احتلال من باطن نظام إقليمي جديد في "الشرق الأوسط"؟

 

ياسين الحاج صالح*

 

هل هناك نظام إقليمي جديد آخذ بالارتسام في "الشرق الأوسط"؟ ما هي ملامحه الأبرز؟ ما الجديد فيه؟ وكيف يمكن الرد عليه؟ هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها في هذا البحث الاستكشافي. بالطبع الحدث الفاصل في احتمال ولادة هذا النظام هو الغزو الأمريكي المرتقب للعراق (لكن هذا لا يعني أن تبلور النظام مرهون حصرا بوقوع الغزو). وفي سياق الإعداد للحرب الجديدة جاءت الوثيقة التي قدمها كولن باول وزير الخارجية الأمريكي في 12/12/2002 تحت عنوان "مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية" لتتضمن عناصر مشرّعة لهذا النظام. سنتناول في فقرة أولى الاتجاهات الراهنة لتطور النظام الإقليمي الشرق أوسطي في منظور التهديد الأمريكي المستمر بغزو العراق وتغيير نظام الحكم فيه، ثم نناقش وثيقة باول على هذه الخلفية، بينما نخصص فقرة ثالثة لتقديم تصورات أولية لاستراتيجية العمل الوطني والديمقراطي العربي.

 - ملامح الشرق الأوسط الجديد1

  بمنظور راجع قد نرى السنوات الأحدى عشرة المنقضية بين هزيمة العراق عام 1991 والغزو الأمريكي المرتقب له، مرحلةً انتقالية إلى نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط. الفارق الأساسي بين الشرق الأوسط التقليدي والشرق الأوسط "الانتقالي" هو الحضور الأمريكي المباشر والمكثف في منطقة الخليج الذي يكاد يعادل احتلالا عسكريا بالفعل، أي حسب اللغة الأمريكية "وجود الفرسان الأمريكيين على التخوم الأمريكية الجديدة"(1). أما الفرق الأهم الذي نرجح أن يسجله الشرق الأوسط الجديد عن نظيره الانتقالي فهو خفض مراتب السيادة والوزن الاستراتيجي للدول العربية، بما فيها الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة.

الأمريكيون أنفسهم يضعون وجودهم المباشر "على التخوم الأمريكية الجديدة" ضمن سياق استراتيجية أوسع يفترض بالحملة العراقية أن تكون أول اختبار لها. تتضمن هذه الاستراتيجية: "الحفاظ على الغلبة الأمريكية على النطاق العالمي، ومنع بروز قوة كبرى منافسة، وإعادة تشكيل نظام الأمن الدولي بما يتلاءم مع مصالح ومبادئ الولايات المتحدة"؛ وقد تتطلب أن "تحارب الولايات المتحدة وتنتصر بصورة حاسمة في عدة حروب متواقتة"(2). وهذا يشير إلى أن ملامح النظام الإقليمي الجديد ستعكس بصورة ما تخطيطا أمريكيا عالمي الأبعاد من جهة، وبأنها ستكون تعميقا لاتجاهات قائمة حاليا تعود أصولها إلى حرب الخليج الثانية على الأقل من جهة أخرى.

 كانت نتائج حرب الخليج الثانية قد أطلقت ما يعرف بسياسة الاحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران، مع الاعتماد على كل من مصر والسعودية كركائز محلية "تكتيكية" للنفوذ الأمريكي (إسرائيل وتركيا هما الركيزتان الاستراتيجيتان). انتهت سياسة الاحتواء المزدوج مع قدوم إدارة أمريكية محافظة إلى البيت الأبيض، وجاء 11 أيلول فرصة للانتقال إلى استراتيجية جديدة أكثر تناسبا مع التفوق الأمريكي العسكري المطلق عالميا. ولم يتأخر الرئيس الجديد عن ترفيع العراق وإيران إلى رتبة محور الشر، مع استهداف أولهما لتجريب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة: استراتيجية الضربة الاستباقية (3). تقوم عقيدة محور الشر بدور ضروري يتمثل في إعداد للأرضية الأخلاقية والمعنوية والنفسية لضرب العراق (وإذا اقتضى الأمر ضلعيه الآخرين أيضا، إيران وكوريا الشمالية). وبموازاة هذا الإعداد وعبر الضغوط والحملات التي رافقته، وقد بلغت آخر ذراه في قرار مجلس الأمن 1441، تم عمليا خفض رتبة سيادة كل من السعودية ومصر، إضافة إلى سورية. لكن ضجيج المشكلة العراقية أخفى انحدار سيادة البلدان الأخيرة الذي أخذ أشكالا تتراوح بين تقديم تسهيلات أمنية للأمريكيين وفك شبكات التكافل الإسلامية وعدم الاعتراض على الخطط الأمريكية المعلنة حيال العراق أو تقديم دعم للفلسطينيين. وتحت يافطة محاربة الإرهاب جرى تأمين فرصة مناسبة لإسرائيل لسحق التمرد الفلسطيني، وتدمير ما بقي من مؤسسات السلطة والمجتمع الفلسطيني، والتخلص من عدد كبير من قياداته. وثمة من يرى أن الحملة الأمريكية على العراق قد تشكل فرصة لتثمير الاستراتيجية الإسرائيلية التي تقوم على "طحن الفلسطينيين حتى يصيروا هباء ينقلع بسهولة"(4)، وذلك عبر توجيه الهباء الفلسطيني نحو العراق االأمريكي مع تثبيت الأردن دولة عازلة. وبعد أن يقضي على الفلسطينيين سيكون شارون (الذي سينتخب بأكثرية مريحة على الأرجح في نهاية الشهر الأول من عام 2003) على أتم استعداد للتفاوض معهم وفقا لرؤية بوش!

 إذا صحت هذه التقديرات فإن التأثير المحتمل للغزو الأمريكي يتجاوز العراق والخليج ليمتد إلى العالم العربي برمته. وقد يتمثل التطور الأساسي الذي سيشهده النظام الشرق أوسطي في سوق كل الدول العربية نحو "حالة خليجية" جديدة لتصبح معتمدة على الولايات المتحدة في أمنها واستقراراها وقرارها السياسي. كانت الحالة الخليجية التقليدية تقوم على الثروة النفطية والأمن الأمريكي والنظام الاجتماعي الأبوي المحافظ. ومن المتوقع أن مزيجا من الهيمنة الأمريكية المباشرة على النفط والضغط المتزايد لتعديل البرامج التربوية وتفكيك المجتمعات الأهلية الخليجية وانحدار "دولة الرفاه النفطي" سيدخل تعديلا هاما على بنية الحالة الخليجية، وبالتالي على وظائفها التقليدية: عزل الخليج وثروته عن العالم العربي وإلحاقه نفطيا وجيوسياسيا بالغرب والولايات المتحدة.  وعبر إعادة التشكيل هذه، وعبر تجديد وتعميم الحالة الخليجية، سيكون الأمريكيون قد عاودوا توحيد القسم العربي من الشرق الأوسط تحت هيمنتهم الحصرية. فخفض مراتب السيادة المصرية والسورية واليمنية، وبالطبع العراقية، سيقرب هذه الدول من ما قد نسميه الاحتلال من باطن، وبالمقابل قد يقود تجديد الحالة الخليجية، وخصوصا ما قد يتضمنه خرق للعزلة السعودية التي صنعها الأمريكيون أنفسهم (5)، إلى تقريب دول الخليج من النموذج المصري والسوري المتحرر من ذكرياته الاستقلالية. غير أن هذه الدينامية يجب ألا تخفي دينامية أخرى، دينامية الانقسام و"إعادة رسم الخرائط"، بما في ذلك تشكل دول جديدة. وهما على كل حال ديناميتان غير متعارضتين، إن لم نقل إنهما متكاملتان. فتوحيد العالم العربي أو مشرقه قد يمر بالضرورة بتجاوز أنماط انقسامه الموروثة عن العصر الاستعماري ثم عن الحرب الباردة. ومن ناحية أخرى لا مفر أمام العالم العربي الذي عجز عن تحقيق وحدته والرد على التحدي الإسرائيلي سوى الانقسام والانخراط في تشكيلات جديدة. ومن الواضح أن الكلمة العليا في الترتيب الجديد ستكون، ولو إلى حين، لأمريكا وإسرائيل. أما الحكومات في جهتنا من العالم فقد ترتد إلى حكومات للبشر أو للأمن الداخلي فقط، أي وكالات لمكافحة الإرهاب بالمعنى الأمريكي للكلمة، وضمان ألا تبرز حركة مقاومة عربية على أسس قومية أو يسارية أو دينية تعيد النظر بأسس النظام وسقوفه. على أن من الواضح أيضا أن للنظام الجديد تناقضاته وصراعاته الجديدة، وبالتأكيد أيضا فرصه ورهاناته. فأمريكا ليست إلها، والديناميات التي ستنطلق لن تلعب لخدمتها حصرا، وخصوصا بقدر ما يحاول فاعلون آخرون الدخول في الملعب الجديد وفرض حضورهم ودورهم فيه (وسنعود إلى هذه النقطة).

