سوريا في مرحلة ما بعد بيروت

محمد سيد رصاص - السفير

 

لم تأخذ سوريا دوراً إقليمياً رئيسياً، منذ أيام الأيوبيين، إلا في صيف العام 1976 مع دخولها العسكري إلى لبنان بغطاء أميركي ثم بموافقة عربية وبعدها سوفياتية، فيما كانت ملعباً للآخرين بين عامي 1946 و 1963، لتبدأ مع التاريخ الأخير في أخذ دور المنافس، على زعامة حركة القومية العربية، مع عبد الناصر.
كان الغطاء الدولي للحكم السوري أساسياً منذ العام 1970 ، حيث لا يمكن فهم صعود الفريق حافظ الأسد للسلطة من دون موافقته على القرار 242، ومن دون إدراكنا لموقفه الرافض (كوزير للدفاع) لدخول الدبابات السورية إلى الأردن في أحداث أيلول، ولكن أيضاً، من دون نسيان العوامل الداخلية التي جعلت حكم صلاح جديد فاقداً للتمثيل الاجتماعي، أو نسيان عزلته العربية، عندما كانت دمشق على خصومة مع القاهرة والرياض وعمان وبغداد معاً.
أتاح ذلك الدور الإقليمي لدمشق أن تكون اللاعب العربي الرئيسي في المنطقة، بعد استقالة مصر من شؤون آسيا العربية مع السادات، وعدم استطاعة السعودية (بعد اغتيال الملك فيصل) أن ترفع وزنها السياسي إلى مستوى قوتها الاقتصادية، فيما كان العراق (بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 مع الشاه التي بودل فيها شط العرب بإيقاف الدعم الإيراني للتمرد الكردي) في حالة تضميد جراحه الكردية عندما أتت توترات مع إيران الخميني وحربه اللاحقة معها. من دون هذا الدعم الدولي (وأيضاً العربي من الخليج) لا يمكن تفسير صمود نظام الحكم السوري أمام عاصفة أحداث 1979 1980 في ظرف كان العراق والأردن يدعمان المعارضة الإخوانية المسلحة وفي وضع كان الإخوان المسلمون، والمعارضة الديموقراطية ممثلة في أحزاب (التجمع الوطني الديموقراطي) وحركة النقابات المهنية، يمثلون طيفاً اجتماعياً لا يُستهان به داخل النسيج الاجتماعي السوري. كما أن قدرة السلطة على تطييف نفسها دولياً وإقليميا، قد جعلتها قادرة على التكيف مع عالم (ما بعد الحرب الباردة) من دون دفع أي فواتير على الصعيد الداخلي، فيما لم تستطع ذلك أنظمة (الحزب الواحد) الأخرى.
منذ خريف 1998 بدأ الفقدان السوري للأوراق الإقليمية، مع رمي دمشق لورقة أكراد تركيا من دون الحصول على أي مقابل في ظرف أزمة كادت تنذر بحرب بين البلدين مع أن أوضاع (1984 1997) كانت تتيح مجالاً لمقايضة أوجلان بمياه الفرات مع تركيا على غرار ما جرى بين صدام وشاه إيران في (اتفاقية الجزائر)، فيما لم تستطع دمشق في عام 2003 أن تلعب دوراً بالأزمة العراقية وحربها شبيهاً بما لعبته بالأزمة الكويتية وحربها بل خرجت خاسرة من اللعبة لتصبح محاصرة من الشرق بجنود القطب الواحد للعالم الذي أصبح (حاضراً إقليميا)، وهو ما أدّى إلى تغير كامل اللوحة الشرق أوسطية وخاصة مع اتجاه واشنطن، بعد حضورها المباشر إلى المنطقة، لإعادة النظر بالأدوار الإقليمية لدول المنطقة، الشيء الذي استطاعت طهران حرفه (منعاً من أن تكون البند الأول في جدول الأعمال الأميركي) عبر سياساتها العراقية الإرضائية للأميركيين، فيما وقعت دمشق في المطبّ عبر التمديد للرئيس اللبناني مع أن مؤشرات كثيرة، برزت في صيف 2004 كانت توحي بازدياد الغليان الأميركي إزاء سوريا بسبب سياساتها العراقية والفلسطينية، والتي انبنت أي هذه السياسات على تجاهلٍ لما قدّمه باول في زيارته لدمشق بعد أسابيع من سقوط بغداد، في محاولته لإثبات أن (الإقليمي) مازال قادراً على كسر إرادة (الدولي) في المنطقة، كما جرى في عامي 1982 و1983 في لبنان، الشيء الذي ثبت الفشل الذريع له في فترة ما بعد 14شباط 2005 عندما حصل العكس لما جرى في لبنان الثمانينات، لمّا أجبرت واشنطن دمشق على الخروج من لبنان.
