التفاهم السوري - التركي والصراع على مستقبل العراق.....

عمر كوش....الحياة

لا شك في أن مشهد العلاقات السورية - التركية اليوم يختلف تماماً عما كان عليه في تشرين الأول (اكتوبر) 1998، حين بلغت الأزمة ذروتها بين البلدين الجارين، ووصلت إلى درجة تهديد الحكومة التركية بشن الحرب ضد سورية قبل أن تنجح جهود الوساطة الإقليمية والقوى الدولية في نزع فتيلها، ليتحول المشهد إلى النقيض، وتبدأ صفحة مختلفة من العلاقات السورية - التركية، يسودها التفاهم والتوافق على جملة من الملفات المشتركة. ويدخل تحسن العلاقات بين البلدين في سياق تفاهم النظامين، السوري والتركي، المرتبط بعملية إعادة تعريف كل دولة لوزنها ولدورها الإقليمي في منطقتنا المقبلة على مزيد من التحولات والمتغيرات. والمأمول هو أن يرتقي هذا التفاهم إلى مستوى الرهانات الاستراتيجية، التي تنهض على تبادل المصالح، بما ينعكس منفعة مشتركة لكلا الشعبين، السوري والتركي، لا لمصالح فئات بعينها، وألا يكون موجهاً ضد أحد، ذلك أن الهدف منه ألا يتوقف عند تحسين الدور الإقليمي للدولتين في محيطهما الجيو - سياسي المتغير، الذي سينتج من حراكه شكل أو صورة الخريطة الجديدة للمنطقة، بل أن يتعداه إلى مستوى يليق بالروابط التاريخية والدينية والثقافية التي تربط هذين البلدين.

ويتعلق التفاهم السوري – التركي، في أحد أبرز تحديداته، باحتدام الصراع حول مستقبل العراق، خصوصاً في ما يرتبط بالتنظيم الدستوري السياسي للدولة العراقية الجديدة، والتي تبدو فيها معركة الدستور حاسمة وخطيرة، بصفتها سترسم صورة الإجماع السياسي الجديد ما بين العراقيين، حيث يبدو أن كل المعطيات تسير باتجاه قيام عراق فيديرالي، الأمر الذي يعني قيام حكم كردي فيديرالي في شمال العراق، معترف به، عراقياً وإقيمياً ودولياً، ما يعني اكتساب نخبه السياسية الحق الإقليمي في حكم أرض كردستان العراق، وليس فقط الحق في إدارة شؤون سكانه الأكراد.

وتلتقي وجهتا نظر القيادتين السياسيتين في كل من تركيا وسورية حول وحدة التراب العراقي، كما يقال عادة، أي الوقوف ضد تقسيم العراق، حتى لو أخذ التقسيم شكل الفيديرالية. ذلك أنه سيقوم على أساس إثنيٍ قومي وطائفي، مع أن التنظيم الفيديرالي لأي دولة قد لا يتعارض مع وحدتها وسيادتها، لكنه يمثل بالنسبة إليهما دولةً كردية مستقلةً بمرتبة حكم فيديرالي. ويعزز هذا الاعتقاد تصاعد الضغط الكردي باتجاه ضم كركوك إلى المنطقة الكردية، على رغم كونها مدينة مركبة الهوية، تاريخياً وثقافياً، وينظر إليها كل من الأكراد والتركمان والآشوريين، بصفتها مدينتهم المقدسة.

والرفض السوري للفيديرالية مرتبط أيضاً بما يقال عن تنامي النفوذ الإسرائيلي في كردستان العراق، الذي تعود جذوره إلى سياسة كيسنجر التي بدأها عام 1974 لمعاقبة العراق على اشتراكه في حرب 1973. وبالتالي، فإن حجر الأساس في التفاهم السوري - التركي هو رؤية كل من النظامين السوري والتركي المتمحورة حول رفض قيام حكم كردي فيديرالي في شمال العراق، على رغم أنه يمتلك منذ سنوات عدة كل مؤسسات الدولة تحت مسمى الحكم الذاتي.

ومن المفارقات التاريخية هو أن تصبح «الورقة الكردية»، التي استخدمها النظام السوري طوال خمس عشرة سنة للضغط على النظام التركي، الضحية الأولى للتفاهم السوري - التركي الذي دشنه اتفاق أضنة الأمني عام 1998. ويحاول النظامان السوري والتركي اليوم تطويق المسألة الكردية في شمال العراق، وتلافي آثارها وتداعياتها المحتملة على كل من تركيا وسورية. ولم ينتبه النظامان السوري والتركي إلى الخطر الذي تسببه الممارسات غير الديموقراطية ضد المواطنين الأكراد، على رغم كل المؤشرات الداخلية والدولية، إذ فضل كل منهما إرجاء المشكلات والاستحقاقات إلى اللحظة الأخيرة. ولا اعتقد بأن تفاهم النظامين يمكنه أن يطوق المسألة الكردية بمعزل عن التأثيرات الدولية، وفي ظل غياب الحل الديموقراطي، على رغم التفاوت في مستوى تطور المسألة في كل من سورية وتركيا.