ليس من الضروري من وجهة نظر البراغماتية الأمريكية إسقاط أي من الأنظمة العربية (عدا النظام العراقي والسلطة الفلسطينية؟)، المهم أن الأمريكيين سيحتلون موقعا ممتازا للتحكم في درجة استقلالية وسيادة هذه الأنظمة. وليس من الضروري أيضا أن يبادر الأمريكيون إلى إعادة رسم الخرائط الجغرافية في المنطقة، المهم هو التحكم بالمجال الجيوسياسي والجيواستراتيجي الشرق أوسطي.

الخشية الأساسية من وجهة النظر العربية هي أنه مهما تكن الديناميات التي قد تنطلق فإن مجال فعلها هو المشرق العربي، مما ينذر بتباعد متزايد للمغرب عن المشرق العربي. وقد تعكس اللجلجة الليبية المستمرة وقرار العقيد القذافي الانسحاب من الجامعة العربية شيئا لم يدركه الأخ العقيد، أعني انفصال الهموم الديناميات المشرقية عن نظيرتها المغربية إلى درجة تفكك المؤسسات الشكلية التي تحتضن جناحي العالم العربي. ولا شك أن عجز الجامعة العربية حيال مشكلة لوكربي، ثم النزف الجزائري المزمن وسيطرة النخب الفرانكوفونية في الجزائر والمغرب، وانجذاب موريتانيا إلى دائرة النفوذ الإسرائيلي، وتدهور دور وأداء القلب المصري، كلها عوامل دافعة نحو هذا الانفصال.  

لكن مهما تكن القدرة والعزيمة الأمريكية على إعادة تشكيل الشرق الأوسط فإنه يتدخل في تحديد شكل هذا الأخير القوى الفاعلة في المنطقة، أي الدول العربية وإسرائيل وتركيا وإيران، إضافة إلى حركات المقاومة، القائمة منها والتي قد تولد. وهناك أيضا عامل يصعب تقديره حتى على الأمريكيين يتعلق بسير المعركة من جهة والديناميات السياسية والعسكرية والإنسانية التالية لها من جهة أخرى. فلا شك أن الفرق كبير بين معركة قصيرة يسقط بعدها النظام العراقي: أيام أو أسابيع قليلة، وبين معركة طويلة: أسابيع أو شهور؛ بين معركة بلا خسائر بشرية أمريكية تقريبا أو بخسائر بالألوف أو أكثر؛ بخسائر بشرية عراقية معتدلة أو بخسائر كبيرة جدا؛ بمساهمة إسرائيلية موازية على الجبهة الفلسطينية مع عدد كبير من الضحايا الفلسطينيين أو بهدوء نسبي على تلك الجبهة ... في كل الأحوال ستسهم الوقائع الميدانية للمواجهة العربية الأمريكية المباشرة الثانية إسهاما حاسما في تحديد ملامح المستقبل العربي، ربما لعقود. ومن المؤسف أنه لا يمكن التعويل على أداء عسكري طيب من قيادة صدام حسين رغم أن أداء كهذا هو الوحيد الذي قد ينقذ شيئا من سمعته التي مرغتها بالوحل قيادته العسكرية عام 1991 حين ضحى بعشرات الألوف من جنود جيشه النظامي محتفظا بحرسه البريتوري (الحرس الجمهوري) لحماية كرسيه. لا أحد يضمن ألا يجبن صدام حسين مرة أخرى استنادا إلى سابقة 1991، ولكن أيضا استنادا إلى اعتذاره الذي يجمع بين الجبن والغباوة في بداية الشهر الأخير من عام 2002 من الكويت. الجبن لأن الطاغية العراقي يأمل أن ينجو برأسه بالاعتراف أن السياسات التي كلفت شعبه مئات ألوف الضحايا ومئات مليارات الدولارات وعشرات السنين من مستقبل العراق كانت بكل بساطة خاطئة (دون أن يلهمه الله أن يعتذر لشعبه أولا)، والغباوة لأنه لم يستطع أن يقدم اعتذارا بسيطا ومباشرا دون استدراك لاهوتي زاد من مهانته وغباوته. الغباوة أيضا لأن صدام مازال يعتقد - وقد يكون الوحيد في ذلك - بإمكان تجنب الحرب عبر الاعتذار.

وبالرغم من أن الأمريكيين يضعون في حسبانهم احتمال خوض "حرب لا متوازية" في العراق (6)، فإن من المحتمل، إن لم نقل من الراجح، أن تكون مواقف العراقيين مختلفة عما يفترضه بقية العرب منهم. تعتقد جماعة الأزمات الدولية (منظمة مستقلة متعددة الجنسيات مع نسبة أمريكية غالبة بين أعضائها، مقرها بروكسل) أن العراقيين يمكن أن يدعموا عملية عسكرية أمريكية في العراق إذا كانت هذه العملية "سريعة ونظيفة"، وإذا "تليت بجهد دولي نشط لإعادة البناء". ويرى التقرير الذي أصدرته الجماعة في 4 كانون الثاني 2002  أن السؤال الذي يطرحه العراقيون "ليس متى تبدأ حرب جديدة، بل متى ستنتهي حالة الحرب"(7) . يجب النظر إلى هذا الكلام بعين الحذر والارتياب طبعا، والأرجح أن التقرير يفضل أن يرى مواقف العراقيين السلبية من نظام حكمهم دعما للقوة الأمريكية. لكن يبقى صحيحا أن هذه "الأخبار" لا تتعارض مع "طبائع الاستبداد" التي تمتحن صدق الاخبار من كذبها - إذا استعرنا من ابن خلدون طريقته ومن الكواكبي عنوان كتابه. قد يقول قارئ إن موقف العراقيين هذا، إن صح، لا يفسر بطبائع نظامهم المستبدة بل أيضا وربما أكثر بطبائع السيطرة الأمريكية وهي ليست أقل استبدادا: مقاطعة اقتصادية لمدة 11 عاما وحرب مستمرة وإن تكن منخفضة التوتر...نعم، لكن هذا لا يغير من قوة احتمال السلبية الشعبية، ولا جدال في أن إسهام نظام صدام حسين فيها إسهام كبير.

