقانون. وتوحى الظروف بشدة بأنهم اما كانوا يعلمون، أو انه كان ينبغي بهم ان يعْلموا، بأن مثل تلك الانتهاكات قد وقعت نتيجة لأفعالهم. كما توجد أدلة متنامية، على انهم حين ووجهوا بأن سوء المعاملة مستمر في الحدوث حقا، تقاعسوا عن العمل على استئصاله.

وتشمل الاساليب القسرية التي كانت تحظى بموافقة كبار المسؤولين الامريكيين والتي كانت تطبق على نطاق واسع على مدى السنين الثلاث الاخيرة، تكتيكات ما فتئت الولايات المتحدة تدينها باستمرار وتعتبرها بربرية وتعذيباً حين يمارسها الآخرون. بل ان التعليمات الميدانية في الجيش الامريكي تدين بعض هذه الاساليب وتعتبرها تعذيباً.


ضرورة التحقيق الشامل

 

وعلى الرغم من ان الكثير من الأدلة ذات العلاقة تظل طي الكتمان، إلا ان سلسلة من حالات البوح على مدى الشهور الاثني عشر المنصرمة، والتي نسردها هنا، تشكّل حالة تدفع بإلحاح باتجاه اجراء تحقيق شامل ومستقل على نحو أصيل، في ما فعله كبار المسؤولين، وما كانوا يعلمونه، وفي الكيفية التي استجابوا بها عندما علموا بالطبيعة الواسعة النطاق لحالات سوء المعاملة.

ونحن نعلم، على سبيل المثال، ان اساليب الاستجواب والتحقيق القسرية التي تجري بموافقة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد لاستخدامها مع السجناء في جوانتانامو - وتشتمل استخدام كلاب الحراسة لإثارة الخوف في نفوس السجناء، وتقنيات “الإجهاد” مثل الإجبار على الوقوف، والتصفيد بأوضاع مؤلمة، وتجريد السجناء من ملابسهم - قد “هاجرت الى افغانستان والعراق، حيث لم تكن محدودة ولا مأمونة” وأسهمت في التعذيب المنتظم واسع النطاق، وسوء المعاملة في مراكز الاعتقال الامريكية هناك وقد أظهرت التحقيقات التي أجرتها وزارة الدفاع الامريكية ذاتها مثل ذلك، على الرغم من انها لم تذكر ذلك صراحة”.

ونحن نعلم ان بعض المحتجزين في “الحرب العالمية على الارهاب” قد “اختفوا” بعد دخولهم الحجز الامريكي: وتستمر الوكالة المركزية للاستخبارات الامريكية في احتجاز المشتبه بانتمائهم لحركة القاعدة مُدداً طويلة لا يمكن الاتصال بهم خلالها في “مواقع سرية”، ذُكر انها خارج الولايات المتحدة، من دون اي اشعار لعائلاتهم، ودون اي اتصال لهم باللجنة الدولية للصليب الاحمر، أو اي مراقبة من اي نوع للمعاملة التي يتلقونها، وفي بعض الحالات عدم الاعتراف حتى بأنهم معتقلون. وقد ذُكر على نطاق واسع ان بعض هؤلاء “المحتجزين المختفين” قد عُذبوا من خلال تقنيات مثل “تغطيسهم في الماء مربوطين الى ألواح خشبية”، حيث يجري غمر رأس السجين في الماء او تغطيته بقماشة مبللة حتى يظن انه يغرق.

كما نعلم كذلك بأن نحو 100-150 محتجز قد  “سُلموا” من قبل الولايات المتحدة للاحتجاز والاستجواب من قبل حكومات في الشرق الاوسط مثل سوريا ومصر، تمارس التعذيب بصورة منتظمة، وفقا لما تقوله وزارة الخارجية الامريكية. وهذا التسليم، مرة اخرى، انتهاك للقانون الامريكي والقانون الدولي. وفي عدد متزايد من الحالات، توجد الآن أدلة موثوقة على ان المحتجزين الذين جرى تسليمهم قد عُذبوا حقاً.

وعلى الرغم من هذه الاستنتاجات وما يتكشف من حقائق، لم تنخرط الولايات المتحدة في عملية محاسبة جدية. وقد ادان المسؤولون معظم الانتهاكات السافرة، وأعادوا التوكيد من ناحية بلاغية على التزام الولايات المتحدة بالقانون واحترام حقوق الانسان، ورفعت بصورة متأخرة عدداً من الدعاوى في جرائم ارتكبت ضد محتجزين في افغانستان والعراق. ولكن، لم يُدع للمحاسبة حتى الآن الا جنود ذوو رتب متدنية - نفر او جاويش - باستثناء رائد متورط شخصياً في سوء المعاملة.

وبينما توجد هنالك عقبات كأداء تعترض طريق التحقيق مع وزير دفاع على رأس عمله، وغيره من المسؤولين في رتب عالية، تظل طبيعة الجرائم بالغة الخطورة، والأدلة المتنامية على ارتكاب الاعمال الخاطئة، عديدة جداً، بحيث ان تقاعس الولايات المتحدة عن دفع هذه الامور الى المستوى التالي، سوف يعتبر تخليا عن المسؤولية.

وما لم يحاسب هؤلاء الذين خططوا او أجازوا السياسات غير المشروعة ويمثلوا امام القضاء فإن كل طقوس التعبير عن “الاشمئزاز” و”الاستهجان” إزاء صور فظاعات أبو غريب والشجب الشفوي الذي جاد به الرئيس جورج دبليو بوش وغيره سيظل هراء خاويا من أي مغزى. واذا لم تكن هناك محاسبة ومساءلة حقيقية لمن ارتكبوا هذه الجرائم فإنه وعلى مدى سنوات طويلة ستأتي سوف يرتكز مرتكبو الفظائع والانتهاكات في جميع انحاء العالم الى هذه السلوكيات ويستشهدون بها متأسين بما أبدته الولايات المتحدة من معاملة تجاه السجناء لتفادي اي انتقادات توجه اليهم على ما ارتكبوه.


امريكا نموذج للآخرين

 

وفي الحقيقة، فإنه حين تقوم حكومة تتمتع بمثل النفوذ والجبروت الذي تتمتع به الولايات المتحدة بتحدي القوانين التي تحرم التعذيب وتجرمه، وتنتهكها علنا، فإنها تدعو الآخرين ليحذو حذوها، لقد لحق ضرر بالغ جدا بمصداقية الولايات المتحدة بصفتها مناصرة لحقوق الانسان وذلك حين انكشاف بعض قصص التعذيب والتنكيل وسوف ينال سمعة امريكا أذى أشد بكثير اذا تواصل نهج التعذيب وتمترس خلف الحصانة الكاملة التي يتمتع بها صناع السياسة.

وللأسف، فإن التعذيب يمكن ان يحدث في أي بقعة في العالم، لكن الامر المهم والذي يحسم مسألة ما اذا كان التعذيب مجرد شبح او حالة عارضة او انه سياسة دولة انما طريقة تجاوب الحكومة مع هذا الموضوع وردة فعلها تجاهه، ولقد أدرك وزير الدفاع رامسفيلد هذا عندما قال في اعقاب الافتضاحات الأولية للفظائع بوقت قصير: حاكمونا على ضوء افعالنا، وراقبوا الطريقة التي يتعامل بها الامريكيون مع الجرائم والاخطاء والفضائح وألم الاعتراف بهذه التجاوزات وتصحيح اخطائنا وتفادي نقاط ضعفنا”.

ثم اعترف وزير الخارجية كولن باول بهذا ايضا، عندما تحدث الى زعماء اجانب فقال لهم: “راقبوا امريكا وراء الكيفية التي نتعامل بها مع هذا وراقبوا كذلك الطريقة التي ستقوم بها امريكا باحقاق الحق وتصحيح الاخطاء.

ومن المؤسف على أية حال، ان الولايات المتحدة لم تحق الحق ولم تفعل ما هو صواب بل اقدمت على تفعله الدكتاتوريات في جميع بقاع الدنيا عندما يفتضح ما ترتكبه من انتهاكات اذ تشرع بالزعيق والصراخ معلنة عن احترامها لحقوق الانسان في حين تلجأ الى التمويه والتستر على جرائرها والقاء التهم على الرتب الدنيا من المسؤولين ومن “اللاعبين المارقين الأوغاد”.


ردود الفعل الرسمية حتى تاريخه

 

بالنسبة للمدى الذي بلغه المسؤولون في التصدي لقضية المحاسبة عن الانتهاكات فإنهم إما جادلوا متحججين بأن الامر يستغرق زمنا ما حتى يأخذ نظام العدالة العسكري مجراه، او انهم اشاروا الى اقسام وزارة الدفاع الكثيرة والتحقيقات ذات الصلة التي يقومون بها ومدى تشعبها.

وفي حين ان البنتاجون شكل في الحقيقة ما يزيد على سبع لجان تحقيق  منذ مستهل افتضاح فظائع ابو غريب، لم تكن اي منها تتمتع بالاستقلالية او العمق اللازم لسبر أغوار قضية امتهان السجناء وتعذيبهم والتنكيل بهم وكل التحقيقات تقريبا اشتملت على تحقيق العسكريين مع عسكريين مثلهم ولم تركز سوى على جانب او آخر فقط من جوانب معاملة المعتقلين ولم يضطلع اي منها بمهمة تفحص دور القادة المدنيين الذين ربما كانوا يتمتعون بصلاحية مطلقة فيما يتعلق بسياسات التعامل مع المعتقلين. ولم ينظر اي منها في قضية جلب المعتقلين للعدالة او تسليمهم من جهة سلطوية الى اخرى كما أوردت التقارير ان السي آي ايه قبل بادرت الى تشكيل عدد من لجان التحقيق التي تتولى التحقيق مع منسوبيها لكن شيئا من التفاصيل لم يتم نشره حول هذا.

والأدهى من ذلك. ان هذه التحقيقات عرفت انتهاك المعتقل بأنه اي معاملة لم تقرها السلطات العليا، وبالنسبة لتحقيقات البنتاجون، فإن المعاملة التي تتبع سياسات وتقنيات تحظى بموافقة المسؤولين لا يمكن اعتبارها بحسب هذا التعريف تعذيبا ومن خلال السماح بهذا الانفلات واطلاق اليد المنطقي هذا جعلوا انفسهم غير قادرين على اكتشاف اي صلة بين سياسات اقرها كبار المسؤولين وافعال وممارسات انتهاك ارتكبت ميدانيا، لكن هذا لا يعني بحال أنه لا توجد هناك صلات مثل هذه.


أسس التحقيق

 

يقدم التقرير نظرة جديدة الى الأدلة التي أذيعت على الملأ عن الدور الذي قام به كبار القادة الذين يتحملون المسؤولية الاكبر عن رسم سياسات الاستجواب الامريكية والتحقيق مع المعتقلين، بمن فيهم وزير الدفاع رامسفيلد ومدير السي آي ايه جورج تينيت، والجنرال سانشيز والجنرال ميلز ومنظمة مراقبة حقوق الانسان لا تعبر عن رأي بشأن البراءة النهائية او الجناية التي تدين هؤلاء المسؤولين في نهاية المطاف او تطال غيرهم، لا سيما وان حشداً هائلا من الأدلة جرى سحبه وحجبه وان عددا كبيرا جدا من الاسئلة لم تتم الاجابة عنها.

كما اننا لا ننوي تقديم وصف شامل للصفة الجنائية المحتملة لهؤلاء الاشخاص ناهيك عن اصدار حكم قضائي او رأي قانوني بشأنهم ويحتاج الأمر الى المزيد من الادلة التي تخدمنا لهذا الغرض، وما نخلص به في النتيجة انما هو استنتاج يدعمه الدليل ويرى ان الامر يقتضي القيام بتحقيق جنائي في هذا كله.

