خذوا الحكمة من فم وزير إعلام سورية!

حكم البابا – القدس العربي


أشبه في عودتي المستمرة للكتابة عن الإعلام السوري مدمناً علي التدخين، مصمماً علي معالجة إدمانه، يقرر كل صباح أنه سيـبدأ اليوم حياةً جديــــدة بدون تدخين، فيرمي علبة السجائر والقــــــداحة، ويمـــلأ جـــيوبه بأنواع السكاكر، لكنه دائماً يتعثر بمصيبة، أو يفجع بعـــزيز، أو يـنرفزه شخص ما، أو يتلـــقي خبراً مــــزعجاً، فيمد يده بآلية إلي سجائر مجــــالسه ويأخذ واحدة ويشعلها، ثم يذهب إلي أقرب كشك سجائر ويشتري علبة كاملة وقداحة جديدة، ويؤجل قراره بالإقلاع عن التدخين لليوم التالي..
أنا مثل هذا المدمن، فدائماً وبعد كل مقالة أكتبها عن الإعلام السوري، أحلف أنني سأقلع عن إدماني الخطير لهذا الاعلام الذي يصيب متعاطيه بالزهايمر، لكن مقالةً هنا أو تصريحاً هناك أو مقابلةً هنالك تظهر، وأجد أنه من قلّة المروءة أن أصمت، فأحنث بحلفاني وأعود إلي تعاطي (بانغو) الإعلام السوري، لكن المشكلة الكبري أن حوادث هذا الاعلام أكثر من حوادث سير علي أتوستراد سريع ليس فيه حارات محددة للسيارات، ولا شاخصات طرقية، مليء بالتحويلات المفاجئة والمنعطفات الخطرة، والتي لايوجد ما يدل عليها سوي إحساسك بأن السيارة التي تركبها تحولت إلي (دويخة) في مدينة ملاه وهي تنقلب فيك!
ما نرفزني ورفع ضغطي وجعلني أحنث بحلفاني الأخير هي مقابلة وزير الإعلام السوري الدكتور مهدي دخل الله في برنامج مدارات الذي يقدمه بدون إعداد فتي التلفزيون السوري الأول نضال زغبور، والتي لو لم أشاهدها في الفضائية السورية مساء الأربعاء 26/4/2005 لظننت أنني جالس في كلخوز ناءٍ من كلخوزات الاتحاد السوفييتي يوم الأربعاء 26/4/1955 أستمع إلي الرفيق المحترم أمين الحلقة الحزبية، وهو يشرح النظرية الجديدة للإعلام الموجه التي وصلت للتو بالسيارة (الجيب واظ) وبالظرف المختوم بالشمع الأحمر من موسكو.
زيادة في التأكد من الزمان نظرت في الروزنامة الجدارية المعلقة في بيتي فوجدت أننا فعلاً في عام 2005، وإمعاناً في الحرص سألت زوجتي ما إذا كان ما سمعته من كلام صدر باللغة العربية عن التلفزيون السوري ومن وزير الإعلام السوري بالذات الذي لاينتهي اسمه بـ(فيتش) أو (فسكي) أو (أوف)، أم أن ما سمعته كان باللغة الروسية في اجتماع حزبي برئاسة الرفيق المحترم أمين الحلقة الحزبية في الحزب الشيوعي السوفييتي، فأكدت لي أننا في العاصمة السورية دمشق ولسنا في الكلخوز السوفييتي.
وحتي أوقن وأؤمن قرصت نفسي فتوجعت، وتأكدت من أن سيجارتي التي أدخنها هي تبغ مائة في المائة كما هو مدون علي علبتها، ولا تحوي أي نوع من الممنوعات التي تذهب العقل، وأن المشروب الذي أشربه هو شاي صافٍ معبأ في سيلان كما هو مختوم علي الظرف، وليس مخلوطاً بأي من المسكرات التي تفقد الرشد، وعندها تأكدت أن كلام وزير الإعلام السوري هو سبب دوختي ولفة رأسي وفقدان رشدي الذي أدي للخبطتي في التاريخ والزمان والمكان.