ماذا عن الفاعلين الإقليميين الآخرين، وخصوصا العرب؟

لنلق نظرة على الوقائع التالية: موافقة سورية في الشهر 11/2002 على قرار مجلس الأمن 1441 الذي يُقيل السيادة العراقية إقالة تامة، إعلان ليبيا عزمها الانسحاب من جامعة الدول العربية التي تمثل الإطار المؤسسي للنظام العربي، شعار "الأردن أولا" الذي رفعه الملك الأردني في الشهر العاشر من عام 2002، ترحيب قطر بأن تكون مقرا للقيادة المركزية الأمريكية في الخليج لسان حال هذه المؤشرات يمكن تلخيصه بعبارة "اللهم نفسي". ومغزاها الموحد هو إمعان النظام العربي في التحلل. وليس ثمة أي لغز أو لعنة في مسار التحلل هذا: فالخيار المطروح على العالم العربي هو إما أن يحل مشكلاته أو أن يتحلل. وقد كان هذا الخيار مطروحا منذ هزيمة حزيران على الأقل، أي منذ إخفاق المشروع الناصري لمراجعة النظام الشرق أوسطي التقليدي (نظام سايكس بيكو-بلفور- بترول)، لكن أتيح   للدول العربية الرئيسية مخرجان جانبيان أغنياها عن البحث عن حلول وأجّلا التحلل: البترودولار النفطي والدكتاتورية. يتوحد هذان المخرجان في أنهما يلغيان ضغط الوقت: الأول يشتريه والثاني يجمده. الآن لم يعد هذا ولا ذاك يقومان بما يُنتظَر منهما. فالأنظمة الدكتاتورية لم تعد قادرة على الاستمرار في مصادرة حقوق شعوبها السياسية وتجويعها معا، ولا هي قادرة بالمقابل على إعلان فشلها والبدء بإصلاح أحوالها. أما المال النفطي فقد شح وسيشح أكثر حين يمتلك الأمريكيون زمام إنتاج النفط وأسعاره. ولا يبقى في الحالين إلا الاندراج في مخططات القوى العظمى المهيمنة على المنطقة والتبرع بخدمة متطلباتها.

 الواقع ان النظام العربي اتجه منذ هزيمة الحركة الوحدوية والاستقلالية الناصرية عام 1967 إلى التكيف مع النظام الشرق أوسطي وتحول بالتدريج إلى نظام فرعي فيه وتقنيع إيديولوجي له في الوقت نفسه. فخلال أيام الفورة النفطية كان النظام العربي نظام إعادة توزيع (جزئية عبر المنح والقروض، لكنها مؤثرة) للبترودولار ومجال تنقل لليد العاملة ... مما خفف من حدة الفوارق بين أغنياء النظام وفقرائه وضمن درجة من استقراره. لكن هذا النظام وراء غلالته التكافلية اندرج  ضمن ثوابت النظام الشرق أوسطي من مركزية إسرائيلية، وتعامل مع النفط كسلعة عادية وضمان تزويد السوق العالمية بحاجاتها منها بأسعار رخيصة، وعدم المساس بالتوزيع القائم للدول والأراضي والسكان(8).   

رغم تقلب التصريحات الإيرانية حول الخطط والتحركات الأمريكية إلا أن الثابت في سياسة إيران هو رغبتها في النأي بنفسها عن مواجهة ترجح أنها خاسرة، وليس ثمة ما يدفعها لإقحام نفسها فيها في ظل موازين القوى الإقليمية والدولية الحالية. أما تركيا فلا تزال ترفض وقوع الحرب لأن لديها ما تخشى منه أو لا تطمئن إليه، وخصوصا الخوف من دولة كردية مستقلة في شمال العراق. لكنها ستبحث عن تعظيم مكاسبها ورفع ثمن مشاركتها حين تجد أن الحرب باتت محتومة. ولا شك أن زيارة رئيس وزرائها في الأسبوع الأول من العام الحالي لبعض العواصم العربية تهدف إلى قياس درجة حرارة مواقفها المعارضة للحرب الأمريكية وتحاول "شد الظهر" التركي بها. الخشية أن يعود الرجل واهن العزم إلى بلاده.

من المحتمل جدا أن يصبح العراق مركز التحكم الأمريكي بالمنطقة العربية بدلا من السعودية. فالنظام العراقي سيكون علمانيا خلافا للنظام السعودي البطيء الإصلاح، وسيدين حكام العراق الجدد من ماركة أحمد شلبي (9) بالمعروف للأمريكيين وسيتحمسون لعرض خدماتهم عليهم؛ ثم أن المجتمع العراقي أكثر تنوعا وأسهل إنعاشا رغم كل شيئ من المجتمع السعودي. إلى ذلك يتمتع العراق بميزة كبيرة على حلفاء الولايات المتحدة غير النفطيين في المنطقة: يمكن أن يصرف على العراق "من كيسه" خلافا لحال مصر وتركيا وإسرائيل والأردن.

الأرجح أن السعودية التي ظلت دائما قزما سياسيا لأنها اعتمدت في أمنها على الأمريكيين وتقسيم العرب ورشوة شعبها وكبته، ولم تبن جيشا قويا، ستعاني من انحدار شديد في مرتبتها الاستراتيجية. وبالتضافر مع تدهور أوضاعها المالية قد تتحرض فيها نزعات انقسامية خصوصا في المنطقة الشرقية (الإحساء) التي يجتمع فيها الفقر والشيعة والبترول(10).

من حق مصر أن تحس بالقلق وإن كان ممزوجا بقلة الحيلة. إن أهميتها كطليعة للعالم العربي في "السلام" مع إسرائيل ستتضاءل مع طي صفحة السلام ذاتها. وقد تعاني من موجة جديدة، الثالثة أو الرابعة، من فصلها عن المشرق العربي الذي كان تاريخيا ضمانة أمنها ومصدر تهديده في الوقت نفسه(11). وإذا وضع الأمريكيون أيديهم على أعمدة المشرق العربي فإن الدول الأخرى مثل سورية ولبنان واليمن لن تتماسك. لا ننسى أن تقرير موارافيك الشهير الذي أثار جدلا واسعا في الصيف الماضي قد جعل من الفوز بالعراق المحور التكتيكي للتخطيط الأمريكي ومن السعودية المحور الاستراتيجي أما مصر فهي الجائزة الكبرى(12). والأرجح أن هذا الكلام عن مصر يجمع بين إحالات توراتية وبين عبر التجربة التاريخية الحديثة من محمد علي إلى جمال عبد الناصر.

من منظور تاريخي يمكن أن نرى في الطور الجديد من الأزمة العربية حصيلة للتوجهات والاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية التي اتبعتها أطقم الحكم العربية. لقد أنتجت هذه السياسات فراغا استراتيجيا من الطبيعي أن تحاول القوى الناشطة على المسرح العالمي ملأه، وخلقت فراغا حضاريا هو الذي استدعى خططا من نوع وثيقة كولن باول لدعم الديمقراطية، وحفرت فجوة نفسية عميقة في وجدان العرب المعاصرين لا تمتلئ إلا بالتعصب أو الاستسلام. ومن غير المستبعد أن يأخذ الاستسلام شكل تعصب مضاد وأن نشهد موسما مزدهرا له في المستقبل القريب، أعنى التعصب العدمي ضد الذات الذي يبلغ درجة العنصرية والتدله في حب الأمريكيين وإعادة الاعتبار الكاملة للاستعمار بحجج متنوعة. قد يكون ثمة فرصة أكبر لنشوء "أحزاب أمريكية"، وقد يأتي ذلك في سياق اتساع فرص اختراق المجتمع المدني في العديد من الدول العربية. إن بركات التمويل الأجنبي الذي يعد باول بزيادته، والذي قام بدور مفسد لا يستهان به في فلسطين ومصر، قد تتعمم لتنتظم سحائبها البلاد العربية جميعا. وليس من المستغرب في ظل الأزمة العامة، الاجتماعية والسياسية والفكرية والأخلاقية، التي تعصف بالمجتمعات العربية أن تصطاد الصنارة الأمريكية عددا غير قليل من الزبائن.

إذا كان يصعب الجزم بوقوع هذه التطورات أو أية رزمة منها بالطريقة والحصيلة التي وصفناها، فإن أحداً في طول العالم العربي وعرضه لا يتوقع شيئا إيجابيا من الخطط الحربية والديمقراطية الأمريكية، كما أن أحدا لا يتوقع أن يتمرد أي من الفاعلين الإقليميين الرسميين على الخطط الأمريكية أو يعترض عليها علنا.

تبقى ملاحظتان أخيرتان قبل نهاية هذه الفقرة. الأولى أن قسما كبيرا من التحولات الموصوفة تعود بأصولها إلى نتائج حرب الخليج الثانية ونشوء النظام الدولي أحادي القطب، لكن 11 أيلول منحها دفعة قوية وتوجها قصديا. الثانية، ليس من الضروري وقوع حرب للحصول على النتائج المذكورة، فالضغط المكثف والتهديد بالقوة وإطلاق يد إسرائيل فلسطينيا بالتضافر مع استسلام الأنظمة العربية ستحقق النتائج نفسها أو ما يقرب منها.