كما كان الدخول إلى بيروت مدخلاً، قبل ثلاثة عقود، لدور سوري شمل بلاد الشام والرافدين والأناضول والخليج، فإن الخروج من لبنان يعني عدم القدرة على اللعب بالأوراق السورية الباقية، في العراق وفلسطين، وأيضاً في لبنان (مثل حزب الله
التناقضات اللبنانية): هذا يعني أن سوريا قد انكفأت إلى حدود دورها بالخمسينيات، وربما أعطت أحداث القامشلي (والتي لا يمكن فهم ما حصل أثنائها بدون الأخذ بالاعتبار واقع إربيل والسليمانية في فترة ما بعد سقوط بغداد مؤشرات عن مدى تأثير (الإقليمي) مدعوماً بالدولي على الواقع المحلي السوري في فترة (ما بعد بغداد)، الشيء الذي يزداد بالتأكيد في مرحلة (ما بعد بيروت) هذا إذا لم يُشر إلى ما يعنيه فقدان الورقة اللبنانية من إضعاف للمفاوض السوري حول الجولان، فيما كانت تأتي قوة المفاوض السوري في مفاوضات 1991 2000 من الذي كان يجري في جنوب لبنان ومما هو قائم سورياً على صعيد بيروت في مرحلة (ما بعد العام 1990).
كانت مقولة <<توازن الضعف>> بين السلطة والمعارضة، التي طرحها الأستاذ رياض الترك في محاضرته في منتدى الأتاسي عام 2001، لا تنطبق على الوضع السياسي السوري آنذاك، فيما تنطبق عليه في عام 2005: هذا لا يعني تساوي الطرفين في الضعف، وإنما يعني الضعف الخاص بالسلطة فقدان الدعم الدولي (وربما العربي) وأيضاً العجز عن الاستمرار في نفس أسلوب الحكم الذي بدأ في يوم 8 آذار من عام 1963، والذي كان يعتمد على جناحين هما (قانون الطوارئ) و(قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع).
ربما كان الإصلاح، لو بدأ في عام 2000، كافياً للإقلاع فيه الانطلاق من بند <<ردّ المظالم>> (تبييض السجون عودة المنفيين إلغاء التجريد المدني عن المحكومين السياسيين حل ملف المفقودين ... إلخ) للوصول إلى بند (الحريات العامة) وما يليه، فيما يقول وضع عام 2005، بما عليه البلد من ضعف إثر فقدان الأوراق الإقليمية بعد أن كانت تلك الأوراق غطاءً على مجتمع محروم من حرياته السياسية واقتصاد مأزوم وإدارة ينخرها الفساد وتعليم متخلّف، بأنه من غير الممكن البدء بالإصلاح من غير البابين المتتاليين، أي إلغاء (قانون الطوارئ) وجعل حزب البعث حزباً متنافساً على قدم المساواة مع غيره من الأحزاب.
من دون ذلك، لن يكون هناك تحصين للبلد بوجه الأميركي، الذي يريد ليس فقط صياغة (الإقليمي) في المنطقة وإنما (المحلي) في كل بلد من بلدانها أيضاً، منعاً من أن تكون دمشق ثالث الإثنين، بعد بغداد وبيروت، فيما هناك خشية حقيقية عند الكثيرين على المعارضة السورية، التي ربطت الوطني بالديموقراطي منذ أن طرحت برنامجها الديموقراطي في عام 1980، من أن يسيطر عليها المتأمركون الجدد، من المتخلّين عن يساريتهم أو المنضمين للمعارضة في ربع الساعة الأخيرة وهم الذين لم يقولوا كلمة واحدة معارضة أو يقوموا بفعل معارض واحد في مرحلة ما قبل 10 حزيران 2000 فيما كان غيرهم في الزنازين والسجون والعمل السري المعارض حيث إن اليأس من الإصلاح هو الذي يقوّي (حزب أميركا) المحلي، فيما الشروع في الإصلاح يسحب البساط من تحت أقدامهم، ويجعل من المشروع أن يتعامل معهم (الأمن الجنائي) وفقاً للقانون بدلاً من <<الأمن السياسي>>.
(
) كاتب سوري