من له مصلحة بسقوط السلطة السورية الآن؟

- لؤي حسين - السفير

 

يكثر الكلام في الآونة الأخيرة من كل صوب عن قرب سقوط وانهيار النظام السوري: تسريبات أميركية عبر صحف إسرائيلية وقنوات أخرى، أقوال للرئيس شيراك عن توقعاته بسقوط السلطة السورية على أثر انسحابها من لبنان، توصيات أوروبية للأميركيين بتخفيف الضغط على السلطة السورية خشية أن تنهار، وشائعات مجهولة ومعلومة المصدر تروج لخبرية احتمال وقوع انقلاب أبيض في السلطة، إضافة إلى توقعات وتخوفات من بعض المثقفين والكتاب السوريين (وأنا منهم) من أن حال السلطة أضعف من أن يحتمل أي ضغوط، بل، وهذا رأيي، قد لا يحتاج الأمر لأي ضغط من أي جهة كانت، فتركيبة السلطة وتفاقم أزمتها قد يؤول بها إلى الانفراط الفجائي بأي لحظة.
من جهتها، تبدو السلطة وكأنها ليست في هذا الوارد، وهذا، وإن بدا للبعض دليل قوة ومتانة وثقة منها بمناعتها، فإنه أهم مؤشر على عجزها عن تدارك مصيرها. ولن يشكل وعدها بعقد مؤتمر لحزبها بعد أسابيع مخرجاً لها من مأزقها هذا.
قوى وأحزاب المعارضة السورية في الداخل تبدو أنها خارج الزمان وخارج التاريخ. فبدل أن تسبق حركة الواقع وتشارك في قيادته، خاصة في مراحل مصيرية كهذه، نجدها لا تتمكن من اللحاق حتى بخطوات السلطة البطيئة، مكتفية بأن تعيب أو تخون أي حركة أو قول أو حتى اعتقاد يتقدم به آخرون، كاهتمامها بالتصدي لأي طرح أو توجه ليبرالي في البلاد. راضية عند حدوث أي بلية أو مأساة بأنها كانت قد حذّرت منها وأنها ليست من قام بها.
قلة قليلة من المثقفين والكتاب وحدهم الذين يبثون بعض الروح في الحياة السورية عبر حراكهم وكتاباتهم ونشاطاتهم المبعثرة خارج أي إطار اجتماعي أو سياسي أو ثقافي. وأعتقد أنه لن يطول بهم الأمر ليجدوا أطراً لنشاطاتهم تعطيها جدوى وفاعلية ليتمكنوا من تحفيز مخبوءات الواقع وممكناته.
لم يصرح قادة جماعة الإخوان المسلمين السوريين المبعدين في أوروبا ماذا سيفعلون أو يقولون بعد نهاية مهلة الثلاثة أشهر التي أعطوها للسلطة لتقوم بإصلاح سياسي يكونون هم أحد أطرافه الرئيسية، وإن كنت أعتقد أنهم يتحضرون لإعلان انتهاء إمكانية قيام السلطة بأي إصلاح لينتقلوا إلى طرح برنامج إسقاطها ولو كان ذلك عن طريق دعم خارجي (أميركي)، مبررين ذلك بانسداد كل السبل للتعاون مع السلطة للخروج بالبلاد من محنتها الراهنة.
في لبنان الذي بات أي شيء فيه مؤثراً وفاعلاً في سوريا، ينشغل حلفاء السلطة <<بالتنبيش>> عن مصادر قوة لهم بعد خسارتهم قوة وجودهم الرئيسية (السلطة السورية). والمعارضون، معارضو الوجود السوري، لم يجدوا للآن صفة أو مهمة جديدة لهم، وكأنهم لم ينتبهوا بعد إلى انتهاء هذا الوجود، فما زالوا يلاحقون السلطة السورية بجرأة ليس مصدرها قوتهم بل ضعف السلطة، دون أن يدرجوا في حساباتهم النتائج التي تستتبع انسحاب العسكر السوري من لبنان على الصعيد السوري وأثر هذا تالياً على لبنان من جديد. إذ أعتقد أن عليهم تغيير مسارهم والعمل، على الأقل، على إعادة صياغة جديدة للعلاقة السورية اللبنانية التي كانت تحتكرها السلطة على كل المستويات، وبخروجها الآن ستبقى هذه العلاقة على الأثير فقط يمكن أن تقذفها أي ريح أولية إلى مهاو خطرة.
من له المصلحة بضعف السلطة السورية أو انهيارها؟
السؤال على هذا النحو سؤال أعمى. فالسلطة السورية بمسار الضعف غيرها بمسار الانهيار، وضعف السلطة أو انهيارها التلقائي غيره إن كان على يد قوى بديلة. ولا بدائل الآن، فالسلطة ضعيفة نتيجة عجزها البنيوي عن حكم البلاد بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد، ونتيجة لعوامل ومؤثرات خارجية فاقت مقدرتها على إدارة شؤونها وشؤون البلاد.
النظام السياسي في سوريا هو نفسه آلية حكم السلطة السياسية القائمة، بدونها لا يوجد نظام سياسي. وما يعتبر مؤسسات الدول ليس أكثر من أجهزة تسلط لهذه السلطة. وبهذا فكل البنيان السياسي مرتبط ومرهون بالسلطة: إن تقاعست تعطل وإن غابت انهار، وإن سقطت بدون بديل لها أياً كان هذا البديل انهارت بنى أجهزة النظام والدولة وانفرطت روابطها؛ كما الحال العراقية فور سقوط النظام الصدامي.