ربما يتحمل الوزير رامسفيلد المسؤولية القانونية عن جرائم الحرب والتعذيب التي ارتكبها الجنود الامريكيون في افغانستان والعراق وجوانتانامو بموجب قانون “مسؤولية القيادة”، وهو القانون الذي يحمّل قائدا رفيع المستوى مسؤولية الجرائم التي يرتكبها مرؤوسيه عندما يكون على علم بها او انه علم بأنها ترتكب واخفق في اتخاذ الاجراءات المناسبة للحيلولة دون وقوعها. وحيث انه وفر الظروف للجنود الامريكيين لارتكاب جرائم الحرب واعمال التعذيب من خلال تجاهل والاستخفاف ببنود اتفاقية جنيف والمصادقة على اساليب التحقيق المتبعة في جوانتانامو التي ايضا تشكل خرقا لاتفاقية جنيف وميثاق الامم المتحدة في ما يتعلق بالتعذيب والممارسات الفظيعة واللاانسانية او العقوبات المذلة وإخفاء المحتجزين عن أعين اللجنة الدولية للصليب الاحمر، فلا بد وان رامسفيلد كان مدركا ان الجنود سوف يرتكبون هذه الجرائم.

ولا بد ان الوزير رامسفيلد كان منذ الايام الاولى للحرب في افغانستان، على علم من خلال التقارير الموجزة وتقارير اللجنة الدولية للصليب الاحمر وتقارير لجان حقو الانسان والتقارير الصحافية، بأن بعض الجنود الامريكيين كان يرتكبون جرائم حرب واعمال التعذيب. ومع ذلك، لا تتوافر خلال السنوات الثلاث التي تراكمت خلال الأدلة على ارتكاب اعمال الاساءة، اي قرينة تشير الى انه استخدم سلطاته او حتى حذر مرؤوسيه من ضرورة وقف اساءة معاملة السجناء. ولو انه فعل ذلك، لتم تجنب العديد من الجرائم التي ارتكبتها القوات الامريكية.

وبالاضافة الى ذلك، ربما يتحمل الوزير رامسفيلد المسؤولية القانونية المباشرة كمحرض على الجرائم التي ارتكبت بحق المحتجرين في حال كانت اساليب التحقيق غير الشرعية التي صادق على استخدامها في جوانتانامو، كانت فعلا تستخدم لتطبيق من اجل معاملة السجناء هناك بشكل غير انساني، قبل إلغاء موافقته العامة وطلبه بأن يستشار قبل استخدام تلك الاساليب. وعلى غرار ذلك، اذا كان الوزير رامسفيلد قد صادق على برنامج سري شجع على اكراه السجناء العراقيين على القيام بأعمال بدنية وجنسية مذلة، كما زعم الصحافي سيمور هيرش، فإن الوزير رامسفيلد يتحمل المسؤولية القانونية المباشرة عن ذلك.

ونزولا عند توجيهات جورج تينيت وبتفويض مزعوم خاص منه، يقال ان وكالة الاستخبارات المركزية “سي أي ايه” قامت بتعذيب المحتجزين باستخدام المياه وحرمانهم من الادوية. وهناك اساليب تعذيب اخرى مزعومة تشمل التهديد بالشنق ووضع المحتجزين في “مواقف ضاغطة” والتعذيب بالضوء او بالصوت والحرمان من النوم وتهديد المحتجز بأنه يخضع للاستجواب من قبل حكومة معروفة بممارسة التعذيب. وبتوجيهات من المدير تينيت، قامت الوكالة ايضا ب “إخفاء” المحتجزين ووضعهم لمدد طويلة في معتقلات معزولة وسرية من دون ابلاغ احد عن مصيرهم او احوالهم، كما “احتجزت” معتقلين في بلدان تعرضوا فيها للتعذيب على ما يبدو وإخفائهم عن اعين اللجنة الدولية للصليب الاحمر، ورحلت ايضا معتقلين من العراق من اجل استجوابهم وذلك بطريقة مخالفة لاتفاقية جنيف.

وكان الفريق ريكاردو سانشيز، القائد الاعلى للقوات الامريكية في العراق والمسؤول عن سجن ابو غريب ومراكز اعتقال اخرى، سمح باتباع اساليب استجواب غير شرعية - بما في ذلك استخدام كلاب الحراسة لإخفاء السجناء - والتي استخدمها آنذاك الجنود في سجن أبو غريب. ومع تعاظم التقارير حول سوء المعاملة، فشل الجنرال سانشيز في التدخل لمنع الجنود الذين يعملون تحت امرته مباشرة، من ارتكاب جرائم الحرب والتعذيب. وهذا ربما يعرضه للمساءلة القانونية بموجب قانون “مسؤولية القيادة”.

وربما يتحمل الجنرال جيفري ملير، باعتباره الضابط المسؤول عن خليج جوانتانامو، مسؤولية جرائم الحرب واعمال التعذيب والممارسات اللاانسانية الاخرى التي ارتكبت بحق المحتجزين هناك، لا سيما ان الطريقة المحكمة التي يدار بها السجن، تشير الى ان القائد المسؤول كان على علم بما كان يفعله جنوده فيه.

وهناك ايضا أدلة تشير الى ان ضباطا آخرين متورطين في الجرائم. ومن هؤلاء الضباط، بالنسبة لسجن أبو غريب، اللواء والتر وداكاوسكي والعميد جانس كاربنسكي واللواء باربرا فاست والكولونيل مارك وارين والكولونيل ستفين بولتز والكولونيل توماس باباس والمقدم ستيفن إل. جوردان. ولم يقصد من هذه القائمة ان تكون كاملة. لقد تم جمع مادة هذا التقرير من أدلة متوافرة علانية بما في ذلك التحقيقات الرسمية المذكورة اعلاه والتقاير الميدانية لمنظمة مراقبة حقوق الانسان والتقارير الصحافية والوثائق المفرج عنها من قبل الحكومة او المعلنة طبقا لدعوى قضائية بموجب قانون حرية المعلومات.

 

 

توصيات إلى المدعي العام الأمريكي

تعيين مستشار قانوني خاص لاجراء تحقيق بشأن المسؤولين الامريكيين - بغض  النظر عن رتبهم ومناصبهم  - الذين شاركوا في، أو أصدروا أوامر، أو لديهم مسؤولية قيادية تتعلق بجرائم الحرب والتعذيب، أو اي مماسات سيئة ممنوعة ضد المعتقلين في السجون الامريكية. ولا بد ان تكون للمستشار القانوني الخاص، حسب القوانين الامريكية - صلاحية كاملة وتتوافر له المصادر اللازمة، والسلطة المستقلة لممارسة مهامه التحقيقية والقضائية، اللازمة لاستكمال المهمة. ويمكن ان يكون - أو تكون - محامياً ليس له ارتباط حالياً بالحكومة الامريكية، وله سمعة طيبة في الاستقامة والامانة وعدم التحيز، ولديه خبرة كافية لضمان ان يتم التحقيق بمهارة وبراعة.

والمستشار القانوني الخاص ضروري لان امكانية المحاسبة وتحميل المسؤولية عبر السبل العادية تكون عرضة للشبهة بصورة حادة وشديدة. والمدعي العام الامريكي البرتو كونزاليس الذي يتربع على قمة الآلية القضائية باعتباره على رأس وزارة العدل، كان هو نفسه متورطاً بدرجة كبيرة في السياسات التي ادت الى هذه الجرائم التي يدور الجدل حولها، وبالتالي ربما لا يكون لديه تضارب في المصلحة وحسب، وانما ربما يكون بدرجة او بأخرى مشاركاً في جريمة تلك الانتهاكات.

وينطبق ذلك ايضا على وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي يتربع على قمة نظام القضاء العسكري، وبالتالي فإن مسألة تحميل المسؤولية لا مجال للبحث فيها تقريباً، رغم وجود قناة تحقيق حول السياسات التي أمر بتنفيذها. وتدعو قوانين وزارة العدل الامريكية لتعيين “مستشار قانوني خاص” حين يكون هناك صراع، وعندما تبرر المصلحة العامة تعيين مدّع عام أو نائب عام من خارج الحكومة.

ولكي يتاح للمدعي العام السلطة الكاملة للتحقيق في الانتهاكات المخالفة للقانون الفيدرالي ومجموعة القوانين النظامية العسكرية، ومتابعة ذلك التحقيق، فإنه يتوجب على وزير الدفاع تعيين سلطة معززة جامعة لكل فروع القوات المسلحة، للتعاون مع المدعي المدني الخاص الذي يتم تعيينه.

 

..وأخرى إلى الكونجرس

تشكيل لجنة خاصة، على غرار لجنة الحادي عشر من سبتمبر/ايلول، للتحقيق في انتهاكات حقوق السجناء، بما في ذلك جميع القضايا التي وردت أعلاه.

وهذه اللجنة ستعقد جلسات استماع، وتتمتع بسلطة كاملة لاستدعاء من تشاء، وهي مفوضة بالتوصية بتعيين مدع خاص ان لم يكن المدعي العام عينه بعد، للتحقيق في الانتهاكات الاجرامية التي يحتمل ان تكون قد ارتكبت. وتستطيع اللجنة الخاصة ان تحصل بالقوة على الادلة التي استمرت الحكومة في اخفائها بما فيها التفويض الذي يقال ان الرئيس بوش اعطاه لوكالة الاستخبارات الامريكية “سي. آي. ايه” لانشاء مراكز اعتقال سرية، وتسليم المتهمين الى دول اخرى، وتفاصيل تتعلق بدور وزير الدفع دونالد رامسفيلد في سلسلة الاحداث التي ادت الى أسوأ اشكال الانتهاكات في سجن أبو غريب.

                                                                     

2

        

 

حتى الآن لم يقدم للمحاكمة في قضية تعذيب المحتجزين وامتهانهم في العراق سوى الجنود من ذوي الرتب العسكرية المتدنية والرقباء والجنود الأنفار العاديين، وذلك باستثناء ضابط واحد برتبة رائد متورط بشكل مباشر في هذه الانتهاكات. ولم توجه تهم لأيّ ضابط فيما يتعلق بانتهاكات ارتكبها المرؤوسون تحت إمرته بحق المعتقلين. كما لم يجر التحقيق مع أي قائد مدني في البنتاجون أو في ال “سي. آي. ايه”.

يتحمل القادة ومن هم من أصحاب الرتب العسكرية الأعلى الذين يترأسون جنداً تحت امرتهم مسؤولية جنائية في حال أمروا أو استحثوا أو حرّضوا، أو ساعدوا، أو أغروا أو استمالوا أو أقنعوا مرؤوسيهم بارتكاب جريمة ما. وهذا مبدأ معترف به سواء في قانون الولايات المتحدة أو في القانون الدولي.

وعلاوة على ذلك، فإن مبدأ “مسؤولية القادة” أو “مسؤولية الرؤساء الأرفع رتبة” يقتضي أن أولئك الأفراد ممن لهم سلطة وسواء أكانوا مدنيين أو عسكريين يمكن في ظروف معينة أن يحمّلوا مسؤولية جنائية ليس على أعمال ارتكبوها هم، بل عن جرائم ارتكبها من هو تحت إمرتهم. وكما هو مبين في ملحق هذا التقرير فإنه لا بد من توفّر ثلاثة عناصر لتأسيس هذه المسؤولية وإثباتها:

1 ينبغي ان تتوفر هناك علاقة رئيس بمرؤوس.

2 ينبغي أن يعرف الرئيس أو تكون لديه الأسباب ليعرف أن مرؤوسه يهم أو يوشك أن يقدم على ارتكاب جريمة أو أنه ارتكبها بالفعل.

3 أخفق الرئيس في اتخاذ إجراءات ضرورية أو معقولة لمنع حدوث الجريمة، أو انه امتنع عن معاقبة الجاني.

والجرائم التي نناقشها أدناه، وهي جرائم حرب وتعذيب يعاقب عليها على التوالي: قانون جرائم الحرب لعام ،1996 والقانون 18 الجنائي الأمريكي، والقانون ،2441 وقانون مناهضة التعذيب لعام ،1996 وقانون 18 الجنائي الأمريكي، والقانون 2340.

