التناوب... و"المُلْك حارسه....

.د. محمد عابد الجابري....الاتحاد

كان الكلام يدور في المقال السابق حول سؤال "إلى أين؟"، وكان الهدف هو التدقيق في معنى "الديمقراطية" عندما نضعها كمطلب يلخص حاجاتنا في الظرف الراهن. وقد انتهينا إلى أن هذا المطلب لا يلغي المطلب السابق الذي كان يعبر عنه شعار "الاشتراكية" عندما يعني العدالة الاجتماعية خالصة من الطموحات الإيديولوجية، بل يحتويه احتواء الشكل للمضمون. وقلنا إن هذا الترابط بين الديمقراطية كأسلوب للحكم وبين العدالة الاجتماعية كمضمون للنظام الاجتماعي الاقتصادي هو ما يشكل مسار العصر الحديث رغم جميع التوجهات والطوارئ المخالفة.
مسار واحد وهدف واحد، ولكن الطرق والمراحل تختلف، لأن شعوب الأرض ليست على درجة واحدة من التطور. هناك شعوب حققت الديمقراطية السياسية وقطعت أشواطا في تحقيق العدالة الاجتماعية، وهناك بالمقابل بلدان لم تحقق الديمقراطية بعد، وهي أبعد ما تكون عن العدالة الاجتماعية، وهذه هي التي تعيش اليوم، بصورة أو بأخرى، الحاجة إلى "الانتقال إلى الديمقراطية" كشكل للنظام السياسي و"العدالة الاجتماعية" كمضمون للنظام الاجتماعي.
وإنما قلنا "بصورة أو بأخرى" لأن هذه البلدان ليست على درجة سواء في هذا الأمر. قد يجمعها اسم واحد كـ"العالم الثالث"، ولكن لا يجمعها في الواقع إلا كونها تعاني، بهذه الدرجة أو تلك، من الحاجة إلى "الانتقال إلى الديمقراطية". وهي "حاجة" إشكالية، أعني أنها تطرح سؤالا إشكاليا.

كانت الإشكالية التي استبدت بأنظار المفكرين والمنظرين في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين في "العالم الثالث" خاصة تصاغ كما يلي: "كيف يمكن تحقيق الاشتراكية في بلد متخلف؟". وقد رأينا كيف أن استعصاء الجواب النظري قد أفسح المجال لجواب عملي حل محله وهو "الثورة" التي تولت القيام بها القوة المنظمة الوحيدة في هذه البلدان، أعني الجيش الذي يبدأ بالإجهاز على ما كان قائما من مظاهر "الديمقراطية" ليختبئ، بصورة أو أخرى، وراء حزبه الوحيد.

واليوم وقد حل مطلب الديمقراطية محل شعار الاشتراكية يبدو وكأن نفس السؤال الإشكالي يفرض نفسه مرة أخرى: "كيف يمكن الانتقال إلى الديمقراطية في بلد متخلف؟" وإنما يكتسي هذا السؤال طابعا إشكاليا بالنظر إلى أن الديمقراطية الحديثة إنما قامت في أوروبا كنتيجة لثورة الطبقة الوسطى، تماما كما كان ينتظر أن تقوم فيها الاشتراكية نتيجة ثورة الطبقة العاملة! فهل هذه الطبقة الوسطى مهيأة في العالم الثالث اليوم للقيام بهذه المهمة: مهمة الانتقال إلى الديمقراطية؟ هل تستطيع تنحية دولة العسكر وحزبها في البلدان التي تحرك فيها العسكر باسم "الثورة"؟ وهل تستطيع تغيير الدولة القائمة على أسس غير ديمقراطية في البلدان التي لم تعرف مثل هذا التحرك؟

تنقلنا هذه الأسئلة مباشرة إلى سؤالنا الرئيسي الأول: "من أين"؟ من أي وضع غير ديمقراطي يكون الانتقال إلى الديمقراطية في العالم العربي؟

إن "الوضع غير الديمقراطي" في العالم العربي وضع متعدد. هناك أقطار عاشت في الستينيات إشكالية "الانتقال إلى الاشتراكية"، كمصر وسوريا والعراق والجزائر مثلا، وبالتالي فالجواب فيها عن سؤال "من أين؟" يطرح تصفية الوضع القائم اليوم والمنحدر من "ثورة" العسكر الذي نصب نفسه فيها كـ "طبقة عليا دائمة".

تلك هي الخطوة الأولى.

وإلى جانب الأقطار التي ذكرنا كانت هناك أقطار تعيش وضعا مختلفا: في شبه الجزيرة العربية دول في الخليج كانت بصدد الخروج، في الستينيات، من نوع خاص من الاستعمار إلى نوع خاص من الاستقلال. وأخرى كانت، في الفترة نفسها، بصدد الخروج من نوع خاص من القرون الوسطى إلى نوع خاص من "العصر الحديث". وكانت هناك أقطار أخرى تعيش وضعا آخر خاصا بها مثل تونس والمغرب. لقد تبنى هذان البلدان منذ استقلالهما نوعا من النظام الليبرالي مغلف بهيمنة الدولة، أو قل تنشئه الدولة! إضافة إلى أنهما لم يعرفا دولة "ثورة العسكر". وإذا كان المغرب قد بقي محكوما بملك وتوجد فيه أحزاب بعضها تنشئه الدولة وبعضها يعارض الدولة، أعني اختياراتها، فإن تونس ظلت محكومة بحزب وحيد على رأسه "ملك" يحمل اسم "الرئيس".