فالجدل البيزنطي الذي قاده بغير مهارة ـ كعضو فرقة فنون شعبية جيء به لأداء رقصة تانغو ـ حول أيهما أكثر أهمية في الإعلام الأسبقية أم المصداقية، والذي برر به تأخر الإعلام السوري عن تغطية الأحداث، يعود إلي بحث هذا الإعلام عن المصداقية، مما يعني أن إذاعة خبر عن وجود ماء في المريخ يقتضي إرسال مندوب من وكالة سانا إلي المريخ للتأكد من مصداقية الخبر، ومما يعني أيضاً أن البث الحي والمباشر لكل قنوات العالم التلفزيونية لأي حدث من الأحداث العربية والعالمية الهامة التي تجاهلها التلفزيون السوري لا تملك مصداقية لأن مندوب أخبار التلفزيون لم يكن شاهداً عليها، هذا الجدل البيزنطي هو أحد أسباب عدم احساسي بالمكان والزمان الذي شعرت بهما!
وتوصيف وزير الإعلام السوري لصحف عربية محترمة ومهنية بالصفراء كونها فقط تنشر للكتاب السوريين الممنوعين من النشر في صحف بلدهم، إلي الدرجة التي جعلني أتوجه من فوري إلي المرآة ـ باعتباري واحداً من كتاب هذه الصحف ـ لأبحلق في شعري الأحمر، وأتأكد من أنني لست يابانياً أو كورياً أو صينياً من العرق الأصفر، هذا التوصيف هو سبب لخبطتي بالتاريخ!
واتهام كل وسيلة إعلام لاتعترف بنظرية وزير الإعلام السوري حول كلخوزية الإعلام بأن لها هدفاً ما معيناً وغامضاً بإيماءة جنائية، وكأن إعلامه الكلخوزي بدون هدف، هو سبب إحساسي بأنني أعيش في العصر الجليدي للرفيق المحترم ليونيد بريجينيف!
لكني مستعد لنسيان كل ماقدمه وزير الإعلام السوري من مانشيتات وشعارات إعلامية منتهية الصلاحية، لم تعد صالحة للاستخدام الآدمي مع انتهاء النظم الشمولية، ومستعد لأن أناشده وأرجوه وأستحلفه وأتضرع وأتوسل إليه مقابل أن ينفذ واقعياً علي صفحات الصحف، وعلي شاشة التلفزيون، وعبر أثير الإذاعة، وفي أخبار وكالة الأنباء في سورية، كلامه الذي اعتبر فيه أن أسهل شيء هو تطوير الخطاب الإعلامي السوري ، فإن فعل فأنا علي ثقة فإنه سيدخل قائمة العظماء االذين أثّروا في تاريخ العالم وطوروا البشرية، مثله مثل أنيشتاين صاحب نظرية النسبية، ونيوتن مكتشف الجاذبية، وأديسون مخترع الكهرباء!
بقي أن أقول كلمة بحق مقدم البرنامج وفتي التلفزيون السوري الأول نضال زغبور، والذي أعيد له برنامجه بعد إيقاف ما يقرب من شهرين تنفيذاً للحرية الإعلامية علي الطريقة الكلخوزية، بسبب رأي قاله أحد ضيوفه وليس هو، فالسيد زغبور الذي رفع دعوي قضائية قبل شهرين علي الزعيم الوطني اللبناني وليد جنبلاط، وفاز بأعلي الأصوات في الانتخابات الحزبية في سورية، وأمين فرقة الحزب في التلفزيون، كان جالساً أمام وزير الإعلام في المقابلة وهو يهز رأسه بالإيجاب، ويوافق ويصدق، لكنه لم يصفق وهو الفرق الوحيد لمقابلته التلفزيونية عن اجتماعه الحزبي، وأود أن أسأله عن معني أن تكون المقابلة علي الهواء مباشرة دون أن يكون فيها اتصال تلفوني واحد؟
وأرجو أن لايكون الجواب ـ كما أتوقعه ـ بأن ثورة الاتصالات استبدلت موضة الهاتف بالفاكس والبريد الالكتروني!!!