وتدرك الحكومة التركية الواقع الذي استجد في العراق، وأنها لم تعد قادرة على التدخل العسكري المباشر في شمال العراق، كما كان يحصل من ذي قبل. وهناك إجماع في تركيا على أنه في عالم ما بعد الحرب الأميركية على العراق، تقف البلاد في وسط معطيات جيو-سياسية واستراتيجية جديدة. ويدرك أيضاً النظام السوري أنه لا يمتلك أسباب القوة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تمتلكها تركيا، خصوصاً بعد الانسحاب من لبنان، وتجريده من مختلف أوراقه الإقليمية، وبالتالي فإن المطلوب منه هو تغيير النهج والتوجهات، بما يتوافق مع المستجدات الجديدة في المنطقة، وبما يعود إلى تعزيز البيت السوري وتحصينه من آثار تدخلات الخارج. وهنا تبرز أهمية التغيير الديموقراطي، وأخذ العبر والدروس المفيدة من تجربة الجار التركي. فتركيا تمتلك نظاماً ديموقراطياً، وتشهد نمواً اقتصادياً إلى درجة أنها أصبحت في العام 2004 في طليعة الدول التي حققت نمواً عالياً بلغ 7،9 في المئة واحتلت به المرتبة الأولى عالمياً، متقدمة بذلك على الصين، كما أن تركيا ستكون أهم محطات عبور النفط الخام في العالم بحلول عام 2010 استناداً الى لمعلومات الواردة من المنظمات الدولية المتخصصة في مجال الطاقة، حيث ذكرت وزارة الخارجية التركية في تقرير لها أن 7 في المئة من النفط الخام العالمي سيمر عبر أراضي تركيا ومياهها بحلول عام 2010 وذلك بعد اكتمال إقامة خطوط أنابيب البترول الضخمة من الدول المنتجة للنفط الى أوروبا من طريق تركيا.

وشهدت السياسة الخارجية التركية، منذ وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم، تغيرات عدة في التوجهات والتحركات، إذ باتت تعتمد على تعدد العلاقات وعدم حصرها في محور واحد، الأمر الذي حوّل تركيا الى مركز في السياسة الدولية بعدما كانت تعتاش على أطراف حلف شمال الأطلسي. فتركيا اليوم تتمتع بعلاقات جيدة مع كل من روسيا واليونان وسورية وإيران والصين وأوروبا، ووافق البرلمان الأوروبي على بدء مفاوضات انضمامها إلى بلدان الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، فإن حجم التبادل التجاري بين سورية وتركيا هو دون المستوى المطلوب، وطاقة البلدين لا تعكس واقع الاستثمار والتبادل التجاري بينهما، فقد بلغت الاستثمارات التركية في سورية 180 مليون دولار والتبادل التجاري بين البلدين 840 مليوناً في العام 2003، ثم انخفض عام 2004 الى 750 مليوناً. وتم التوقيع في حلب العام الماضي على اتفاقيات عدة في مجال انشاء مشاريع في البلدين للاستثمار حيث يوجد 764 مستثمراً سورياً في تركيا، بينما لا يوجد في سورية سوى 40 مستثمراً تركياً يشاركون في 13 مشروعاً.

وتجد سورية نفسها اليوم بحاجة إلى تعزيز علاقاتها مع تركيا بعد الضغوط الأميركية المتزايدة عليها، والتي قد لا تقف عند حدّ معين، خصوصاً أن ليس هناك مؤشر يدلّ على أن مشروع التغيير الأميركي سيتوقف عند حدّ معين، بل إن أي دولة مرشحة لممارسة الضغوط والعقوبات الأميركية عليها في حال وقوفها في وجه المشروع الأميركي الهادف إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة.

وهناك فرصة تاريخية اليوم أمام كل من سورية وتركيا لتدعيم العلاقات بينهما، والارتقاء بها إلى مستويات عليا من التعاون في كل المجالات، وجعلها علاقات مصالح بين دولتين، وبما ينتج قاعدة شعبية واسعة تحمي هذه العلاقات، وألا تختصر في الجانب المتعلق بالصراع على مستقبل العراق، لذا فإن المأمول هو أن تستغل القيادة السياسية السورية الفرصة نحو التغيير الديموقراطي، بصفته السبيل الأمثل لحماية أو تدعيم التعاون والتفاهم وفق ما تمليه خدمة مصالح الشعبين السوري والتركي.

كاتب سوري.