وينص قانون جرائم الحرب على عقوبة جنائية تطال أي شخص أو جهة ما، سواء أكان داخل الولايات المتحدة أو خارجها، يرتكب جريمة حرب، إذا كان أي من الطرفين، الجاني أو الضحية عضواً في، أو من منتسبي القوات المسلحة الأمريكية أو مواطناً في الولايات المتحدة. وتعرّف “جريمة الحرب” بأنها أي “انتهاك خطير” لاتفاقية جنيف، أو أفعال تنتهك البند “3” العام من هذه الاتفاقيات. وتشتمل “الإنتهاكات الخطيرة” على “القتل العمد والتعذيب أو المعاملة غير الإنسانية” لسجناء الحرب أو المدنيين يتمتعون بصفة “الأشخاص المحميين”. ويمنع البند “3” العام، من بين أشياء أخرى، القتل، أو بتر أجزاء من الجسد، أو التمثيل، أو المعاملة الوحشية والتعذيب، أو “التعديات على الكرامة الشخصية، ولا سيّما الامتهان أو الاذلال أو الاساءة إلى مقدسات الشخص تحت الاحتجاز”.

ويجرّم قانون مناهضة التعذيب أعمال التعذيب التي تشمل محاولات لارتكاب فعل التعذيب والتآمر لارتكاب جريمة التعذيب  التي تقع خارج نطاق السلطان القضائي الاقليمي للولايات المتحدة وذلك بغض النظر عن مسألة مواطنه مرتكب هذا الفعل أو يقع ضحية له، وفي حالة التعذيب المرتكب ضمن أراضي الولايات المتحدة، كما يحدث على سبيل المثال في جوانتانامو، فإن المقاضاة والملاحقة القانونية ممكنة بحسب العديد من التشريعات الفيدرالية، التي من بينها قوانين الحقوق المدنية التي تمنع مستخدمي الحكومة من استخدام القوة المفرطة، والقوانين ضد القتل والاعتداء بالضرب، وما شابهه. وعلى نحو مشابه يمكن الاستناد إلى قوانين الدولة الجنائية بشأن أي انتهاك يقع ضمن ولايات أو دول معينة.

ولقد وسّع قانون الوطنية الأمريكية دائرة السلطان القضائي الجنائي الأمريكي الفيدرالي ليشمل، من بين أشياء أخرى، القواعد العسكرية الأمريكية والممتلكات والعقارات الأمريكية الحكومية في الخارج. وهذا هو الأساس القضائي القانوني للقضايا المرفوعة ضد المتعاقدين مع ال “سي. آي. ايه”.

وإضافة إلى ذلك، فإن منظومة القوانين العدلية العسكرية الموحدة (يو. سي. إم. جي) التي تمد المحاكم العسكرية بما يلزم من لوائح وإجراءات تنطبق على مسلكية كل أولئك الذين يخدمون في صفوف القوات المسلحة الأمريكية، بمن فيهم الضباط الذين سنأتي على تعريفهم أدناه.

وبناء عليه فإن هؤلاء الضباط من الممكن أن يخضعوا لسلطان قضائي متزامن مع المحاكم المدنية ومنظومة القوانين العدلية العسكرية الموحدة (يو. سي. إم. جي). وتنطبق قوانين (يو. سي. إم. جي) في جميع أنحاء العالم، وهي تشتمل على مجموعة من القوانين الجنائية التي تضم الكثير من الجرائم التي يعاقب عليها القانون المدني (مثل الاعتداء والقتل والاغتصاب.. الخ)، إضافة إلى تعديات مثل المعاملة الخشنة الوحشية، وإساءة المعاملة والتقصير أو الإهمال في أداء الواجب (هذه جنح وجرائم وإساءات منفصلة بحسب البند “10” من القانون الأمريكي الجنائي رقم 892). وعلاوة على ذلك، فإن أي عنصر من عناصر الخدمة العسكرية أو المدنية تروج لمزاعم بأن سلوكياته تنتهك القوانين الجنائية الفيدرالية، مثل قانون مناهضة التعذيب، تمكن مقاضاته وفقاً للبند 134 من منظومة القوانين العدلية العسكرية الموحدة.

لا تعبّر منظمة مراقبة حقوق الإنسان عن رأي بشأن التبرئة أو التجريم النهائي للمسؤولين الأربعة المدرجة أسماؤهم أدناه، أو أي من المسؤولين الآخرين، لا سيما وأننا نفتقر إلى الكثير من الأدلة التي جرى حجبها أو سحبها والكثير الكثير من الاسئلة التي ما زالت من دون إجابات. إلا أن المنظمة ترى مع ذلك أن القضية هي من النوع الذي لا يحتاج إلى دليل ما لم يثبت العكس، الأمر الذي يجيز فتح تحقيق جنائي بحق كل من هذه القضايا.


وزير الدفاع دونالد رامسفيلد

 

من أقوال الوزير المتصلة بهذه القضية: “هذه الأحداث وقعت في عهدي وتحت سلطاتي وجهاز رقابتي. وإنني أتحمل بصفتي وزير الدفاع المسؤولية كاملة عمّا حصل وأنا المحاسب عليها”.

ينبغي إخضاع الوزير رامسفيلد لتحقيق بشأن جرائم الحرب والتعذيب التي ارتكبتها القوات الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق وجوانتانامو، وذلك وفقاً لمبدأ “مسؤولية القائد”. لقد انشأ الوزير رامسفيلد الظروف والملابسات وأتاحها للقوات الأمريكية كي ترتكب جرائم حرب وتعذيب وذلك بتنحيته جانباً لاتفاقيات جنيف والحط من قدرها، وبموافقته على تقنيات وأساليب استجواب تنتهك اتفاقيات جنيف، إضافة لانتهاكها لاتفاقية تحريم التعذيب، وبمباركته وموافقته على إخفاء المعتقلين والمحتجزين عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ومنذ الأيام الأولى للحرب في افغانستان تمت إحاطة الوزير رامسفيلد، وذلك من خلال لقاءات صحافية، وتقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وتقارير منظمات حقوق الإنسان والتقارير الصحافية والقصص التي كانت تؤكد أن القوات الأمريكية كانت ترتكب جرائم حرب، بما فيها عمليات تعذيب واغتصاب وغيرها. غير أنه ليس هناك من دليل على الاطلاق على أنه بذل أي جهد أو سخر سلطته في أي ظرف من الظروف من أجل التحذير من مغبة إساءة معاملة السجناء أو أنه أوعز بوقف هذه الممارسات. ولو أنه قام بهذا الواجب لكان أمكن تجنب الكثير من الجرائم التي ارتكبتها القوات الأمريكية.

كما أن من شأن فتح تحقيق بهذا الخصوص أن يمكن الجهات المعنية من تحديد ما إذا كانت تقنيات الاستجواب غير المشروعة التي أقرّها الوزير رامسفيلد لتطبق بحق معتقلي جوانتانامو كانت تستخدم في الحقيقة من أجل انتهاج معاملة غير إنسانية بحق المعتقلين هناك قبل أن يبطل موافقته على استخدامها دون الرجوع إليه ودون طلب موافقته. كما أن تحقيقاً مثل هذا حريّ به أن يبحث ويتفحص مسألة ما إذا كان الوزير رامسفيلد قد وافق على برنامج سرّي شجع على عمليات الإكراه الجسدي والتنكيل والإمتهان الجنسي للسجناء والسجينات العراقيات، كما زعم الصحافي سيمور هيرش. فإذا ما ثبتت صحة أي من هاتين المسألتين فإن التجريم سيطال الوزير، إضافة إلى تجريمه وفق مبدأ “مسؤولية القائد”، إذ سيكون في هذه الحالة مسؤولاً مسؤولية جنائية بصفته محرضاً على ارتكاب جرائم بحق المعتقلين.

الوزير رامسفيلد هو أعلى مسؤول مدني في البنتاجون، وبحسب القانون، وفي الحقيقة وعلى أرض الواقع فإن له سلطة قيادة تمتد إلى جميع القيادات الجغرافية والوظيفية العسكرية.

* الوزير رامسفيلد خلق الظروف كي ترتكب القوات الأمريكية جرائم حرب وتعذيب، وعليه، فلا بد أنه كان يعلم بأن جرائم مثل هذه من المرجح أنها سوف ترتكب.

* الوزير رامسفيلد حط من قدر اتفاقيات جنيف وشوه سمعتها وضرب بها عرض الحائط.

* كان الوزير رامسفيلد هو الركن المحوري في جهود إدارة بوش الرامية إلى إعادة صياغة وتعريف للأسيجة الحمائية التي هي من حقوق الأسرى والسجناء الذين يلقى القبض عليهم في خضم “الحرب العالمية على الإرهاب”. وبتجاهل الوزير رامسفيلد للممارسة العسكرية الأمريكية الراسخة الجذور التي تعتمد تطبيق اتفاقيات جنيف في خطوطها العريضة وتصوراتها وصم رامسفيلد الفوج الأول من المعتقلين الذين وصلوا إلى جوانتانامو من افغانستان في الحادي عشر من يناير/كانون الثاني عام 2002 بأنهم: “مقاتلون غير شرعيين” جاحداً إيّاهم الحق في احتمال تمتعهم بوضع أسرى الحرب. وقال الوزير رامسفيلد وقتها: “ليس للمقاتلين غير الشرعيين أي حقوق نصّت عليها اتفاقيات جنيف”. وهكذا أغضى الوزير عن حقيقة أن اتفاقيات جنيف توفر أسساً حمائية صريحة واضحة لجميع الأشخاص الذين يتم اعتقالهم في ساحة صراع دولي مسلح، حتى لو لم يكونوا مشمولين بوضع أسرى الحرب وغير مستحقين لامتيازاته. وأبقى الوزير رامسفيلد على مدخل عرضي لقضية انصياع الولايات المتحدة لمقتضيات القانون الدولي وذلك بقوله: إن الحكومة الأمريكية سوف تعامل في الأعمّ الأغلب هؤلاء المقاتلين المعتقلين بطريقة تنسجم بشكل معقول مع اتفاقيات جنيف إلى الحد الذي يستحقونه.

وبتاريخ 27 يناير/كانون الثاني زار رامسفيلد جوانتانامو، وقال: إن المعتقلين هناك ليسوا بأسرى حرب، وعليه فإنهم لا يستحقون حقوق أسرى الحرب.

وفي 7 فبراير/شباط من عام 2002 شكك الوزير رامسفيلد بمدى صلة اتفاقيات جنيف وارتباطها وانطباقها على العمليات العسكرية الأمريكية الحالية، وقال بهذا الصدد: “الحقيقة هي تلك الزمرة من الحقائق التي توجد اليوم على أرض الواقع بظهور القاعدة وطالبان لم تكن بالضرورة هي المجموعة ذاتها من الحقائق التي أخذت في الحسبان وروعيت عندما تمت صياغة اتفاقيات جنيف”.

وحتى بعدما تفجّرت فضيحة أبو غريب واصل الوزير رامسفيلد تبنيه لوجهة نظر مائعة ومتفلتة بشأن امكانية تطبيق اتفاقية جنيف. وفي الخامس من مايو/ايار من عام 2004 قال رامسفيلد وكان يتحدث إلى مقدم برامج في التلفزيون إن اتفاقيات جنيف “لا تنطبق بدقة على الوضع في العراق”، لكنها على أية حال “قواعد أساسية” يستأنس بها في التعامل مع الأسرى. وابتدر رامسفيلد أثناء زيارته لسجن أبو غريب في 14 مايو/ايار فأبدى ملاحظته متهكماً حول أن: “اتفاقية جنيف لا تنص على ما ينبغي عليك فعله عندما تنهض من فراشك صباحاً”.

وبالتشنيع على اتفاقية جنيف واحتقارها والحطّ من شأنها خلق الوزير رامسفيلد المناخ الذي أدى إلى استهانة القوات الأمريكية بالأعراف القانونية والاتفاقيات الدولية وعدم احترامها. وفي مايو/ايار من عام 2004 مثلاً تحدث أحد أعضاء شركة الشرطة العسكرية “377” إلى صحيفة ال”نيويورك تايمز” فقال إن إطلاق وصف “أعداء محاربون” على السجناء في افغانستان، واعتبر أن اتفاقية جنيف لا تنطبق عليهم ساهم مساهمة فعّالة في امتهانهم وانتهاك حقوقهم. وقال: “لطالما قيل لنا مراراً وتكراراً إن هؤلاء ليسوا بشراً، وأنهم مجرد أعداء”.