إشارات

نصف
الشباب العربي بنوا قصص حبهم علي إيقاع أغاني عبد الحليم حافظ، وبكوا وتعذبوا من وعلي شجنها، لكن للمرّة الأولي نكتشف في البرنامج المميز لمارسيل غانم (كلام الناس) علي فضائية الـ
LBCI اللبنانية يوم الخميس الماضي، استعمالاً جديداً واستثنائياً لأغاني العندليب الأسمر، حين ذكر أحد المعتقلين اللبنانيين السابقين لدي المخابرات السورية، أغنية عبد الحليم حافظ (وابتدا المشوار) التي وضعها سائق الباص الذي تم نقله به إلي أحد الأقبية في سورية مغمض العينين، ومدي الألم الذي شعر به وهو يسمع الأغنية، وخاصة عندما يصل عبد الحليم في شجنه إلي جملة (آه ياخوفي من آخر المشوار) في الأغنية، معتبراً أن تلك الأغنية تثير لديه ذكريات مريرة قاسية؟.
بين عواطف الشاعر الذي كتب كلمات الأغنية، والملحن الذي لحنها، وعبد الحليم حافظ الذي أداها، وبين (عاطفة) سائق الباص الذي حولها إلي كرباج تعذيب، ما يجعلني غير قادر علي سماع هذه الأغنية بعد اليوم، دون أن تحضر إلي ذاكرتي صورة وألم ذلك المعتقل اللبناني الذي يغطي علي شجن وعاطفة عبد الحليم حافظ؟.

الحلقة المهنية التي التقي بها الصحافي فارس خشان مع النائب اللبناني مروان حمادة من برنامج (التحقيق لأجل لبنان) علي شاشة فضائية المستقبل ، والتي مشي فيها باحثاً محققاً في قصة محاولة اغتيال مروان حمادة، تكاد تكون حلقة كاملة مكتملة، ودرساً ليس في التحقيق التلفزيوني المهني، بل والجنائي أيضاً، وعليه فأنا أقترح أن يحقق الصحافي خشان في موضوع اغتيال الشهيد رفيق الحريري، لأن نتائجه ستكون بالتأكيد أكثر إقناعاً من تحقيقات عدنان عضوم، التي يستطيع طفل صغير أن يفندها، سواء في قصة أبو عدس التي كان مدبروها بحاجة لكاتب سيناريو محترف، ومخرج أكشن، وإنتاج أكثر سخاء، ما دام الشريط قد صور علي أساس كونه عملاً تلفزيونياً لا أكثر، أو في قصة الحجاج الطرابلسيين الذين يسقط من جيوبهم مسحوق الـ(تي إن تي) علي مقاعد الطائرة، كما لو كان هذا المسحوق المدمّر كمشة من بزر يضعونها في جيوبهم بغرض التسلية وتمضية الوقت.

لاحول ولاقوة إلاّ بالله.. هذا هو الرد المناسب علي ماصرح به مدير عام جريدة الثورة السورية الدكتور فايز الصائغ لفضائية الجزيرة حين اعتبر من مكتبه، أن المتجمهرين علي باب محكمة أمن الدولة في دمشق، وقت جلسة محاكمة الناشط أكثم نعيسه، لا يتجاوزون العشرين شخصاً، رداً علي أنباء الجزيرة التي تحدثت عن مائتي متجمهر.
مشكلة الدكتور الصائغ وسواه من رسميي سورية الإعلاميين، أنهم يسقطون صفراً من أرقام التجمعات التي تزعجهم، ويضيفون عدة أصفار لأرقام التجمعات التي تعجبهم، وبهذه الطريقة أداروا ومازالوا مستمرين في إدارة الإعلام السوري.
كاتب من سورية