إذاً فغياب السلطة يعني الخراب: انهيار الأمن والسلم الأهلي، وتفكك الكيان الاجتماعي الذي يتبدى على شكل مجتمع، إذ هو قائم على هيئته هذه نتيجة إرادة سلطوية سبقت تشكله التعاقدي الطبيعي، وارتبط بقاؤها بوجوده على هذه الصورة، لهذا تحول دون تفككه بفعل قوتها الأمنية وليس لإرادة أفراده وجماعاته.
هذا تصور لأسوأ الأحوال، قائم على رؤية راهنة لا تلحظ في الواقع السياسي ولا الاجتماعي قوى وتيارات وتشكلات يمكنها أن تملأ أي فراغ، على الصعيد الأمني أو السياسي أو الاقتصادي أو حتى الخدماتي، يخلّفه النظام السياسي الحالي إن انهار.
التصورات الإيجابية لا تُظهر أي أمارات يمكن أن نستبشر بها لنسير في ركبها. كأن يقدم بعض القادة في السلطة على مبادرة جريئة يقطعون بها مع مرجعياتهم، لينتقلوا إلى موقع سياسي مفارق لمسار السلطة يقودون عبره الدعوة إلى إجراءات جذرية محددة، كانتخابات برلمانية حرة وصيغة جديدة لدستور يتوافق مع نتائج الانتخابات مؤسَّساً على المساواة الكاملة بين السوريين. أو أن يتشكل حزب ديموقراطي برمشة عين يكون له المقدرة والفاعلية لإدارة (كحد أدنى) شؤون البلاد، أو المشاركة في قيادتها. لكن هذا أقرب إلى أحلام العاجزين.
إن كان الأمر هكذا! فلمصلحة من سيكون سقوط السلطة؟ وربما يستدعي السياق المنطقي أو سياق القلق على مصير الوطن طرح سؤال نقيض: من له المصلحة في الحيلولة دون سقوط السلطة؟
أعتقد أنه لا مصلحة لأحد بسقوط السلطة إن كانت الصورة على ما بدت لي وعرضتها أعلاه. لكن هذا يضعنا بحرج سياسي قبل أن يكون أخلاقياً حين نقلق على مصير هذه السلطة ونحن الذين اعتبرناها لسنوات أنها المسؤولة عن تخلف مجتمعاتنا، وكان ذلك قبل أن نعتبر أنها انتهكت حقوقنا وثرواتنا. هذا الإحراج ليس بالجانب الإجرائي، أي بالقيام بعمل ونقيضه في الوقت ذاته، أن نداري عن السلطة سقوطها والعمل على تفكيك نظامها الاستبدادي. بل سيكون الحرج بالدور الذي سنختاره: هل نربأ بأنفسنا عن حماية السلطة وعن المساهمة بسقوطها لما يولده من مخاطر، ونرتضي القعود والاستقالة بوضع كهذا، أم نعتمد أسلوب المعارضة السورية ونحيل المشكلة إلى اعتبارات خارجية طامعة بثرواتنا وهويتنا وبأصالتنا، والادعاء بالتصدي لها مماهين مصلحتنا مع مصالح السلطة، التي سنكتفي لاحقاً بتحميلها كل المسؤولية عن أي خراب إن يقع؟
حتى لو كانت صورة الوضع العام في سوريا ليست كما عرضتها، إلا أنه من المؤكد، بتوافق الكثيرين، أن تحولاً كبيراً ما ينتظر البلاد، وأن الأزمة الحالية كبيرة وربما خطيرة. وإن كنا نعتبر أن السلطة عاجزة أو ضعيفة أو متراخية فهذا يتناقض تماماً مع انتظار أن يأتي الحل على يدها، أو مطالبتها ببرامج إصلاحية أكبر بكثير من طاقاتها. وبهذا لا يكفي القوى والفعاليات الوطنية والديموقراطية تقديم النصح للسلطة وتحذيرها من مسؤولية ترك الأزمة بدون حلول جذرية. فلن يفيد الوطن في حال تردت الأوضاع تحميل المسؤولية لجهة أو أخرى وتبرئة أنفسنا من المسؤولية، فالأذى، إن وقع، سيطال الجميع، وإن قيّض لأحد أن ينجو منه فسيكون من نعتبرهم المسؤولين عنه.
لهذا سيتطلب الوضع من القوى والفعاليات الوطنية والديموقراطية عدم انتظار مجيء الحل من عند السلطة، فالسلطة العاجزة (أو التي أخفقت حسب رأي البعض) عن إدارة شؤونها الخارجية والدولية هي أيضا عاجزة عن المبادرة تجاه الداخل، وأي اقتراح أو إجراء ستقدمه سيكون قاصراً عن أن يكون حلاً. فالمبادرة يجب أن تأتي من تلك الفعاليات لملء فراغات واسعة في الميدان السياسي والاجتماعي والأهلي تداركاً لأي انهيارات، أو على الأقل للمشاركة في صنع القرار. والعذر الأمني الذي كان يحول دون مبادرة البعض والذي فقد أهميته منذ ما يقرب السنة، بات اليوم موجوداً في الرؤوس أكثر من وجوده في الشارع. فالسلطة العاجزة عن السماح تكون، غالباً، عاجزة عن المنع. وحتى لو كان الخطر الأمني ما زال يتمتع ببعض الوجود، فيجب ألا يشكل عائقاً أمام مبادرات تتطلبها مصلحة الوطن الآن.
(
) كاتب سوري