جاء أحد أوائل المؤشرات التي ظهرت على نهج الوزير رامسفيلد إزاء التحقيقات مع إلقاء القبض في افغانستان على جون ووكر ليند، الذي يُدْعى “الطالباني الأمريكي”. فقد أظهرت الصور الفوتوغرافية التي عرضها محامو ليند في 2 ابريل/نيسان 2002 هذا الأسير مجرداً من ثيابه، معصوب العينين، مقيد اليدين بأشرطة بلاستيكية، مشدوداً إلى نقالة بشريط لاصق. وبناء على ما ورد في استدعاء مقدّم إلى احدى المحاكم الاتحادية من قبل محامي ليند، كان المذكور قد تُرك على هذه النقالة ذات العجلات في حاوية شحن معدنية غير مدفّأة وغير مضاءة، عدة أيام، ولم يكن يحرّك من الحاوية إلا أثناء التحقيقات. وقد ذُكر ان مجموعة من الجنود الأمريكيين المسلحين، قد “عصبوا عيني ليند والتقطوا العديد من الصور له، والصور لهم معه. وفي احدى هذه الصور، خَرْبش الجنود كلمة “أحمق” على عصابة عيني ليند، والتقطوا صورة لهم معه.. وقد أخبر جندي آخر ليند بأنه “سوف يُشنق” على أعماله، وان الجنود سوف يبيعون الصور بعد أن يموت ويعطوا المال إلى منظمة مسيحية. وكانت رصاصة لا تزال في فخذ ليند التي قال طبيب أمريكي عنها انها كانت “تنزّ سائلاً ما، وكريهة الرائحة”. كما قيل إنه كان يعاني انخفاض الحرارة وسوء التغذية والتعرّض المباشر للعوامل الجوية. وحسبما ورد في الاستدعاء، فإن “طبيباً في البحرية.. ذكر ان المحقق العسكري الأول المسؤول عن التحقيق الأولي مع ليند، أخبر الطبيب ان “الحرمان من النوم، والبْرد، والجوع قد تستخدم أثناء التحقيقات مع ليند”.


الوزير رامسفيلد وافق على أساليب التحقيق

التي تنتهك اتفاقيات جنيف والاتفاقية ضد التعذيب

كان الوزير رامسفيلد متورطاً بشدة في التفصيلات الدقيقة لتقنيات التحقيق المستخدمة مع المحتجزين في خليج جوانتانامو في كوبا، الذين أعلنت الحكومة الأمريكية ان الحماية الواجبة لأسرى الحرب لا تنطبق عليهم، وفي 2 ديسمبر/كانون الأول ،2002 واستجابة لطلب من ضباط في جوانتانامو، أجاز الوزير رامسفيلد استخدام قائمة من تقنيات التحقيق مع السجناء في جوانتانامو، الأمر الذي كان بمثابة توسيع غير مسبوق لمبادئ الجيش، وقد تضمنت التقنيات التي وافق عليها رامسفيلد:

 استعمال أوضاع الإرهاب (مثل الوقوف) لمدة أقصاها أربع ساعات.

 العزل لمدة تبلغ 30 يوماً.

 قد يوضع على رأس السجين غطاء أثناء نقله واستجوابه.

 الحرمان من الضوء والمثيرات السمعية.

 إزالة جميع المواد التي تسبب الراحة (بما فيها المواد الدينية).

 التزين الإجباري (حلق شعر الوجه.. الخ).

 نزع الملابس.

 واستعمال ما يخافه المحتجزون كل على حدة (مثل الخوف من الكلاب) لإثارة الإرهاق.

وتنتهك هذه الأساليب الحمايات التي تُوفَّر لأسرى الحرب، وهو التصنيف المفترض للعديد من محتجزي جوانتانامو. وبناء على الكيفية التي تُستخدم بها هذه الأساليب، يُحتمل أن تنتهك الحظر الذي تفرضه اتفاقيات جنيف على التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية للسجناء، بصرف النظر عما إذا كان السجناء مخوّلين للإفادة من حمايات أسرى الحرب. وعلى ذلك، فإن استعمالها يشكل جريمة حرب.

وكما أوضح المبعوث الخاص للأمم المتحدة بشأن التعذيب في تقريره سنة 2004 الذي رفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن هذه التقنيات تنتهك الحظر الذي تفرضه الاتفاقية ضد التعذيب.

وقد تلقّى المبعوث الخاص مؤخراً معلومات عن أساليب معينة تم التسامح بشأنها كانت تستخدم لانتزاع المعلومات ممن يُشتَبَه بأنهم إرهابيون. ومن أبرز هذه الأساليب إبقاء المحتجزين في أوضاع مؤلمة أو مرهقة، وحرمانهم من النوم والضوء فترات طويلة، وتعريضهم لدرجات شديدة من الحر، والبرد، والضجيج والضوء، وتغطية رؤوسهم، وحرمانهم من الثياب، وتجريدهم من الملابس وتهديدهم بالكلاب. وتُجمع التشريعات والقوانين الدولية والاقليمية لحقوق الإنسان على النص على أن مثل هذه الأساليب تنتهك الحظر المفروض على التعذيب واساءة المعاملة.

ومن أساليب الوزير رامسفيلد التي تسترعي الانتباه بوجه خاص “التخويف بالكلاب.. لإثارة الإرهاق”. ويعتبر تهديد السجين بالتعذيب لحمله على الكلام أحد أشكال التعذيب، أو المعاملة الفظّة غير الإنسانية أو المهينة. ولا يختلف تهديد السجين بكلب حراسة شرس، من الناحية القانونية، عن تصويب بندقية إلى رأسه. وبطبيعة الحال، يبيّن العديد من الصور من سجن أبو غريب كلاباً غير ملجومة تُستخدم لتخويف المحتجزين، وهم جاثمون عراة يرتعدون خوفاً في بعض الأحيان. وكما قال الجنرال فاي، “عندما تستخدم الكلاب لتهديد وإرعاب المحتجزين، فإن ثمة انتهاكاً واضحاً لما يمكن تطبيقه من القوانين والاجراءات”.

وبعد الاعتراضات من جانب المستشار العام في البحرية، ألغى الوزير رامسفيلد موافقته الشاملة على التقنيات الفظة المذكورة أعلاه في 15 يناير/كانون الثاني 2003.

ولكن، بدلاً من نبذ التقنيات كلّيّة، أمر الوزير رامسفيلد بأن أي استخدام للفئات الأشد من التقنيات يجب ان تحظى بموافقته الشخصية، وهكذا أوصى باستمراره في اعتبرها شرعية:

“إذا قرّرتم ان تقنيات معينة في أي من هذه الفئات يُرخّص استعمالها في حالة فردية، فينبغي عليكم تقديم الطلب إليّ، وينبغي بذلك الطلب ان يتضمن تبريراً كاملاً لاستخدام مثل تلك التقنيات”.

كما أمر الوزير رامسفيلد في 15 يناير/كانون الثاني 2003 بتأسيس مجموعة عاملة للنظر في امكانية سماح القانون باستعمال تقنيات التحقيق في “الحرب على الإرهاب”. وقد لعبت المجموعة العاملة دوراً أساسياً في تخفيف تعريف التعذيب. وبناء على توصيات هذه المجموعة، أصدر الوزير رامسفيلد سياسة نهائية للتحقيق في جوانتانامو، في 16 ابريل/نيسان 2003. ولكن هذه الخطوط العريضة، بينما كانت أكثر تقييداً من المبادئ التي وُضعت في ديسمبر/كانون الأول ،2002 ظلّت تسمح باستخدام تقنيات تتجاوز ما تسمح به اتفاقيات جنيف بشأن أسرى الحرب. وفي حقيقة الأمر، فإن مذكرة الوزير ذاتها تنص فيما يتعلق بالعديد من التقنيات  بما فيها العزل وحرمان المحتجزين من الامتيازات  على أن “الدول التي تعتقد بأن المحتجزين مخوّلون للإفادة من حمايات أسرى الحرب” قد تجد ان تلك التقنية تنتهك تلك الحمايات”.

وقد توصّل تقرير شليزنجر إلى ان “التقنيات المعزّزة (أي التي تحظى بموافقة الوزير رامسفيلد) للاستخدام في جوانتانامو قد هاجرت إلى افغانستان والعراق حيث لم تكن محدودة ولا مأمونة”.

وفي كلا البلدين كانت أساليب التحقيق غير الشرعية التي وافق عليها الوزير رامسفيلد أولاً، قيد الاستعمال في حقيقة الأمر. وقد وجد تقرير شليزنجر ان التقنيات في أفغانستان “تضمنت نزع الثياب، وعزل الناس فترات طويلة من الزمن، واستخدام الأوضاع المرهقة، واستغلال الخوف من الكلاب، والحرمان من النوم والضوء. وكان المحققون في العراق، المعتادون على بعض هذه الأفكار من قبل، يطبقونها حتى قبل صدور أي سياسة تبيّن الخطوط العريضة من قبل القيادة في العراق”. وبطبيعة الحال، فإن التقنيات التي أجراها الوزير رامسفيلد في سجن أبو غريب، مثل استخدام الكلاب، تتجسد على نحو بارز في جرائم الحرب المرتكبة ضد المحتجزين.

 

               وزير الدفاع وافق على اخفاء المحتجزين عن الصليب الأحمر الدولي

اعترف الوزير رامسفيلد علانية انه بناء على طلب من جورج تينيت مدير ال “سي. آي. ايه” وقتذاك، اصدر أمراً بعدم ادراج اسم أحد المعتقلين العراقيين في معسكر كروبر، وهو مركز اعتقال يخضع لحراسة أمنية مشددة في العراق، ضمن سجلات السجن، وبعدم مثوله أمام اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقد أشير إليه ب “تربل اكس” وتم تحديد هويته فيما بعد بأنه هيوا عبدالرحمن رسول  الذي قيل انه عضو قيادي في منظمة أنصار الاسلام المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي يبدو أنها مسؤولة عن العديد من الهجمات في العراق. واعترف رامسفيلد أيضاً، بأن هناك حالات أخرى احتجز فيها المعتقلون بصورة سرية.

 

               رامسفيلد ضغط للحصول على معلومات استخبارية يمكن استغلالها

حدث أشد أنواع سوء المعاملة والانتهاكات في أبو غريب بعد ان وضعت القوات الأمريكية هناك تحت ضغط شديد لانتزاع “معلومات استخبارية يمكن استغلالها” من المساجين العراقيين. ويبقى دور رامسفيلد في ممارسة الضغط بحاجة إلى توضيح.

وقد توصلت لجنة شليزنجر إلى ان: “الضغط من أجل المزيد من المعلومات الاستخبارية والأساليب الأكثر عدوانية طبقاً لمذكرة وزير الدفاع، نجم عنها استخدام أساليب تحقيق غاية في القسوة. وقد أدى ذلك إلى اعتقاد الجنود بأن تلك الأساليب ضرورية وملائمة للتعامل مع المحتجزين”.

وفي اغسطس/آب ،2003 حيث كانت القوات الأمريكية تواجه تنامياً في عمليات التمرد في العراق، واحباطاً ناجماً عن الاخفاق في اكتشاف “أسلحة دمار شامل”، أو القاء القبض على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، جرى إرسال اللواء جيفري ميللر الذي اشرف على جهود التحقيق في جوانتانامو إلى العراق. وطبقاً لما قاله اللواء تاجوبا فإن مهمة ميللر تمثلت “في الاشراف على مقدرة وامكانية مسرح العمليات العراقي آنذاك في الاستغلال السريع للمحتجزين لانتزاع معلومات استخبارية يمكن الاستفادة منها”. وكما أشار تقرير شليزنجر فقد جلب ميللر معه مذكرة وزير الدفاع التي تحمل تاريخ 16 ابريل/نيسان والتي تحدد أساليب التحقيق في جوانتانامو، وقدمها كنموذج ممكن للتحقيق في العراق. وقد أوضح ذلك اللواء تاجوبا وانتقده في تقريره الذي أورده ان اللواء ميللر أوصى بأن “تقوم قوة الحراسة بجهود نشطة لتهيئة الظروف التي تؤدي إلى استغلال المحتجزين بنجاح”.