 

 عصر تنظيمات" أمريكي؟ -2

يحدد كولن باول المهام الثلاثة التالية أمام السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط: "الفوز في الحرب ضد الإرهاب، نزع سلاح العراق، ووضع حد للصراع العربي الإسرائيلي" (13). ليس هذا الترتيب اعتباطيا بالطبع؛ إنه يعكس بالفعل أولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وواضح أن الصراع العربي الإسرائيلي الذي لطالما اعتبر جوهر أزمة الشرق الأوسط قد انحدر موقعه إلى مرتبة متأخرة في سجل الهموم الأمريكية. وهذا الانحدار هو الوجه الآخر لانحدار وزن العرب في النظام الإقليمي والنظام الدولي. فقضايا الضعفاء قضايا ضعيفة حتما، خصوصا إن كانوا ممن لا يساعدون أنفسهم بمطابقة سياساتهم مع مبادئ العدالة التي يهتفون باسمها.

ما هو الإرهاب؟ ما هي أسبابه؟ ما هي أفضل السبل للتصدي له؟ وما هي الأطراف المفوضة من حيث الحق ومن حيث القدرة بمكافحته؟ من هي الجهة التي تمنح التفويض؟ كل هذه أسئلة لا تطرح ولا يمكن التفكير فيها من وجهة نظر النخبة اليمينية الأمريكية الحاكمة. فبما أن واشنطن تملك حلا عسكريا فلا بد من تعريف مشكلات العالم والشرق الأوسط تعريفا مناسبا لهذا الحل. الإرهاب هو التعريف الصحيح لهذه المشكلات لأنه يستدعي الحل الصحيح الوحيد. اليوم أكثر من أي وقت مضى تصوغ القوة العسكرية غير المسبوقة الاستراتيجيات الأمريكية ومنظور الولايات المتحدة إلى العالم. 

أسهم أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة ممن ابتليوا قبل غيرهم بالإرهاب، يقول باول، في المعركة ضد هذا البلاء عبر السماح للأمريكيين باستخدام واسع للقواعد العسكرية في أراضيهم أثناء عملية "الحرية الدائمة" في أفغانستان، وكذلك عبر تبادل المعلومات ووقف المشتبه بهم والانقضاض على تمويل الإرهابيين. وهو يأمل بتعميم هذا النمط من التعاون في مواجهة "الخطر المتنامي لنظام صدام حسين". والخيار الذي يطرحه على العراق هو "أن يَنزع سلاحه أو أن يُنزع سلاحه". وللعراق كامل الحرية في اختيار هذا أو ذاك، لكن "لم يعد تأجيل الخيار ممكنا بعد".

 أما فيما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فيؤكد باول أن الولايات المتحدة "تعمل من أجل تحقيق سلام دائم مبني على رؤية الرئيس بوش لدولتين تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمن". ليس من العدل أن نتوقع تحقيق هذه "الرؤية" بلا ثمن: الثمن المطلوب من الفلسطينيين يقتصر على "قيادة جديدة ومختلفة، مؤسسات جديدة، وإنهاء الإرهاب والعنف"، فيما سيضطر الإسرائيليون إلى القيام بـ"خيارات صعبة" تتضمن "وقف أعمال البناء في المستوطنات، بما ينسجم مع تقرير ميتشل".

بعد هذه التنازلات المتبادلة العادلة، يؤكد باول أن التحديات الثلاثة المذكورة التي تتصدر سياسة أمريكا الشرق أوسطية تؤثر بعمق على "مصالحنا القومية وعلى مصالح الشعوب التي تسمي الشرق الأوسط وطنها".

 قد يكون مناسبا أن نشير إلى ما تنطوي عليه هذه العبارة الأخيرة البسيطة من عمق اللافهم الأمريكي للمنطقة العربية وتاريخها وحساسياتها. فإذا كان للعلاقات العربية الأمريكية أن تنصلح يوما فقد يتوجب على الطرف الأمريكي في البداية أن يفهم هذه الواقعة التي قد تبدو له مثيرة للدهشة: ليس "الشرق الأوسط" وطنا لأحد، ولا أحد يعتبر "الشرق الأوسط" وطنه. الشرق الأوسط مخلوق أوربي، بريطاني أساسا، أخذ ملامحه الحالية في نهاية الحرب العالمية الأولى ثم استبطنت الدول التي صنعها الانكليز والفرنسيون تاريخ نشأتها الأولى على يد هذه القوى الاستعمارية، قبل أن تهديها غرائزها إلى سيد جديد هو الولايات المتحدة. ولم يتقادم الزمان على هذه الواقعة لأن تاريخ الشرق الأوسط الحديث هو تاريخ إقصاء شعوبه من صنع هذا التاريخ، أي هو تاريخ غربتها وتشردها. فإذا كان الشرق الأوسط وطنا لأحد فهو وطن البترول وتجار السلاح والدين والجنس، ورجال المخابرات المحلية والدولية. فالشرق الأوسط منطقة تحكمها عملياً طبقة دولية جاءت من مختلف بلاد الأرض، وليست إسرائيل إلا الحالة القصوى في أجنبية الشرق الأوسط. ولا يغير من هذه الواقعة شيئا وجود واجهات محلية.

 لكي يؤسس لمبادرته الخاصة بدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط يستشهد السيد باول يتقرير التنمية الإنسانية العربي لعام 2002، على مبدأ شهد شاهد من أهله. يقول أن التقرير طرح خيارا جوهريا: إما "العطالة" أو "نهضة عربية ستبني مستقبلا مزدهرا لكل العرب". عبر التقرير العربي ينتقل باول خلسة من الحديث عن الشرق الأوسط إلى الحديث عن العالم العربي. وينقل عن التقرير أن 14 مليون عربي بالغ عاطلون عن العمل ويحتاجون إلى "طعام على طاولاتهم، وسقوف فوق رؤوسهم، وأمل في  قلوبهم". وهناك أيضا خمسون مليون شاب عربي سيدخلون سوق عمل مكتظة أصلا خلال السنوات الثمانية القادمة.

قد لا يعلم السيد باول أن المأخذ الأساسي لعدد غير قليل من النقاد العرب على تقرير التنمية العربي هو إغفاله أو تقليله من شأن دور الصراع العربي الإسرائيلي في إخفاقات التنمية في البلاد العربية. قد يقول باول أو غيره (14) إن استنفار الصراع العربي الإسرائيلي لتفسير إخفاقات النظم العربية هو عمل من أعمال التبرير، لكن بالتأكيد لا يدري باول أن الحركات الديمقراطية في العالم العربي تستخدم منطقاً مشابهاً في نقدها للسلطات الدكتاتورية الحاكمة في بلدانها. هذه الحركات مقتنعة أن الصراع العربي الإسرائيلي الذي تأخذ الولايات المتحدة فيه موقفا مفرط التحيز إلى جانب إسرائيل إلى درجة التماهي يخلق السياق المناسب لانتعاش الدكتاتوريات ويزودها بتسويغ فعال للتحكم بشعوبها ومواردها. لذلك فإن القوى الديمقراطية العربية تدرك أنها لا يمكن أن تفوز بإهمال الواقعة الإسرائيلية، ونجدها في الغالب تستمد التسويغ الأقوى للمطلب الديمقراطي من تأمينه المفترض لشروط أكثر ملاءمة للرد على التحدي الإسرائيلي ومن وراءه. لا يمكن لأي مطلب تغييري في البلاد العربية، المشرقية على الأقل، أن يفوز بقبول الجماهير إن لم يقدم إجابة مقنعة على المسألة الإسرائيلية. لقد أضعف هذا الشرط كثيرا فرص الديمقراطية العربية عبر خلق سياق أنسب لظهور الدكتاتوريات كما أشرنا، لكن إهماله أو التغافل عنه سيدمر فرصها تماماً. 