فعلا، عرف المغرب مع نهاية التسعينيات من القرن الماضي ما عرف بـ"حكومة التناوب": الملك يدعو حزب المعارضة التاريخية ليرأس حكومة ويشارك فيها ببضعة وزراء! لقد بدت لنا تجربة "التناوب" في المغرب، في حينها، أشبه بالوضعية التي قامت في إيران مع حكومة خاتمي: فالعسكر هنا وهناك داخل ثكناته خارج المسرح السياسي، تقريبا. والتعددية الحزبية متوفرة في البلدين إما على صورة أحزاب وإما على شكل تيارات. والشبه قوي بين بنية الدولة هنا وبنيتها هناك، ويتمثل خاصة في وجود رئيس حكومة إصلاحي هنا وهناك يحظى كل منهما بتأييد شعبي ودولي واسع، ولكن مشكلتهما أنهما لا يمارسان السلطة لأن مراكز القرار ليست في يديهما، بل هي في أيدي القوى المحافظة التي تعترض سبيل التغيير والإصلاح بشكل أو بآخر، حفاظا على وضعها كصاحبة السلطة الحقيقية. ويمكن أن نضيف شيئا ما من التشابه بين موقف قمة الدولة هنا وقمة الدولة هناك. فالملك محمد السادس ومن قبله والده المرحوم الحسن الثاني لم يبخلا على اليوسفي وحكومته بضروب من التنويه، والمرشد العام في إيران لا يعارض خاتمي صراحة بل يظهر له التأييد والود.

ومع ذلك فوراء هذا التشابه المثير للانتباه يقوم اختلاف كبير على مستوى "من أين؟" لا يجوز إغفاله. ذلك أن الانتقال إلى الديمقراطية يتم في إيران من "الثورة" التي قادها رجال الدين الشيعة. وللشيعة مفهوم خاص للحكم يختلف عن المفهوم الذي نجده في المغرب قديما وحديثا. أضف إلى ذلك أن القوى المحافظة المقاومة للتغيير معروفة في إيران بأشخاصها وجيوبها ومراكز نفوذها وقد قامت في وجه الإصلاح بصورة علنية وفي واضحة النهار، وفي إطار من الصراع مكشوف.

أما في المغرب فالقوى المقاومة للإصلاح، على عهد "التناوب"، صنفان:

صنف مكشوف يقوم باتهام الحكومة بالعجز عن القيام بالإصلاح، أو على الأقل بكونها تمارسه ببطء! هناك بطء فعلا وهذا حق. ولكن التنديد به من طرف القوى التي صنعت الإرث الذي يجعل الإصلاح اليوم ضرورة ملحة تنديد لا يمكن أن يدخل في دائرة الحق. بل هو "حق" مزيف يراد به أو يمكن أن يراد به باطل. ذلك أن اتهام قوى الإصلاح بالعجز عن الإصلاح معناه التشكيك في صلاح الإصلاح الذي تدعيه، وبالتالي يكون إبقاء ما كان على ما كان هو عين "الإصلاح".

أما الصنف الثاني من القوى المناهضة للإصلاح في المغرب فهو "خفي" لا يتكلم لا في البرلمان ولا على صفحات الجرائد، وبعض العارفين يطلقون عليه "جماعة الضغط"، وبعضهم يسميه بـ"الحزب السري". في ظل هذا الوضع كنا عبرنا عن هَمِّ المستقبل في أوائل زمن "التناوب" في المغرب بالعبارات التالية: لقد كتبنا آنذاك (1999) نقول: "ونحن لا ندري هل ستتطور الأمور إلى وضع شبيه تماما بالوضع الذي في إيران حيث يتم الصراع بالمكشوف أم أن حكمة "التراضي" المغربية ستتغلب في نهاية المطاف على ما يحتمل من ردات إلى الوراء"!

أما الذي حدث فعلا بعد نهاية مدة البرلمان الذي أقيم "التناوب" على أساسه (ظاهريا على الأقل) فلم يكن لا صراعا بالمكشوف، ولا من إنتاج "حكمة التراضي" المغربية. إن ما حدث هو ما عبر عنه الحزب، الذي قاد التناوب بـ"اللجوء إلى منهجية غير ديمقراطية" في تشكيل الحكومة عقب الانتخابات التي أشرفت عليها "حكومة التناوب". والمقصود بذلك تعيين رئيس الحكومة من خارج الأحزاب، الشيء الذي يعني الرجوع القهقرى إلى ما قبل ذلك "التناوب التوافقي" الذي كانت تأمل منه الأحزاب التي تشكل منها أن يتم الارتقاء به، بعد تلك الانتخابات، إلى "التناوب الديمقراطي". أما الشخص الذي عين على رأس "حكومة التناوب" والذي أقيل بـ"منهجية غير ديمقراطية"، فقد استخلص النتيجة المحتومة، وهي الإعلان عن استقالته ليس من حزبه فحسب بل من السياسة أيضا.

هذا حدث في المغرب. أما في إيران فقد حدث أو سيحدث الشيء نفسه، ولكن تحت مفعول مبدأ ذي شقين (مبدأ أردشير مؤسس الدولة الساسانية) الذي يقول: "الدين أساس المُلك، والمُلك حارسه" (حارس الدين حتى لا يستعمل ضد المُلك، والمُلك تم التعبير عنه هنا بـ"ولاية الفقيه")، وبما أن الدين أي دين، هو أصلا دعوة إلى الإصلاح، فإن عبارة "والملك حارسه" تعني: "الملك حارس الإصلاح" حتى لا يتعدى "الحدود" فيمس حق الحراسة التي للمُلك على الدين!