وفي مؤتمر صحافي عقد في صيف 2003 في البنتاجون لمصلحة رامسفيلد، وقدم فيه ايجازاً استخبارياً بحضور كامبون وبويكن ومسؤولين آخرين كبار، اشتكى وزير الدفاع رامسفيلد علانية من نوعية المعلومات الاستخبارية التي جرى جمعها من المحتجزين في العراق، وقارنها بالمعلومات التي انتزعت من المحتجزين في جوانتانامو بعد استخدام أساليب تحقيق جديدة “غاية في التطرف والشدة”. ومع اعرابه عن غضبه واحباطه بشأن تطبيق بنود معاهدة جنيف في العراق، اصدر رامسفيلد أمراً شفوياً بارسال اللواء ميللر إلى العراق “لاثراء وتطوير” عمليات جمع المعلومات الاستخبارية على غرار جوانتانامو، وتلقى كامبوني وبويكن تعليمات للاشراف على تلك العملية.

3

 

رامسفيلد كان يعلم شخصياً أن المعتقلين يتعرضون لسوء المعاملة

 

في 14 سبتمبر ،2003 قام القائد الاعلى للقوات الامريكية في العراق، الفريق ريكاردو سانشيز، بتطبيق مقترحات الجنرال ميلر من خلال اتباع سياسة أعادت الى الساحة الاساليب التي صادق على استخدامها الوزير رامسفيلد في ديسمبر/كانون الاول 2002 من اجل استخدامها في جوانتانامو. وسمحت مذكرة الجنرال سانشيز باستخدام 29 اسلوب تحقق بما في فيها “وجود الكلاب: استغلال خوف العرب من الكلاب والمحافظة على الأمن اثناء التحقيق” والحرمان من النوم وهما اسلوبان كان قد سمح باستخدامها الوزير رامسفيلد في جوانتانامو. كما سمحت المذكرة باستخدام اساليب تهدف الى تغيير بيئة السجناء مثل تعديل درجات الحرارة واطلاق روائح كريهة مع علمهم ان “بعض البلدان تعتبر تطبيق هذا الاسلوب في ظروف معينة عملا غير انساني”. كما استخدمت اساليب اخرى مثل الصراخ والموسيقا الصاخبة بهدف “اخافة وتشتيت تركيز السجين وتوليد الصدمة لديه لفترة طويلة”. وفي اكتوبر/تشرين الاول تم نقل ثلاثة أو خمسة فرق تحقيق من جوانتانامو الى مقر القيادة الامريكية في العراق للمشاركة في التحقيقات التي تجري في سجن أبو غريب. كان الوزير رامسفيلد يعلم او كان ينبغي عليه ان يعلم بأن الجنود في افغانستان والعراق كانوا يمارسون التعذيب ويرتكبون جرائم حرب.


تم تحذير الوزير رامسفيلد شخصيا بشأن اهانة المعتقلين

لقد تم تنبيه الوزير رامسفيلد شخصيا، خلال الفترة المعنية، بشأن اساءة معاملة المعتقلين:

* طرح صحافيون اسئلة حول انتهاكات مزعومة في افغانستان خلال لقاءات صحافية مع الوزير رامسفيلد في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2002.

* أفيد بأن مسؤولين في حكومة الرئيس الافغاني حامد قرضاي أبدوا مخاوف بشأن الادعاءات المتعلقة بإهانة المعتقلين، امام الوزير رامسفيلد خلال زيارته الى افغانستان في عام 2002.

* أفيد بأن وزير الخارجية الامريكي كولن باول أثار مسألة الانتهاكات بحق المعتقلين مرارا خلال اجتماعات مع رامسفيلد وآخرين.

* جاء في صحيفة “واشنطن بوست” التي اشارت الى مسؤولين مطلعين على المناقشات حتى اغسطس/آب ،2003 ان الحاكم الامريكي المدني في العراق بول بريمر “ضغط على القوات العسكرية من اجل تحسين الظروف ومن ثم جعل هذه المسألة نقطة حوار خلال المحادثات مع رامسفيلد ونائب الرئيس تشيني ومستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس”.

تم تحذير وزارة الدفاع بشأن انتهاكات حقوق المحتجزين  نقلت اللجنة الدولية تحذيرات متكررة خلال الفترة ذاتها. وأجرت اللجنة 29 زيارة الى 14 مركز اعتقال في العراق وقدمت تقارير خطية وشفهية الى المسؤولين الامريكيين في العراق بعد كل زيارة.


طبقا للجنة الدولية للصليب الاحمر:

 

في مايو/أيار ،2003 بعثت اللجنة الدولية للصليب الاحمر الى قوات التحالف، مذكرة تتضمن  اكثر من 200 ادعاء حول إساءة معاملة اسرى الحرب خلال فترة الاحتجاز والتحقيق في نقاط التجميع والمراكز الميدانية ومراكز الاعتقال المؤقتة. وتم تسليم المذكرة (جزء منقح) الى القيادة المركزية الامريكية في الدوحة بدولة قطر. في اوائل يوليو/تموز 2003 ارسلت اللجنة الدولية للصليب الاحمر ورقة عمل تتضمن معلومات تفصيلية حول 50 ادعاء بشأن سوء المعاملة في قسم الاستخبارات العسكرية في معسكر كروبر في مطار بغداد الدولي، واشارت الورقة الى اعمال عنف متعمدة لإجبار تعاون السجناء المحرومين من حريتهم مع المحققين، وتهديدات (بالسجن الانفرادي واعتقال اعضاء آخرين من العائلة) وتغطية الرأس والتصفيد واستخدام اوضاع ضاغطة (الركوع والقرفصاء والوقوف مع رفع الذراعين فوق الرأس) لمدد تصل الى ثلاث او اربع ساعات، والتصويب عليهم بالبنادق وضرب المؤخرة بالبنادق والصفع واللكم والتعريض لاشعة الشمس لفترة طويلة والعزل في زنزانات مظلمة. وشاهد وفود اللجنة الدولية للصليب الاحمر آثارا على اجسام عدد من السجناء المحرومين من الحرية، تتفق مع ما جاء في الادعاءات.

اكد رئيس اللجنة الدولية للصليب  الاحمر جاكوب كيلينبيرجر ان مسؤولي اللجنة قدموا “طلبات متكررة” لسلطة التحالف الذي تقوده القوات الامريكية تطلب فيها التحقيق في الانتهاكات. وقال انه أعرب عن “مخاوفه الكبيرة” امام سلطات الاحتلال وذكرهم بالالتزامات المفروضة بموجب معاهدة جنيف والاتفاقيات الدولية.

وعندما اشتكت اللجنة الدولية للصليب الاحمر، اثناء اسوأ فترة من انتهاكات ابو غريب، الى قوات التحالف، تمثل رد المسؤولين العسكريين في محاولة إعاقة دخول اللجنة الدولية للصليب الاحمر الى السجن.

وكان مدير السجون الميجر جنرال دونالد رايدر قد اجرى تحقيقا حول السجون التي تديرها القوات الامريكية في العراق. وجاء في تقريره حول معاملة المحتجزين العراقيين الذي تم تسليمه الى الجنرال سانشيز في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2003 ان “هناك قضايا تتعلق بتوعية الكوادر البشرية بحقوق الانسان، تحتاج الى معالجة فورية”. وفي ديسمبر/كانون الاول ،2003 قدم الكولونيل المتقاعد ستراوت ايه. هيرنجتون تقريرا سريا يحذر من سوء معاملة المحتجزين في كافة انحاء العراق. وأفيد ان الجنرال سانشيز نقل النتائج التي توصل اليها هيرنجتون الى القيادة الامريكية الوسطى. وكان وزير حقوق الانسان العراقي السابق عبدالباسط تركي قال لصحيفة الجارديان انه اخبر بريمر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ومرة ثانية في ديسمبر/كانون الاول عن الانتهاكات العديدة في السجون الامريكية. وقال تركي انه طلب من بريمر إذنا لزيارة ابو غريب للتحقيق في مزاعم الانتهاكات ولم تتم تلبية طلبه.


محاولات غير حكومية لتحديد المسؤولية

 

نظراً لأن الولايات المتحدة الامريكية لم تسمح حتى الآن بإجراء تحقيق مستقل حول دور ومسؤولية المسؤولين المدنيين والعسكريين في المناصب العليا، عن الجرائم العديدة بحق المحتجزين، اضطر الضحايا والناشطون في مجال حقوق الانسان الى طرق بديلة للوصول الى العدالة.


محاولة لمحاكمة الوزير رامسفيلد وآخرين في المانيا

قدم اربعة عراقيين يزعمون ان حقوقهم قد انتهكت في سجن ابو غريب، دعوى جنائية في نوفمبر/تشرين الثاني 2004 الى مكتب المدعي العام الفيدرالي الألماني في كارلسروه في المانيا بمقتضى القانون الدولي. وتضمنت قائمة المدعى عليهم الوزير رامسفيلد والمدعي العام الحالي ومستشار البيت الابيض السابق ألبيرتو كوندوليزا ومدير وكالة الاستخبارات المركزية تنيت والوكيل مساعد وزارة الدفاع ستيفن كامبون والجنرال ميلر والجنرال سانشيز والجنرال وداكواسكي والعميد جير فيلاباوم والكولونيل باباس والعميد ستيفن إل. جوردان.

وكان المدعون مسنودين من قبل مركز الحقوق الدستورية الذي اعتبر المانيا “محكمة الملاذ الاخير” حيث كان “واضحا ان الحكومة الامريكية لا ترغب في فتح تحقيق في الادعاءات الموجهة ضد هؤلاء المسؤولين”.

واصبحت القضية كما هو واضح رهينة الاحداث السياسية حيث صرف المدعي العام الألماني النظر عن الدعوى مساء اليوم الذي زار فيه الوزير رامسفيلد المانيا. وعندما سئل عن القضية في مؤتمر صحافي في البنتاجون في 3 فبراير/شباط ،2005 اشار الوزير رامسفيلد الى انه يمكن ان يمتنع عن حضور مؤتمر ميونيخ السنوي حول السياسة الأمنية بسبب الدعوى القضائية وقال: ستعرفون قريبا ما اذا كنت سأذهب الى هناك أم لا. ستكون ضعيفة وسوف نكتشف ذلك. وفي 10 فبراير/شباط ،2005 اي قبل بضعة ايام من مؤتمر ميونيخ، رفض المدعي العام الالماني كاي نيهم الدعوى على اساس ان الولايات المتحدة التي تمتلك سلطة قضائية اولية للنظر في الجرائم المزعومة سوف تحقق في القضية. واصر نيهم على ان “لا توجد اي قرائن تشير الى ان السلطات والمحاكم في الولايات المتحدة الامريكية تعلق ان انها ستعلق الاجراءات الجزائية المتعلقة بالانتهاكات المذكورة في الدعوى. فقد جرت جلسات استماع عدة في القضية المرفوعة ضد المدعى عليهم وحتى ضد اعضاء في لواء الشرطة العسكرية رقم 800”. وفي اليوم التالي اعلن الوزير رامسفيلد انه سوف يحضر مؤتمر ميونيخ. ويعمل اصحاب الدعوى في الوقت الحاضر على تقديم التماس في مكتب المدعي العام لإعادة النظر في الدعوى قبل رفع قضية استئناف في المحكمة الألمانية العليا. لقد أساء قرار المدعي العام الألماني تقييم الأدلة المذكورة في هذا التقرير، والتي تشير الى ان الولايات المتحدة لا تسعى الى محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق المحتجزين في المعتقلات الامريكية.