من خارج تقرير التنمية العربي يورد باول معلومة تفيد أن الناتج القومي الإجمالي للعرب والإيرانيين معا يعادل 2/3 من الناتج الإجمالي لإيطاليا بينما كان التقرير قد ذكر ان الناتج الإجمالي لـ 260 مليون عربي يقل عن نظيره لـ 40 مليون أسباني. من المعلومات المهمة الأخرى أن بلدان الشرق الأوسط بالكاد تنتج 1% من الصادرات العالمية غير النفطية. يريد باول أن يستخلص من هذه المعلومات وغيرها مما لم نورد هنا أن "نقص الفرص الاقتصادية هو بمثابة تذكرة توصل إلى اليأس" فإذا التقى هذا اليأس مع "نظم سياسية متصلبة يتكون مزيج خطر حقا".

تقوم "مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية "على ثلاث أعمدة تستجيب للفجوات الثلاثة التي يعاني منها العالم العربي: فجوة العمل وفجوة الحرية وفجوة المعرفة. وبما أن "الأمل يبدأ بتأمين أجور" وهو ما يستلزم اقتصادا ناشطا، فإن الولايات المتحدة "ستعمل مع الحكومات لتأسيس قواعد وضوابط اقتصادية تجتذب الاستثمار وتسمح للقطاع الخاص بالازدهار". "سنساعد المشاريع الصغيرة والمتوسطة على الوصول إلى الراسمال الحيوي لعملها". وكخطوة أولى يبشر باول بأن إدارته "ستؤسس صناديق تمويل خاصة بالشرق الأوسط على منوال صندوق تمويل الاستثمار البولندي الأمريكي الناجح من أجل الاستثمار في المشاريع الناجحة". كما يعد بان الولايات المتحدة ستساعد عددا أكبر من البلدان في المشاركة في وفرة الاقتصاد العولمي. وهذا يعني تقديم مساعدات تقنية للبلدان الطامحة إلى عضوية منظمة التجارة العالمية مثل السعودية ولبنان واليمن لكي تلبي شروط العضوية".

لكن "الاقتصاد المفتوح يتطلب نظاما سياسيا مفتوحا". ومن هنا فإن العمود الثاني الذي يفترض أن يسهم في تجسير فجوة الحرية من مبادرة الشراكة التي يقترحها باول هو "دعم المواطنين الذين يطالبون بسماع أصواتهم في القضايا السياسية في المنطقة". يحدثنا باول في هذا السياق عن لقائه مع وفد من 55 امرأة عربية تابعن الانتخابات النيابية النصفية الأمريكية. وبعد تأكيد نظري بأن زيادة المشاركة السياسية تقتضي تقوية المؤسسات المدنية التي تحمي حقوق الأفراد وتضمن لهم فرص المشاركة، الثمرة العملية هي: "عبر مبادرة الشراكة الخاصة بنا سندعم هذه الجهود(....) وسنركز على الإصلاح التربوي".

وبذلك نصل إلى العمود الثالث الذي يرد على فجوة المعرفة: "سنقدم منحا لإبقاء الفتيات في المدارس وتوسيع معرفة القراءة والكتابة في أوساط الفتيات والنساء. وفي إطار أعرض سنعمل مع الآباء والمربين لتقوية الإشراف المحلي ومن قبل أهالي التلاميذ على النظام المدرسي".

يختم باول مبادرته: "إننا عبر المبادرة الأمريكية الشرق أوسطية، نضيف الأمل إلى الأجندة الأمريكية الشرق أوسطية. إننا نقدم قدرتنا وإمكانياتنا ومثاليتنا لجلب الأمل إلى أبناء الله الذين يسمون الشرق الأوسط وطنهم". التعبير الأول عن مزيج القدرات والإمكانيات والمثالية الأمريكية هو تخصيص 29 مليون دولار لإطلاق المبادرة، مع وعد بسعي أمريكي نحو مزيد من التمويل بهدف الوصول إلى "أكثر من 1 مليار دولار كمساعدة اقتصادية للعالم العربي كل عام".

ثلاثة أولويات، ثلاثة فجوات، ثلاثة أعمدة لردمها. تحدد وثيقة باول أولويات الأمريكيين قبل أن تشخص مرضنا وتصف له العلاج. المرض حقيقي والفجوات حقيقية جدا حتى لو لم تكن علاج باول الثلاثي من اقتصاد مفتوح ونظام سياسي مفتوح وفتح النظام التعليمي غير استراتيجية للتدخل والضغط. لكن قد نتساءل: ألا يحتمل أن ثالوث أولويات باول يتعارض تعارضا تاما مع منطوق علاجه الثلاثي، وأن فاعلية العلاج تقتضي تغيير الأولويات تماما؟ يبدو لنا أن العلاقة بين ثالوث الأولويات وثالوث العلاج الأمريكي مثل علاقة التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر بسياسة القوى الأوربية التي ضغطت من أجل الإصلاحات. فقد كانت تلك السياسات تفعل كل ما في وسعها لإضعاف السلطنة وقضم أطرافها وبالتالي إضعاف قدرتها على إدخال أية تجديدات مهما تكن ضرورية. وكما لم تكن المشكلة أساسا في مضمون التنظيمات بقدر ما هي في توظيفها لتقويض السلطة العثمانية واستخدامها عقيدة مشرعة للتدخل الأوربي. كذلك لا تتركز المشكلة اليوم بالضرورة في العلاج الأمريكي المقترح بل في كونه أداة اختراق وإضعاف للمجتمعات العربية لتسهيل تنفيذ الأولويات الأمريكية المشار إليها فوق. ومن هذه الزاوية لن يعدو الطور الجديد من الهيمنة الأمريكية أن يكون استمراراً للسياسات الأوربية والأمريكية القديمة المعادية للديمقراطية والاستقلال في العالم العربي و"الشرق الأوسط"، ومخرجاً من أزمة الدكتاتوريات المحلية الفاسدة والمفلسة.  

لا يمكن عزل مبادرة كولن باول عن خطط الغزو الأمريكي للعراق بطبيعة الحال. ولا تقتصر وظيفتها الرئيسية على تقديم إيديولوجيا مشرعة للغزو الوشيك للعراق، إنها تتجاوزها نحو إعادة تشكيل خرائط السياسة والثقافة والتربية في العالم العربي (والإسلامي) كخيار بديل محتمل عن/ أو مضاف إلى تغيير الخرائط الجغرافية. لكن البراغماتية الأمريكية لن تلزم نفسها بأي خيار متكامل إلا بقدر ما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، وهو ما قد ينقص من بهجة أصوات ليست كثيرة لكنها ليست خافتة أيضا تراهن على الديمقراطية والحداثة على أيدي الأمريكيين(15).

لا حاجة إلى القول أخيرا أن مبادرة باول تمتح من المنبع الإيديولوجي ذاته الذي أبدع "عبء الرجل الأبيض" كإيديولوجية مشرعة للاستعمار البريطاني أو "الرسالة التحضيرية" التي سوغت الاستعمار الفرنسي. وهي أيضا استمرار للمتاع الإيديولوجي للحرب الباردة دون تعديل يذكر.

 

3- خطة الحركات الديمقراطية العربية: تصورات أولية للنقاش

بقدر ما تعكس المسألة العراقية إفلاس النظام السياسي والثقافي العربي وحالة العجز والفراغ التي أنتجتها وحرستها النظم العربية الراهنة بما فيها النظام العراقي، فإن أي تفكير بخطة للحركة الديمقراطية لا بد أن يستهدف الرد على حالة الإفلاس هذه وملء الفراغ النفسي والفكري الذي خلفته النظم الدكتاتورية والتابعة، تمهيدا لملء الفراغ الاستراتيجي والحضاري في مرحلة تالية. لا يمكن في رأينا الرد على مبادرة باول أو على إعادة التنظيم الأمريكية للمنطقة العربية إلا بإعادة بناء حركات الاعتراض والمقاومة العربية على الصعد الفكرية والسياسية والمعنوية والتنظيمية. فالعالم العربي يدخل طورا استعماريا جديدا وهو يفتقر افتقارا مؤلما إلى قوى حية ذات صدقية سياسية وأخلاقية. ومنذ الآن يعني هذا أن قوى الاعتراض الجديدة مضطرة إلى إنضاج رؤاها والتمرس بالمقاومة في سياق المواجهة القاسية المفروضة عليها من قبل صيغ السيطرة الدولية الجديدة ومن قبل النظم الدكتاتورية الحاكمة.

قد تكون المعضلة الأساسية التي تشكو منها القوى التي كانت تنتسب لمشاريع التحرر في البلدان المهمشة، ومنها البلاد العربية، هي أنها في وضع دفاعي شبه ميؤوس منه أخلاقيا ومعنويا. ونحن نميل هنا إلى أن هذه القوى فقدت جاذبيتها لا لأنها تقدمية ولكن لأنها لم تعد تقدمية، ولم تعد شعوبها مقتنعة بأنها تقدمية. وهذا خلافا لما تظنه هذه القوى بالذات.

 امتزج في مفهوم التقدمية عنصر اعتراض على الظلم وسمو أخلاقي، وعنصر استجابة لمصالح ومطامح أكثرية الشعب وخصوصا المحرومين، وعنصر توافق مع اتجاه التاريخ، أو بالأحرى إرادة التدخل في التاريخ بحيث يكون مجلى للعدالة والديمقراطية(16). ولعل إحياء التقدمية بعد إخفاقات القرن العشرين الفاجعة يقتضي استيعاب عنصر ليبرالي يضمن استقلال السلطات وحقوق الأفراد في مواجهة الكتل الكبيرة، سواء كانت الجماعات العضوية أو الأحزاب السياسية أو بالطبع الدول. فمن هذه الثغرة تم تجويف العناصر الثلاث الأخرى والانتهاء من المكاسب التقدمية لشعوب كثيرة منها العرب. ولم يقد إخفاق يسار القرن العشرين أو تقدميته إلى انتصار حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية، بل إلى هجوم على الحقوق العامة لمليارات الناس في معظم بلدان العالم بما فيها الدول الرأسمالية المركزية. فلم تواجه تقدمية القرن العشرين بتقدمية مختلفة أو أرقى، بل برجعية شرسة وعدوانية تستعيد كل ترسانة القيم الرجعية من عنصرية وشوفينية وولع بالحرب. 

من الضروري استرجاع الرؤية التقدمية لوضع الهجوم الامبريالي الجديد والاعتراضات المشتتة عليه ضمن سياق أوسع، سياق إعادة بناء حركات المقاومة والتحرر الديمقراطي. وفي رأينا أن الرد على الامبريالية الجديدة لن يتأخر، بل لقد بدأ بالفعل. وهذا لأنها شديدة التطرف والعدوانية والعنصرية ولا تعد من تسيطر عليهم بشيء. وبقدر ما يتأخر أو يتعثر بناء حركة مقاومة فعالة تجمع عناصر التقدمية المشار إليها فوق، وأولها العنصر الديمقراطي الخاص بتمثيل مصالح وتطلعات الأكثرية الشعبية المحرومة، فإن أشكال المقاومة غير التقدمية مثل تنظيم القاعدة هي التي ستملأ الفراغ.

لقد آلت الدول التي ورثت مشروع التحرر الوطني التقدمي إلى سلطات وحشية موغلة في الاستبداد والفساد، فضلا عن كونها محافظة فكريا وثقافيا وفاشلة اقتصاديا وتنمويا وعاجزة عسكريا. ولم تستطع المعارضات اليسارية لسلطات هذه الدول أن تتمايز عنها بشيء اللهم إلا في التأكيد المتشدد على الواحدية الإيديولوجية واللون الواحد. ومع تخلي الكتلة التقدمية التقليدية عن دورها وتراكم آيات إفلاسها برزت حركات مقاومة أقوى اتصالا بالجمهور المخذول، لكنها نزاعة إلى العنف الأعمى والإرهاب، أي أن قيمة الحياة الإنسانية لا تكاد تتفوق لديها عما لدى الدكتاتوريات التقدمية (هي في الواقع دكتاتوريات عسكرية تحديثية ورجعية). إن تاريخ ربع القرن الأخير من القرن العشرين هو تاريخ إفلاس التقدمية العربية بقدر ما هو تاريخ جنوح مقاومة الأنظمة التقدمية السابقة نحو العنف والتشدد الديني في آن معا دون أن تكون العلاقة بين الجنوحين بديهية أو محتومة، لكنه كذلك تاريخ الظهور البطيئ والعسير والقلق لحركات ديمقراطية وتقدمية تتكون على حساب الكتلة التقدمية السابقة لها بقدر ما تجتذب أيضا أطرافا إسلامية.

القضية المطروحة على جدول أعمال هذه الحركات خلال بضع السنوات القادمة، بل خلال الشهور القادمة التي يرجح ان تتميز بعمق وكثافة التغيرات التي ستشهدها، هي التحرر من الشعور بالذنب والخروج من حالة البلبلة اللذين أثمرهما سقوط الشيوعية والجيل الأول لحركة التحرر الوطني واستسلام الحركات الإسلامية لإغراء العنف السهل. هذا يتطلب صوغ الرؤية الفكرية التي تتيح استئناف الكفاح التحرري الديمقراطي على أسس جديدة تجمع بين مقاومة الهيمنة الأمريكية ونظم الاستبداد الفاسدة والمتواطئة، وبين تقديم نموذج كفاحي جذاب وفعال لا يترك الجمهور أسير حركات الاعتراض الخوارجية النخبوية. ليس الجمهور العربي أو غير العربي- شغوفا بالعنف لكنه

قد يباركه في وجه العنف الإرهابي للسلطة الغاشمة (محلية أو إسرائيلية أو أمريكية).

إن توحيد هذه المطالب هو الأفق الذي من شانه أن يعطي للهدف والشعار الديمقراطي مضمونا لا يزال مفتقرا إليه. وهو ايضا مساهمة تشكل خطوة نحو إعادة بناء جبهة عالمية للديمقراطية والتحرر والتنمية، ورد الهجوم الإيديولوجي والأخلاقي والجمالي الأمريكي الذي أخذت تناقضاته تتراكم ويتضح أكثر فاكثر انفصال دعاويه عن تطبيقاته السياسية الفعلية. في هذا الاتجاه يمكن رفع المعنويات الهابطة للمناضلين من أجل عالم أفضل ممن يتناهبهم الآن الاضطراب والبلبلة والتشوش. 

وما هو أكثر راهنية فيما يخص بناء التقدمية العربية الجديدة هو وضع المواجهة العربية مع أمريكا وإسرائيل، وفي القلب منها الموقعة العراقية الوشيكة، وضعها في سياق المعركة العالمية التي تلوح تباشيرها من أجل التحرر والديمقراطية والنهوض الإنساني، لا في سياق قومي مغلق ولا في سياق ديني تمييزي بطبيعته. (من المستلزمات التمهيدية لذلك مراجعة مفهوم العروبة أيضا).

ومن وجوه أزمة التحررية العربية المتولدة عن تفكك تقدمية القرن العشرين العربية والعالمية تشوش تعريف العدو بموازاة تشوش وعي الذات وتحديد ميادين الصراع ورهاناته. لذلك فإن الإجابة على سؤال: "من العدو؟"، تستعيد حيويتها اليوم، وهو ما يذكر به نيغري وهارت في "الامبراطورية".

ترتبط كل هذه القضايا بمسألة الغزو الأمريكي للعراق بصورة وثيقة.

 إن بناء منظورات التقدمية الجديدة وإعادة بناء الحركة التحررية ذاتها من شأنه أن يعطي للتعاطف العاجز مع محنة العراقيين اتجاها ويضعها في السياق الذي أشرنا إليه: سياق عدوان الامبريالية الجديدة ومقاومة هذا العدوان، إضافة إلى التوجه نحو توحيد ومركزة الصراع وتنظيم أدوات مقاومته. لكن الارتباط الأهم لإعادة بناء الحركة التقدمية بالمسألة العراقية هو أن إعادة البناء هذه هي بحد ذاتها الموقف الصحيح، الوحيد في رأيي، من الأزمة الراهنة. وهو الموقف الذي يحرر الحركة التقدمية الديمقراطية من الالتحاق بالأمريكيين على طريقة أطراف من المعارضة العراقية، أو بنظام صدام حسين الدكتاتوري على الطريقة التي يفترض أنها "قومية"، دون أن يكون موقفا انسحابيا أو اعتزاليا. فعبر وضع الرد على العدوان الأمريكي في سياق إعادة بناء الدولة والسياسة والمجتمع على أسس ديمقراطية، تضع الحركات الديمقراطية العربية قضية الدفاع عن الوطن بين أيدي الشعب وتجعل من رد العدوان عملا ديمقراطيا أصيلا.