كان هناك الكثير من المعلومات المهمة الشائعة على نطاق واسع حول انتهاك المحتجزين

قبل ان يشرع المسؤولون بفتح ملف التحقيق في انتهاكات ابو غريب بوقت طويل كان الوزير رامسفيلد على دراية بما كان يحدث، وكان بين يديه سيل عرم من المعلومات والتقارير المتدفقة من منظمات غير حكومية، وكلها تؤكد ان المسؤولين الامريكان في افغانستان والعراق كانوا يرتكبون جرائم حرب ويمارسون التعذيب.

* في ابريل/نيسان من عام 2002 نشر العديد من اللقطات الفوتوجرافية  التي تصور الاسير الامريكي جون ووكر ليند وقد قيّد عارياً الى محفّة.

* في الخامس عشر من ابريل/نيسان من عام 2002 بعثت منظمة العفو الدولية برسالة الى الحكومة الامريكية مشفوعة بمذكرة من 61 صفحة “لتذكر بحقوق اولئك الذين يقعون في أسر الولايات المتحدة أو رهن اعتقالها في افغانستان وخليج جوانتانامو”.

وكانت الرسالة موجهة الى الرئيس بوش، وارسلت نسخة منها الى الوزير رامسفيلد، تعبّر فيها المنظمة عن قلقها بشأن المحتجزين الذين رحلوا الى جوانتانامو، وبشأن عمليات القتل واساءة معاملة المحتجزين والتنكيل بهم الى افغانستان وعن شح التحقيقات التي تحاول التحري عن هذه الانتهاكات، والاستجواب من دون امكانية الحصول على مشورة قضائية، والنقل الى دولة ثالثة كي يتسنى تعذيب المعتقلين.

وسئل الوزير رامسفيلد عن تقرير منظمة العفو الدولية خلال مؤتمر صحافي فقال انه لم يقرأه.

* في 26 ديسمبر/كانون الاول من عام 2002 أوردت صحيفة “الواشنطن بوست” تقريراً يفيد ان محتجزين في قاعدة باجرام الجوية “يجبرون احيانا على المكوث وقوفاً او في وضعية الركوع او السجود لساعات طويلة وقد البسوا قسراً أكياساً سوداء او نظارات رشت عدساتها بطلاء داكن يحجب الرؤية... وكان المحتجزون يرغمون في كثير من الاحيان على اتخاذ اوضاع محرجة مهينة او مؤلمة تلحق بهيكلهم العظمي وعمودهم الفقري أضراراً بالغة.. وكثيراً ما كانوا يحرمون من النوم حيث تسلط عليهم اضاءة مبهرة طيلة 24 ساعة حيث يتعرضون لتقنيات تعذيب تعرف بمصطلح “الإجهاد والضغوط والإكراه بالتهديد..”.

* في 27 ديسمبر/كانون الاول 2002 كتبت منظمة مراقبة حقوق الانسان الى الرئيس بوش، والى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن مزاعم بحدوث عمليات تعذيب أوردت الواشنطن بوست بعضا من التقارير بشأنها، وطالبت بأن يتم التحقيق بهذه المزاعم على الفور.

* كتب المديرون التنفيذيون في ابرز جماعات ومنظمات حقوق الانسان بتاريخ 14 يناير رسالة الى نائب وزير الدفاع بول وولفويتز يحثونه فيها على ان تدلي الادارة بتصريح علني يعلن ان التعذيب لن يكون هناك تسامح تجاه اي من ألوانه، وذلك دون الاشارة الى الحالات الحقيقية التي وقعت، وان الولايات المتحدة لن تسعى لانتزاع معلومات استخباراتية عن طريق التعذيب في بلد ثالث، كما حثت الرسالة الادارة على ان تقدم لائحة تعليمات ارشادية واضحة الى القوات الامريكية. وفي 31 يناير كتب هؤلاء المديرون الى الرئيس بوش يطالبونه فيها “بالاعلان من خلال تصريحات لا لبس فيها يدلي بها بوش واعضاء ادارته ويؤكدون ان لا تسامح البتة ازاء ارتكاب اي شكل من اشكال التعذيب.. (و) ان اي مسؤول امريكي يضبط وقد استخدم او تواطأ مع او تغاضى عمن مارس التعذيب سوف يحاسب ويقاضى”.

ودعا المديرون كذلك الى وضع “دليل ارشادي مدون بوضوح ويمكن تطبيقه من قبل أي شخص يتولى عملية الاستجواب أو له صلة بها او باحتجاز السجناء وتسليمهم الى طرف ثالث” وفي 5 فبراير/ شباط من عام 2003 التقت هذه المنظمات بالمستشار العام لوزارة الدفاع، هاينيس لحث الادارة على تطوير معايير واضحة لمنع اساءة معاملة المحتجزين.

* أوردت النيويورك تايمز في تقاريرها بتاريخ 4 مارس/ آذار 2003 ان: “قادة العسكر في الولايات المتحدة قد بدأوا بتحقيق جنائي في وفاة رجل افغاني كان رهن الاعتقال الامريكي في ديسمبر/ كانون الأول، وهي حادثة موت وصفها خبير باثولوجي امريكي بأنها عملية “قتل”..  وقال سجينان سابقان ان الاوضاع والظروف التي تعرضا لها آنذاك، اشتملت على الوقوف عاريا تماما وقد دس رأس المعتقل في كيس أسود وقيد بالاصفاد حيث يرغم على البقاء دون ان يأتي بحركة لمدة طويلة، كما كانا يحرمان من النوم لأيام طويلة لا نهاية لها”.

* عقدت منظمة العفو الدولية مؤتمراً صحافياً في 15 مارس/ آذار 2003 في بغداد للتنبيه على وتركيز الاضواء على احوال المعتقلين والانتهاكات بحقهم واساءة معاملتهم.

* في 26 يونيو/ حزيران 2003 كتبت منظمة العفو الدولية الى بريمر بعدما التقت بمحتجزين سابقين لانتقاد أساليب وطرق كانت “تبدو انها تسهل الاذلال والمعاملة الوحشية وغير الانسانية والمهينة” التي كان المحتجزون عرضة لها.

* وفي 26 يوليو/تموز 2003 نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً بعنوان: “العراق: مذكرة حول القلق والمخاوف المتعلقة بالقانون والنظام” حيث تورد المذكرة تفاصيل بعض حالات إساءة المعاملة التي كان يتعرض لها المحتجزون في العراق، في مواقع عدة منها سجن ابو غريب، وحسب العفو الدولية التقت بعثة رفيعة المستوى من منظمة العفو الدولية في بغداد (التاريخ غير واضح) بمسؤولي سلطة الائتلاف المؤقتة (سي بي ايه) وكان من بينهم السفير جون سوورز (بريطانيا)، والسفير ماكمانواي، والمقدم وورنر والعقيد مايكل كيلي من مكتب الاستشارات القانونية في سلطة الائتلاف المؤقتة.

* في 19 اكتوبر/ تشرين الاول 2003 أوردت وكالة الاسوشيتدبرس للانباء ان: “ثمانية من جنود الاحتياط المارينز يواجهون تهما تتراوح ما بين القتل جراء الاهمال في أداء الواجب الى الادلاء بتصريحات زائفة فيما يتعلق بإساءة معاملة أسرى الحرب في العراق”.

* في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2003 أوردت الاسوشيتدبرس ان “جنود احتياط من المارينز كانوا يديرون معسكر اعتقال في العراق أمروا أسرى الحرب بالوقوف لساعات لا نهاية لها الى ان يفرغ المحققون من استجوابهم، وذلك استناداً الى شهادات قدمت اثناء جلسات استماع المحكمة العسكرية”.

* في 6 يناير/ كانون الثاني 2004 أوردت “الاسوشيتدبرس” ان: “الجيش الامريكي صرف من الخدمة ثلاثة جنود احتياط وأمر بتغريمهم رواتب شهرين مما يتقاضونه وذلك لامتهانهم السجناء في مركز اعتقال في العراق والتنكيل بهم”.

* أوردت الاسوشيتدبرس في 9 يناير/ كانون الثاني 2004 ان المحكمة العسكرية التي كانت تعقد جلسات استماع سجلت شهادات لسبعة جنود امريكيين عاملين في العراق يؤكدون فيها شيوع اساءة معاملة السجناء في مراكز الاعتقال في العراق.

* في 12 يناير/ كانون الثاني 2004 كتبت منظمة مراقبة حقوق الانسان، الى الوزير رامسفيلد معربة عن قلقها مما علمت به من وقائع قامت فيها القوات الامريكية المرابطة في العراق باعتقال أقارب وذوي مطلوبين مشتبه بهم وذلك لارغام المشتبه بهم على الاستسلام. وهو الامر الذي يطابق في توصيفه جريمة أخذ رهائن المصنفة على أنها جريمة حرب حسب اتفاقيات جنيف.

* في 13 يناير/ كانون الثاني 2004 أوردت الصحافة ان شخصا معتقلا لدى القوات الامريكية في العراق للاشتباه به زعم “انه اكره على الوقوف منتصب القامة الى ان انهار بعد اكثر من 13 ساعة من الوقوف المتواصل بلا حراك” وان مستجوبيه احرقوا ذراعيه بالسجائر. فإذا اخذنا في الحسبان طبيعة هذه الجرائم بحق المعتقلين، المنتشرة على نطاق واسع نخلص الى حتمية علم الوزير رامسفيلد بها.

 

رامسفيلد يرفض التدخل

أورد تقرير شلينجر نحو 300 من المزاعم بشأن اساءة معاملة الاسرى والسجناء في العراق وافغانستان وجوانتانامو وامتهانهم، وهي عمليات تكاد تكون بدأت مباشرة بعد غزو افغانستان في عام 2001.

ويمكن الاستنتاج بسهولة من خلال شيوع تلك الانتهاكات وطبيعتها وانتشارها على نطاق واسع في بلدان ثلاثة ان الوزير رامسفيلد لابد وانه كان على علم بها من خلال القنوات الاستخباراتية الداخلية وهذا كله يوحي بأنه كان على دراية بما كان مرؤوسوه يرتكبونه من جرائم.

أحجم الوزير رامسفيلد عن التدخل لمنع ارتكاب جرائم حرب وتعذيب على أيدي الجنود والضباط تحت امرته في افغانستان والعراق. ظل الوزير رامسفيلد يحجم طيلة الفترة المذكورة آنفاً عن التدخل للحيلولة دون ارتكاب المزيد من الجرائم، وحتى بعدما جرى اخطاره وتحذيره شخصيا بخصوص هذه الانتهاكات، وحتى عندما كانت الصحافة والاعلام وجماعات حقوق الانسان تشجب هذه الانتهاكات علانية، وحتى عندما كانت اللجنة الدولية للصليب الاحمر تجأر بشكواها وتعرب عن انتقاداتها، فإن الوزير رامسفيلد لم يصدر أبداً على ما يظهر أوامر محددة او ينشر تعليمات ارشادية لمنع اساليب الاستجواب بالضغط والاكراه، اللهم سوى سحبه لموافقته الشاملة على بعض الطرق المتبعة في جوانتانامو في يناير/ كانون الثاني، وفي الحقيقة، وكما وصفنا سابقا، فإنه في منتصف عام 2003 تصاعدت الضغوط على القائمين على الاستجواب في العراق وازدادت فعليا لحملهم على استخدام المعتقلين وانتزاع اعترافات ومعلومات منهم. تطفح الوثائق والمستندات التي أفرجت عنها وزارة الدفاع في يونيو/ حزيران من عام 2004. اضافة الى تلك التي نشرت مؤخرا في استجابة لدعوى قضائية رفعها مركز الحقوق الدستورية واتحاد الحريات المدنية الامريكية بمعلومات تسد نواقص سابقة وتزخر بوصف لانتهاكات واهانات شنيعة جرت ومازالت ترتكب حتى تاريخه وليس ثمة دليل على ان الوزير رامسفيلد (او اي قائد آخر رفيع المستوى) قد بذلوا اي جهد او سخروا السلطات المخولة لهم، ولا سيما رامسفيلد ذاته بصفته المسؤول المدني الذي يتولى قيادة القوات المسلحة في التحذير من ان اي اساءة في معاملة السجناء لن يتغاضى عنها وان هذه الانتهاكات ينبغي ان تتوقف، ولو انه قام بهذا لكان أمكن تفادي الكثير من الجرائم التي ارتكبتها القوات الامريكية.