تعاني كل التعبيرات "القومية" من نزعتها البيانية الطاغية(17) ومن اجترارها لحلول ومخططات غير قابلة للتطبيق أو مستحيلة أو حتى رجعية، ومن انفصالها العميق عن الواقع واستغنائها عنه(18)، ومن عدم خشيتها أبدا من المبالغة سواء باتجاه التهويل أم التفجع.

الحركة الديمقراطية التحررية مطالبة بالمقابل ألا تستهين بنموذج المعارضة الشلبية الذي اقتربت منه أطياف غير قليلة من المعارضة العراقية، خصوصا في مؤتمر لندن في 14 و15 كانون الأول 2002.

 من البدهي أن من يناضل لتغيير نظام صدام حسين هو الذي يرسم صورة عراق ما بعد صدام. وبوضع نفسها في إطار الإعداد الأمريكي لغزو العراق وإسقاط النظام الحاكم فيه، فإنه لا يحق للمعارضة العراقية ان تأمل بدور أكبر من أداة لرسم هذه الصورة ومستلزم من مستلزمات النضال الأمريكي. وفي ذلك لن يختلف دورها بشيء عن دور الجامعة العربية حيال غزو العراق للكويت عام 1990: منح غطاء وإضفاء شرعية. أعتقد أنه من المشروع تماما أن نرى مؤتمرها ونص بيانها الختامي (19) ملحقين بمبادرة باول التي تقوم بدور برنامج للنضال الأمريكي في المنطقة العربية. 

لا جدال بالطبع في أن نظام صدام حسين يتحمل مسؤولية كبرى وأساسية عن تغريب الشعب العراقي عن قضاياه المصيرية وقتل الروح الوطنية عند أبنائه، لكن المعارضة التي تتحالف مع أمريكا تظهر لا مبالاة مكافئة بمصير الشعب العراقي ونكشف أن رغبتها بإسقاط النظام والحلول محله أقوى من رغبتها بتحرير العراق. لا غرابة والحال أن يتراوح موقف الشارع العراقي من "المعارضة العراقية في المنفى" بين الريبة والخوف (20).

يعكس الانحصار ضمن هذين الخيارين: الدكتاتورية أو الغزو الأجنبي، المعارضة الشلبية أو المعارضة القوموية، واقعا حقيقيا هو الضعف المؤلم للقوى الديمقراطية الوطنية في العراق وسورية والدول العربية الأخرى، وكذلك انسحاق موقعها وضعف ثقتها بنفسها، الأمر الذي يدفعها موضوعيا إلى مواقف التحاقية أو بالأحرى يحد من قدرتها على اتخاذ موقف مستقل. لكن قبول هذه القوى بثنائية المستعمر والطاغية ينعكس عليها مزيدا من التهميش والعجز.

إن الغزو الأمريكي الوشيك للعراق محنة للعراقيين والعرب، لكنه يمكن أن يكون مناسبة لإحياء إرادة المقاومة التحررية وبناء الحركة الديمقراطية الوطنية القادرة على الرد على الامبريالية الجديدة. هذه مهمة سنوات طويلة، لكن المشكلة تكون محلولة مبدئيا حين نبدأ بالعمل ونضع عربة التحرر على سكة الحركة التاريخية.   

*****************

 (1) Neil Mackay, Bush Planned Iraq'regime change' before becoming President,

 HYPERLINK "http://www.sundayherald.com"

  15 september 2002.

American Academy of Political and Social Sciences 2002 C. KAYSEN, S. MILLER, M. MALIN, W. NORDHAUS J. STEINBURNER,

 (2) المصدر نفسه.

(3) ) حول الفرق بين الضربة الاستباقية والضربة الوقائية انظر الفصل الأول من الكاتب الجماعي المعنون War with Iraq: Costs ,Consequences ,and Alternatives الصادر عن أكاديمية العلوم والفنون الأمريكية. الاستباق  preemption حسب مؤلفي الفصل هو توجيه الضربة الأولى حين تكون الحرب وشيكة أو محتومة. أما الحرب الوقائية preventive war فهي حرب اختيارية لمنع بروز خطر في المستقبل. وكان يمكن لهذا التعريف الأخير أن ينطبق على الحالة العراقية لو فقط كان ما تنوي الولايات المتحدة القيام به هو "حرب مع العراق": إنها ليست حربا مع العراق بل حرب عليه، ثم إنها ليست حربا على الإطلاق بسبب عدم التكافؤ الذي يكاد يعني عدم وجود طرف آخر. من ناحية أخرى تعكس هذه الاستراتيجية، استباقية أو وقائية، نوعية الامبريالية المعاصرة: السيطرة على المستقبل ومراقبة تطور جميع بلدان الأرض وإحباط ما لا ترضى عنه.

American Academy of Political and Social Sciences 2002 C. KAYSEN, S. MILLER, M. MALIN, W. NORDHAUS J. STEINBURNER,

 HYPERLINK "http://www.mafhoum.com/press4/123P29_1.pdf" \t "_blank"

War with Iraq: Costs, Consquences, and Alternatives

(4) James Brooks, The Israelization of America

 .www.mafhoum.com, 14 كانون الأول 2002

 HYPERLINK "http://www.antiwar.com,7dec"

www.antiwar.com ,

7 Dec 2002 

(5) يقول رتشارد هاس، مدير التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية: "لدينا أيضا قلق في شأن طبيعة المجتمع السعودي وتوجهه. ومع مرور الوقت، وسأتحدث هنا في شكل شخصي، اعتقد أنه سيكون في مصلحة السعوديين أن يصبحوا مجتمعا أكثر انفتاحا، اقتصاديا وسياسيا، وأن يصبحوا يوما عضوا في منظمة التجارة العالمية على سبيل المثال". من لقاء معه في جريدة "الحياة"، 13/12/2002.

(6) Anthony Cordesman, US Strategy in the Middle East: The Gap Between Strategic Theory and operational Reality.

 HYPERLINK "http://www.mafhoum.com"

 www.mafhoum.com

(7) International Crisis Group(ICG): Voices From The Iraqi Street, Iraq Briefing, Amman/Brussels, p7, 4 December.2002),www.crisisweb.org

 (8) يرفض جميل مطر وعلي الدين هلال "إصرار المؤلفين الغربيين على استخدام مفهوم الشرق الأوسط للدلالة على منطقتنا" لكن رفضهما يبقى صوريا وإيديولوجيا لامتناعهما عن دراسة أشكال انخراط النظام العربي في النظام الشرق أوسطي ومبالغتهما في وزن "مؤسسات العمل العربي المشترك". جميل مطر ود. علي الدين هلال: النظام الإقليمي العربي، دراسة في العلاقات السياسية العربية. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1983.

 (9) قرضاي العراق حسب بعض السيناريوهات، انظر مقالة فولكر برتس في "النهار"، 1/1/2003.

(10) من سيأسف على الدولة السعودية، وبالأخص على السلالة السعودية؟ السعودية ثروة تحرسها شرعية من الماضي وتحميها قوة مادية من الخارج. الحاضر الوحيد هو النفط والباقي ماض وخارج، ولهذا ليس ثمة داخل حضاري وسياسي وثقافي قادر على إعادة إنتاج ذاته.

(11) 1-هزيمة محمد علي 2- إنشاء إسرائيل 3- كامب ديفيد 4- الغزو الأمريكي الوشيك للعراق. وعن أمن  مصر، يقول  حسن نافعة: "تجد مصر نفسها مشدودة نحو حدودها الجنوبية من أجل ضمان حياتها، ومشدودة نحو حدودها الشرقية من أجل ضمان أمنها". أنظر بحثه: مبادئ الجيواستراتيجية المصرية، في : سمير أمين وآخرون: قضايا استراتيجية في المتوسط. ترجمة د. سناء أبو شقرا، دار الفارابي، بيروت، 1992.

(12) تقرير مجلس سياسة الدفاع الأمريكية الذي قدمه لوران مورافيك بتكليف من مؤسسة راند للأبحاث في 10 تموز من عام 2002. يتوج التقرير مقدماته باستراتيجية عريضة للشرق الأوسط تقوم على أن" العراق المحور التكتيكي، والعربية السعودية المحور الاستراتيجي، ومصر الجائزة الكبرى".

Jack SHAFER, Laurent

MURAWIEC,

 HYPERLINK "http://The PowerPoint That Rocked the Pentagon, The LaRouchie defector who's advising the defense establishment on  Saudi Arabia . "

 The PowerPoint That Rocked the Pentagon, The LaRouchie defector who's advising the defense establishment on  Saudi Arabia .

HYPERLINK "http://www.mafhoum.com"

www.mafhoum.com

(13)Colin Powel, The US Middle East Partnership Initiative,

  31 تموز 2002

HYPERLINK "http://www.mafhoum.com  "

www.mafhoum.com 

.23/12/2002

 (14) مثل باري روبن الذي يجد الجذور الحقيقية للنزعة العربية المعادية لأمريكا في حاجة الدول العربية إلى عدو تبرر به فشلها.أطروحة روبن تقول إنه ليس هناك علاقة بين سخط العرب والمسلمين والسياسات الفعلية للولايات المتحدة وقد كانت سياسات مناصرة للعرب بصورة لا فتة طوال السنوات الخمسين الماضية. إن رعاية نزعة العداء لأمريكا هي بكل بساطة أفضل طريقة عثر عليها الحكام المسلمون لحرف انتباه شعوبهم عن مشاكلها الحقيقية التي تتركز في سوء التدبير الداخلي. والنتيجة المنطقية التي يخلص إليها الكاتب هي أنه لافائدة من الاعتذارت وحملات العلاقات العامة وأفعال التهدئة وتعديلات السياسة الأمريكية.  فلن يتغير الرأي الشعبي إزاء أمرييكا إلا عندما يفشل تصنيع وتشجيع العداء لأمريكا. وإلى أن يحصل ذلك على الولايات المتحدة أن تدعم بثبات مصالحها وحلفاءها. وهذه المقاربة تتضمن مساندة إسرائيل والحفاظ على علاقات طيبة مع المعتدلين العرب الذين يتوجب عليهم أن يقوموا بجهد أكبر لتبرير مساندتهم لأمريكا. أنظر:

 HYPERLINK "http://www.foreignaffairs.org/20021101faessay9993/barry-rubin/the-real-roots-of-arab-anti-"

http://www.foreignaffairs.org/20021101faessay9993/barry-rubin/the-real-roots-of-arab-anti-

americanism.html

 

 

 

(15) من أشهر الأمثلة وأكثرها سطحية ونضالية في الوقت نفسه المسرحي المصري علي سالم. من أجل آخر عينة من فكر هذا النموذج المرشح لاكتساب أشباه ونظائر، انظر مقاله: "العراق آخر معارك الحرب العالمية الثانية"( جريدة "الحياة"، 3/1/2002) حيث يجد هذه المعركة مصلحة عامة "يمكن تصور حجم خسائرها لبعض الأطراف، كما يمكن تصور مكاسبها لمعظم الأطراف". ثم يُفصِّل: "الإصلاحيون في إيران سيجدون سنداً قوياً في حكومة عراقية ديموقراطية على حدودهم بما يجعلهم أكثر قوة في مواجهة التيارات المحافظة، وربما حسمت المعركة نهائياً لمصلحتهم، لمصلحة الديموقراطية. من الطبيعي أن يشترك النظام الجديد في جهود السلام في المنطقة. نأتي الآن للسؤال الشهير: هل أميركا فعلاً تريد لنا أن نتمتع بالديموقراطية وحقوق الإنسان والتنمية? الإجابة: الآن?... نعم, طبقاً لما قرره التاريخ بعد 11 أيلول (سبتمبر) اتضح انه يستحيل على أي أمة غنية أن تعيش مستمتعة بالديموقراطية وحقوق الإنسان وسيادة العلم والعقل بينما شعوب أخرى محرومة من كل ذلك على الكوكب نفسه". يجب أن يضطر الأمريكيون أن يكونوا فاضلين من أجل ألا يبتئس زبائنهم! 

(16) يصعب الدفاع اليوم عن فكرة وجود اتجاه معروف سلفا للتاريخ دون المجازفة باستنبات سلطة شمولية تقوم عليها كهانة عارفة بأسرار التاريخ وعالمة بقوانينه وناطقة باسم حتميته. وقد يتوجب على الحركات المقاومة الجديدة أن تركز على رفض الظلم والدفاع عن المضطهدين والمحرومين وعن حرية الفرد أكثر من السعي إلى تصور إيجابي ناجز للعدالة والحرية. هل يلزم مفهوم التقدم أو التقدمية من أجل ذلك؟ هذا أمر متروك للنقاش.

(17) مثلا بيان التجمع الوطني الديمقراطي المعارض في سورية بتاريخ 22/9/2002: "لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى وبلغت القلوب الحناجر...إلخ".

(18) مثلا افتتاحية رئيس التحرير لمجلة محترمة مثل المستقبل العربي، العددين 8 و9 لعام 2002. يقترح في العدد 9 "عقد قمة عربية استثنائية لمناقشة  التهديدات الأمريكية ضد العراق"، وتطبيق معاهدة الدفاع العربي المشترك وإلزام الحكومات العربية التي توجد فيها قواعد أمريكية... بعدم السماح باستخدامها، والتفكير الجدي ..بتشكيل قوة عربية مشتركة، وتفعيل دور مصر العربي...إلخ إلخ. إما أنه لا يعرف وهذه مصيبة أو أنه يعرف وهو مشارك في التجهيل. في العدد 8 يعتبر "أي عدوان على العراق عدوانا على الأمة العربية جمعاء"، ويقترح: "إعلان الرفض الصريح لهذا التدخل..."، "مزيد من التلاحم العربي رسميا وشعبيا..." إلخ إلخ.  ليتهم يجددون في نبرة الخطاب ولغته على الأقل! 

(19) موقع قناة الجزيرة على الإنترنت، 17/12/2002.

(20) ICG, p2 مصدر مذكور. في مكان أخر يقول التقرير إنه يلتقي في مواقف العراقيين الخوف وقلة الاحترام للمعارضة في المنفى. لكن العراقيين يميزون حسب التقرير بين المعارضة "التاريخية" أي التي لها "جذور حقيقة في البلد مثل الشيوعيين والأكراد وبعض الإسلاميين" وبين المعارضة "الزائفة" التي ولدت في أعقاب حرب الخليج الثانية، وتشمل "المؤتمر الوطني العراقي والميثاق الوطني العراقي والضباط العراقيون الأحرار". بصرف النظر عن هذه الاختلافات يقول التقرير إن شعور العراقيين العام هو: "إن المعارضة العراقية في المنفى نسخة طبق الأصل عن أولئك الذين يحكمونا الآن ... الفرق الوحيد هو أن الأخيرين قد شبعوا من سلبنا طوال الأعوام الثلاثين الماضية. أما أولئك الذين سياتون مع الأمريكيين فسيكونون نهمين جدا" (ص9). من أجل فكرة عن تنوع أطياف المعارضة العراقية، أنظر: محمد عبد الجبار، نظرة تحليلية لخريطة المعارضة العراقية وتضاريسها، موقع قناة الجزيرة على الإنترنت، 8/12/2002.

http://www.sundayherald.com/

http://www.antiwar.com,7dec/

http://www.mafhoum.com/

http://the powerpoint that rocked the pentagon, the larouchie defector who's advising the defense establishment on  saudi arabia ./

http://www.mafhoum.com/

http://www.foreignaffairs.org/20021101faessay9993/barry-rubin/the-real-roots-of- anti- arab

 

 

 مناقشة للوثيقة التي قدمها كولن باول وزير الخارجية الأمريكي في 12/12/2002 تحت عنوان"مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية"

 

 

* كاتب وباحث سوري