4

   

 

المخابرات الأمريكية عذبت المعتقلين بأوامر من جورج تينيت

 

حسبما أوردت التقارير، فإنه بتوجيهات من جورج تينيت، وبإيعاز محدد وإجازة منه قامت وكالة الاستخبارات المركزية ال (سي. آي. إيه) بتعذيب المحتجزين بطرق شتى منها الإغراق في ماء الثلج والمعتقل مصفد مثبّت إلى لوح خشبي، والحرمان من تعاطي الدواء للمرضى، وغيرها من التقنيات التي أوردت التقارير أن ال “سي. آي. ايه” استخدمتها والتي تشتمل على ايهام الضحية بأنه يوشك على الموت اختناقاً، وإجباره على “وضعيات الإجهاز الشديد” وإدامة إزعاجه حتى الانهيار بالضوء المبهر والضجيج، والحرمان من النوم، والإلقاء في ردع المحتجز أنه في قبضة حكومات تمارس التعذيب بشكل روتيني. وتحت إدارة تينيت، وبموافقته التامة كما يبدو بداهة، “نقلت ال “سي. آي. ايه” وسلمت” معتقلين إلى حكومات أخرى كانت تتولى تعذيبهم. كما قامت ال “سي. آي. إيه” أيضاً وتحت إدارة تينيت بإقصاء المعتقلين عن دائرة حماية القانون، وإخفائهم في أماكن سرية تحولوا فيها إلى أناس لا حول لهم ولا قوة ولا نصير ولا جهة أيّاً كانت تدافع عنهم، ودون أن يوفر لهم الدواء أو الرعاية مهما كان شكلها، هذا إلى جانب عزلهم بشكل كامل وحرمانهم من أي اتصال بالعالم الخارجي، وإبقائهم تحت رحمة معذبيهم بصورة تامة. وهذه الزمرة من المحتجزين في السجن الانفرادي دون أي إتصال بالعالم الخارجي ولمدد طويلة جداً جرى تحويلهم وبصورة فعّالة جداً إلى فئة من “المختفين” الذين لم يعثر لهم على أثر.

لقد شغل جورج تينيت منصبه مديراً للاستخبارات المركزية إلى ان استقال في يونيو/حزيران من عام 2004. وبهذه الصفة يكون قد خدم في وكالة الاستخبارات المركزية بوصفه رئيساً لها.

ونظراً إلى ان ال “سي. آي. إيه” رفضت التعاون مع أي من التحقيقات الوارد ذكرها آنفاً أو تزويد اللجان المعنية بالمعلومات التي تتوافق مع متطلبات قانون حرية المعلومات، وهذا الملف، المتعلق بال “سي. آي. إيه” ومديرها تينيت وضلوعه في النشاطات الإجرامية أقل اكتمالاً ونضجاً. ولم يفرج عن أي من نتائج التحقيقات الداخلية التي طالت ال “سي. آي. إيه”.

ووفقاً للجنة شليسنجر فإنه “سمح لل “سي. آي. إيه” بالعمل تحت مظلة قواعد مختلفة. واكتشف تقرير في/ جونز الذي تحرّى عن نشاطات الاستخبارات في أبو غريب أن مفهوم كون وكالات ال “سي. آي. إيه” لديها قواعد مختلفة الأسس لتتبعها في ما يتعلق بعمليات الاستجواب والاعتقال كان حاضراً بصورة جلية”. واشتكى المحققون من أن “افتقار أوجا (أسلوب انتهج ها هنا في الاشارة إلى ال “سي. آي. إيه” دون إيراد ذكرها صراحة بالاسم) إلى الالتزام بالممارسات والإجراءات التي أرسيت أسسها من أجل أن تكون الوكالة مسؤولة عن المعتقلين قد محت من أذهان الجنود والمدنيين على السواء ضرورة اتباع قواعد الجيش”، وخلصوا بنتيجة هي أن ممارسات ال “سي. آي. إيه” فيما يتعلق بالاعتقال والاستجواب قادت إلى تلاشي مبدأ الخضوع للمحاسبة وتحمل المسؤولية وأدت إلى حدوث الانتهاكات وانهيار المصداقية وقللت من التعاون بين إدارات الوكالة وانشأت لوناً من السرية الباطنية غير الصحية زادت الطين بلّة وأفسدت الأجواء وجعلتها أشد تسمماً في سجن أبو غريب.

ويمكن تعقّب جذور “القواعد المختلفة لل “سي. آي. إيه” في “الحرب العالمية على الإرهاب” في شطر منها إلى مذكرة سرية، لكنّها أضحت مشهورة سيئت الصيت أصدرتها وزارة العدل بتاريخ 1 اغسطس/آب من عام 2002 إلى البرتو جونزاليز، الذي كان يشغل وقتها منصب مستشار البيت الأبيض، وذلك استجابة لطلب ال “سي. آي. إيه” للإرشادات والتوجيه، وقالت المذكرة إن تعذيب معتقلي القاعدة المأسورين في الخارج “يمكن تبريره” وإن القوانين الدولية التي تمنع التعذيب وتصنفه على أنه جريمة حرب “ربما تكون غير دستورية إذا ما طبقت في عمليات الاستجواب” التي تجرى في الحرب على الإرهاب. وأضافت المذكرة أنه يمكن لمبادئ “الضرورة والدفاع عن النفس أن توفّر تبريرات تلغي وتعفي من أي مسؤولية جنائية” يتحملها المسؤولون الذين قاموا بتعذيب معتقلي القاعدة. كما تبنت المذكرة وجهة نظر ضيقة إلى أقصى الحدود فيما يتعلق بتحديد أي من الأفعال التي تدخل ضمن تعريف التعذيب ومقوماته.

وذكرت التقارير أن مذكرة اغسطس/آب من عام 2002 قد جرى إعدادها إثر جدل ثار في أوساط الحكومة بشأن الأساليب والتقنيات التي استخدمت لاستجواب أبو زبيدة الذي زعم أنه من قيادات القاعدة، وذلك بعد أسره في ابريل/نيسان من عام ،2002 وتوحي التقارير، حسبما توفر من قرائن بأن أساليب ال “سي. آي. إيه” في الاستجواب رخصت بها وأجازتها مجموعة قواعد لا تزال سرية، وقامت وزارة العدل الأمريكية وهي البيت الأبيض بإقرارها وتبنيها في اغسطس/آب من عام 2002. وقيل إن هذه الأساليب اشتملت على التعذيب بالمياه بكافة أشكاله، من الربط إلى لوح خشبي والإلقاء في مياه متجمدة إلى الإغراق والخنق والحرمان من تعاطي أدوية مخففة للألم بعد التعرض للإصابات.

وفي الحقيقة، وحسب صحيفة ال “نيويورك تايمز” فإن: “الطرق التي استخدمتها ال “سي. آي. إيه” بلغت من الشدة والقسوة البالغة حداً جعل كبار مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي يوجهون عناصر المكتب ويوعزون إليهم بالنأي عن كثير من المقابلات التي تتم مع معتقلين رفيعي المستوى، حسبما قال مسؤولو مكافحة الإرهاب، وأوصى مسؤولو ال “إف. بي. آي” مدير المكتب روبرت إس مويلر ونصحوه بشأن كون تقنيات الاستجواب التي تعتبر ممنوعة في القضايا الجنائية يمكن ان تورط وتعرض للفضيحة أو الشبهة أو الخطر عملاءهم في قضايا جنائية مستقبلية، حسبما ذكر مسؤولو مكافحة الإرهاب.

المعتقلون الأشباح

وتحت امرة وإدارة تينيت طوّرت ال “سي. آي. إيه” أيضاً ممارسة منتشرة على نطاق واسع وتتمثل في استخدام “المعتقلين الأشباح”. واحتفظت ال “سي. آي. إيه” بعدد من المعتقلين بعيداً عن سجلات ووثائق أبو غريب، حيث أخفت أعداداً منهم عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتحدث تقرير فاي/ جونز عن ثمانية من أمثال هؤلاء المعتقلين (الاشباح) في أبو غريب لم يدرجوا في جداول السجن ولم تقيد اسماؤهم في قوائم أبو غريب ولا في غيره بناء على طلب ال “سي. آي. إيه”، وحدث في احدى هذه الحالات في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2003 أن جلب معتقل إلى السجن من قبل عملاء ال “سي. آي. إيه” لكنه لم يتم تسجيله أبداً بصورة رسمية، وقد قضى نحبه نتيجة التعذيب على أيدي الحراس العسكريين وأزيل جثمانه بعد أن لف بكيس بلاستيك وغمر بالثلج.

وفي شهادة أخرى من الشهادات التي أدلي بها أمام الكونجرس أخبر الجنرال بول كيرن، وهو أرفع ضابط يشرف على تحقيق فاي/ جونز لجنة خدمات القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ أن: “عدد “المعتقلين الأشباح” يتجاوز العشرات بل ربّما تجاوز المائة”. وأما الجنرال فاي فقدر عددهم بخمسة وعشرين معتقلاً أو نحو ذلك، وقال الضابطان كلاهما أنهما لا يستطيعان اعطاء رقم دقيق إذ لم يتم الاحتفاظ بسجلات ولا وثائق وبسبب رفض ال “سي. آي. إيه” تزويد المحققين بالمعلومات. وقدر تقرير تشيرش الرقم بحوالي 30. وأظهرت سجلات الأداء أنه كان هناك وبصورة مطردة من ثلاثة إلى عشرة من معتقلي الأشباح في سجن أبو غريب من منتصف اكتوبر/تشرين الأول 2003 إلى يناير/كانون الثاني 2004. هذا وقد ادرج

كثير من “معتقلي الأشباح” في أبو غريب ضمن برامج التدمير النفسي بالحرمان من النوم والاستجواب بالرش بالماء البارد أو الحار وبالتغطيس في آبار المياه.

وفي حالة هيوا عبدالرحمن رسول، أكد الناطق باسم البنتاجون، باري ويتمان أن تينيت أمر

بصورة محددة بإخفاء هذا المعتقل “دون أي اشعار أو انذار”. وفي فترة سبقت هذه، انتقد الفريق أول انطونيو تاجوبا هذه الممارسة بشدة وأعرب عن استهجانه لأسلوب الاحتفاظ “بمعتقلين أشباح”، وقال، وقد أصاب كبد الحقيقة في قوله، إن “هذه المناورة كانت مخادعة مضللة وإنها تتناقض ومبادئ الجيش وتنتهك القانون الدولي”. وذكرت التقارير أيضاً أن ال “سي. آي. إيه” نقلت أكثر من عشرة من المعتقلين غير العراقيين خارج العراق فيما بين ابريل/نيسان 2003 ومارس/آذار 2004. وأجيزت عمليات الترحيل هذه على ما يبدو في مسودة مذكرة أصدرتها وزارة العدل بتاريخ 19 مارس/آذار 2004. ولم ينشر مسؤولو ال “سي. آي. إيه” أسماء أولئك المعتقلين أو جنسياتهم، ومن غير الواضح ما إذا كان قد جرى تسليم المعتقلين إلى حكومات “صديقة” أو انه تم الاحتفاظ بهم في مواقع سرية يديرها الأمريكيون.

تينيت شهد “اختفاء” المحتجزين

عندما كان تينيت يشغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، “اختفى” السجناء في مركز الاعتقال التابع للوكالة أي بمعنى تم وضعهم في مواقع سرية حيث لا تستطيع اللجنة الدولية للصليب الأحمر الوصول إليهم، ولا يمكن معرفة كيف تتم معاملتهم وحتى من إعلام عائلاتهم. وفي كثير من الحالات لم يكن هناك إقرار باحتجازهم. وقامت منظمة مراقبة حقوق الإنسان بتجميع المعلومات المتوفرة لديها حول 11 محتجزاً من الذين “اختفوا” في المعتقلات الأمريكية، وربما يكون هناك العديد غيرهم. وهم:

1 ابن الشيخ الليبي (ليبيا).

2 أبو زبيدة المعروف أيضاً باسم زين العابدين محمد حسين وعبدالهادي الوهاب (فلسطيني).

3 عمر  الفاروق (الكويت).

4 أبو زبير الهيلي المعروف باسم فوزي سعد العبيدي (السعودية).

5 رمزي بن الشيبة (اليمن).

6 عبدالرحيم الناشري، المعروف باسم أبو بلال الماكي، عبدالرحمن حسين النشاري وكان يعرف سابقاً باسم محمد عمر الحرازي (مولود في مكة بالمملكة العربية السعودية).

7 مصطفى الحوسوي (السعودية).

8 خالد شيخ محمد المعروف باسم شيخ محمد وأشرف رفعت ثابت حنين وخالد عبدالودود وسالم علي فهد بن عبدالله بن خالد (الكويت).

9 وليد محمد بن عطاش المعروف باسم توفيق بن عطاش وتوفيق عطاش خالد (اليمن).

10 عادل الجزائري (الجزائر).

11 الحمبلي المعروف باسم رضوان عصام الدين (اندونيسيا).

واستمرت وكالة الاستخبارات المركزية في رفض تقديم معلومات حول مصير أو مكان هؤلاء المحتجزين. فعلى سبيل المثال، طلبت منظمة مراقبة حقوق الإنسان مراراً معلومات عن مكان الحمبلي ووضعه القانوني وظروف اعتقاله ولم تتم تلبية أي منها.

ولم تكن وسائل الاعلان أوفر حظاً على هذا الصعيد كما كان واضحاً في تقرير خاص في برنامج “نايت لاين” على تلفزيون “إيه. بي. سي” حيث جاء فيه: “لا يزال هناك تعتيم على المعلومات المتعلقة بمكان ومعاملة المحتجزين أو ما تخطط الولايات المتحدة أن تفعل بهم. وعندما سئل عن السبب أجاب أحد مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية بالقول: هذا سر”.

وحاولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مراراً الحصول على معلومات عن المحتجزين. وفي تقرير عام في مارس/آذار ،2004 قالت اللجنة:

“إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قلقة بشأن ما يجري وراء أسوار بجرام وجوانتانامو ومصير عدد غير معروف من البشر الذين اعتقلوا خلال ما يسمى الحرب العالمية على الإرهاب واحتجزوا في مواقع سرية. وتعتبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر الحصول على معلومات حول هؤلاء المحتجزين ومقابلتهم أولوية إنسانية بالغة الأهمية واستمراراً منطقياً لعملها الحالي، فيما يتعلق بعمليات الاعتقال في بجرام وجوانتانامو”.

وفي يونيو/حزيران، أعرب إيروف بوسيسيو من اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن قلقه بالقول:

يزداد قلقنا بشكل مطرد حول عدد الأشخاص الذين تم اعتقالهم في إطار ما يسمى “الحرب على الإرهاب” ومن ثم تم احتجازهم في أماكن سرية، لقد طلبنا معلومات عن هؤلاء الناس ومقابلتهم. وحتى الآن لم يصلنا أي رد من الأمريكيين.

ووفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز” “رفضت الوكالة السماح لأي مراقب مستقل أو مجموعة حقوق إنسان لمقابلة المحتجزين رفيعي المستوى المحتجزين في ظروف سرية للغاية. وقد أحيطت أماكن اعتقالهم بسرية تامة حتى أن أحد المسؤولين قال: إنه علم ان الرئيس بوش قد أعلم وكالة الاستخبارات المركزية بأنه يريد أن يعرف مكان اعتقال المحتجزين.

ولم يتضح أي سلطة في القانون الأمريكي تجيز احتجاز هؤلاء المشتبه بهم في ظروف سرية كهذه. ففي يونيو/حزيران ،2004 قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بأن مرسوم التفويض باستخدام القوة العسكرية الذي صادق عليه الكونجرس في 11 سبتمبر/أيلول ،2001 ويجيز للرئيس ملاحقة تنظيم القاعدة ومناصريه، ومنحه السلطة لاحتجاز القوات المعادية التي يتم القبض عليها في المعركة. وبالنيابة عن غالبية أعضاء المحكمة، قالت القاضية ساندرا داي أوكونور: “بالتأكيد نحن نوافق على ان الاعتقال غير المحدد لأغراض التحقيق ليس مسموحاً”. والقانون الأمريكي يعتبر الاحتجاز المطول من دون تهم أو محاكمة و”إخفاء هؤلاء المعتقلين في معتقلات سرية” هي خروقات كبيرة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً.

ورغم ان عمليات “اختفاء” كهذه لا ينص عليها القانون الأمريكي ولا يعاقب عليها، إلا ان الاعتقال من تواصل يشكل بحد ذاته اساءة إنسانية وخرقاً لميثاق مكافحة التعذيب ومعاهدة جنيف، وبالتالي فإنه عرضة للمحاكمة بموجب قانون جرائم الحرب وقانون مكافحة التعذيب. وأشارت البعثة الدولية لحقوق الإنسان إلى ان “الاحتجاز المطول من تواصل، يشكل بحد ذاته معاملة سيئة وغير إنسانية ومهينة”. وعلى غرار ذلك، وجدت اللجنة الدولية لحقوق الإنسان أن “الاعتقال المطول من دون تواصل في مكان غير معروف” هو “تعذيب وشكل من أشكال المعاملة القاسية وغير الإنسانية”.

وكالة الاستخبارات المركزية “تخفي”

المحتجزين تحت قيادة المدير تينيت

تعرض بعض المعتقلين المذكورين أعلاه حسب المزاعم، إلى التعذيب من قبل وكالة الاستخبارات المركزية. وجاء في صحيفة “نيويورك تايمز”:

بالنسبة لخالد شيخ محمد الذي يعتبر أحد المعتقلين رفيعي المستوى ويعتقد أنه ساعد في شن هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ،2001 استخدم محققو وكالة الاستخبارات المركزية مستويات متدرجة من القوة بما في ذلك أسلوب “التعذيب بالماء” حيث يتم فيه ربط السجين ومن ثم يدفع تحت الماء حتى يصدق أنه قد يغرق.

التعذيب بالماء

والتعذيب بالماء، كما اصطلح على تسميته ويشمل ألواناً متعددة من التعذيب بالماء، تقنية أقرتها وزارة العدل حسبما أكدت التقارير. ويبدو أن المدير الحالي للاستخبارات المركزية بورتر جوس أراد أن يوحي بأن ال “سي. آي. إيه” كانت تستخدم التعذيب بالماء في الحقيقة عندما عرّف هذه التقنية في شهادته أمام مجلس الشيوخ بأنها: “تلك المنطقة التي سوف أطلق عليها وصف تقنيات الاستجواب الاحترافية”. والتعذيب بالمياه على أية حال شكل مشهور رديء الصيت من أشكال التعذيب كان الطغاة (العسكريون) في دكتاتوريات أمريكا اللاتينية قد مارسوه في حقبة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، حيث ذاع صيته وراح يعرف باسم “الغواصة”. وقد شجبته بصفته طريقة من طرق التعذيب وزارة الخارجية الأمريكية ولجنة المقرر الخاص بشأن التعذيب التابعة للأمم المتحدة.

وأوردت التقارير أيضاً أن المسؤولين الأمريكان منعوا مسكنات الألم عن أبو زبيدة الذي كانت أوجاعه فظيعة لإصابته أثناء أسره، وذلك كأسلوب من أساليب الاستجواب بالتعذيب. ونظراً لأن هذه الممارسة جلبت ألماً اضافياً شديداً ومعاناة متعمدة وغير ضرورية فإنها تندرج ضمن أساليب التعذيب.

وأكدت التقارير أنه في معظم الحالات التي تم تسجيلها من بعض لجان التحقيق كان المعتقلون يخضعون إلى تشكيلة من مختلف ألوان التعذيب التي ذكرت آنفاً. ومن التقنيات التي استخدمتها ال “سي. آي. إيه” في التعذيب، حسب صحيفة “واشنطن بوست” “الايهام بالاختناق” و”وضعيات الاجهاد حتى الانهاك التام والانهيار” والإزعاج بالضوء والضجيج، والحرمان من النوم، وجعل الأسير يظن أنه يخضع للاستجواب من قبل حكومة أخرى، وهذه التقنيات يمكن أن ترقى بسهولة إلى مستوى التعذيب، لا سيما إذا ما استخدمت بصورة مشتركة.

وأورد مسؤولو ال “إف. بي. آي” حججهم للتأكيد على أحقيتهم بالاحتفاظ بسيطرتهم التامة على عملية استجواب الليبي وطرحوا وجهة نظرهم أمام مدير ال “إف. بي. آي” روبرت مويلر. وفي هذه الأثناء تناقش مدير محطة ال “سي. آي. إيه” في افغانستان مع مدير مكافحة الإرهاب في الوكالة كوفر بلاك الذي يوصف بأنه من الصقور، وتخاطب بدوره مع مدير ال “سي. آي. إيه” جورج تينيت الذي ذهب إلى البيت الأبيض وسلّم الليبي إلى ال “سي. آي. إيه” “فكمموا فاه وشدّوا وثاقه وأرسلوه إلى عاصمة بلد عربي” كي يحظى باستجواب أشد فظاعة بكثير.

 

تعذيب وترحيل

 

برئاسة تينيت وبتفويض منه أرسلت ال “سي. آي. إيه” محتجزين إلى دول تعرضوا فيها للتعذيب. كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية متورطة، قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، بتسليم المشتبه بضلوعهم في الإرهاب إلى دول أخرى، حيث ورد في تقرير خطي أرسله تينيت إلى لجنة 11 سبتمبر/أيلول ان: “التقرير الصادر عن وكالة الاستخبارات المركزية والمقدم للجنة الميزانية للسنة المالية ،1998 والذي يتم اعداده في باكورة العام 1997 حول سياسة وأهداف الوكالة، قدم دليلاً قوياً على اتباع أسلوب الهجوم ضد الإرهابيين، وأبرز العمليات الهجومية لمراكز الوكالة الخاصة بمكافحة الإرهاب، وأشار إلى ان الهدف يتمثل في “تفكيك البنية التحتية للإرهاب، وزرع العملاء في صفوف الجماعات الإرهابية، وتسليم قادة مخططي الإرهاب، والعمل سوياً مع شركاء أجانب”. وذكر تينيت ان وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي. آي. إيه) أسهمت في تسليم 80 محتجزاً قبل الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. وقيل ان الرئيس بوش وقع مباشرة بعيد احداث سبتمبر/أيلول على نشرة تعليمات، لا تزال سرية، تعطي وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية سلطة واسعة لنقل وترحيل المشتبه بضلوعهم في أعمال إرهابية، إلى دول أخرى. وبعدها قيل إن الوكالة برئاسة تينيت ارسلت ما بين 100  150 مشتبهاً به إلى دول أخرى بينها عدد من دول الشرق الأوسط المعروف عنها ممارسة التعذيب بصورة عادية. ويعتقد ان المحتجزين الذين تم تسليمهم لدول أخرى تعرضوا للتعذيب، وعرف عن الكثير من تلك الحالات، وقدم مايكل شيور رئيس مكتب ال “سي. آي. إيه” المختص بابن لادن، والذي أشرف على برنامج تسليم المحتجزين، دليلاً على أن تينيت كان على علم بما يحدث للمعتقلين. وعلى ضوء ما تقدم يجب التحقيق في دور تينيت في عمليات تسليم المحتجزين لتقرير ان بلغت حد المؤامرة لاقتراف التعذيب أو المساعدة على تشجيع التعذيب.