بعين مشاهد سوري:

ما الذي يجمع رستم غزالة بحسن نصرالله؟

حكم البابا

 

      استفزتني كسوري يعيش في دمشق الصورة التذكارية التي جمعت أمين عام حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله بمسؤول المخابرات السورية رستم غزالة في لبنان، وهما يقفان مبتسمين، وبينهما البندقية الاسرائيلية التي يقدمها الأول للثاني كعربون

وفاء. واستفزني أيضاً وقوف قائد القوات السورية اللواء فايز الحفار في خلفية الصورة، بينما يقف مسؤول المخابرات السورية الأدنى رتبة عسكرية (عميد) في المقدمة، وما تبعها من تصريحات السيد غزالة، بينما كان السيد الحفار يقف صامتاً قربه طوال الوقت. استفزني المشهد بكامله ليس من الناحية البروتوكولية فقط، وإنما سياسياً وإنسانياً وأخلاقياً.

 

 

 

 

       وإذا كان هذا المشهد استفزازياً بالنسبة لسوري يعيش في دمشق، فكيف يكون بالنسبة للبناني يعيش في لبنان، كانت -حتى قبل أيام-  حياته وعمله وعرضه وماله وحريته وحاضره ومستقبله وحتى موته، رهن بقرار أو كلمة أو إشارة أو ربما إيماءة من مسؤول المخابرات السورية السيد رستم غزالة (!!) فإذا كان ربع (وليس كل) ما اتهم به مسؤول المخابرات السورية في لبنان صحيحاً، وهو ما يردده اللبنانيون في السر والعلن، ومن بينهم الكثير من (موالي) سورية، (ولن أنسى ما قاله لي سائق سيارة أجرة مؤيد للمقاومة، وهو يقلني من بيروت إلى دمشق، مشيراً نحو بلدة عنجر ونحن نمر قربها: "هنا القصر الرئاسي، لقد قتلوا أخي أمام عيني"). وإذا كان خمس (وليس كل) ما نشر في الصحف، وما بث في التلفزيونات، وما تداول على الألسنة من سير وأخبار وفظائع وارتكابات بأصابع تشير نحو مسؤول عنجر السوري، فقد وضع أمين حزب الله اللبناني نفسه في وضع لا يحسد عليه باستقباله وهديته وابتسامته ومصافحته وصورته التذكارية مع مسؤول المخابرات السورية، التي صدمت السوريين قبل اللبنانيين، وكسرت صورته التي رسمتها عواطفهم لهم.

 

       قد يكون للسيد حسن نصر الله أسباب ومبررات وحسابات سياسية وقومية وجهادية، لكن هذه المبررات لن تقنع أحداً بمن فيهم مطلقوها، فهم يعلمون أن المخابرات الوالغة في فساد الأرض لا تعرف من السماء (هدف المقاومة الأسمى) إلاّ الأرواح التي ترسلها

إليها بعد فصلها عن أجسادها.

 

 

 

      وقد يظهر أحد من مناصري حزب الله ليفلسف ويحلل ويشرح ما جرى على أنه لقاء برتوكولي عابر، أو محاولة وفاء لسورية، أو يبتكر سبباً آخر، لكن كل تحليلات الأرض لا تستطيع أن تزيل ما فعلته الصورة الواضحة المعبرة والمذهلة التي جمعت رجلي المقاومة

والمخابرات.

 

       وقد يفضل الحزب الصمت وعدم التعليق على هذا اللقاء الوداعي، كما صمت ولم يعلق (حرجاً أو تهرباً) على الحدثين التاريخيين السوري والايراني في جنازة الحبر الأعظم قبل فترة. لكن حزب الله يعلم بالتأكيد أنه ليس فقط مجموعة بنادق وصواريخ ومقاتلين

وطائرات استطلاع ودعم إيراني ورعاية سورية. وهو يعلم حتماً أن قلوب الناس (لبنانيين وعرباً) التي خفقت لعملياته، وأعينهم التي حملته بين البؤبؤ والجفن، هُزِمَت اليوم وهي ترى أمينه العام مع مسؤول عنجر يبتسمان ويتصافحان ويتهاديان، وتشاهد دماء الشهداء تختلط بدماء ضحايا التعذيب، والأيدي التي ترفع شارات النصر تصافح الأيدي التي تحمل أسواط وعصي الضرب.

 

    كان على أمين حزب الله أن يجد مبررات للاعتذار عن اللقاء والهدية والابتسام والمصافحة والصورة التذكارية مع مسؤول عنجر السوري وبحجة سورية، معتمداً على ما ذكره الرئيس بشار الأسد -بدبلوماسية شديدة- عن (الأخطاء) السورية في لبنان. ومن البديهي أن مرتكبي هذه الأخطاء ليسوا ملائكة أو شياطين غير مرئيين، بل جهاز مخابرات موجود على الأرض لا في السماء. وربما كان عليه أن يكون أكثر صراحة ويفعل ما فعله الزعيم الوطني وليد جنبلاط الذي لم يرافق نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام إلى الباب أثناء وجوده للتعزية في بيت الشهيد رفيق الحريري، رغم صداقتهما، لأنه -كما صرّح-  لم يرد أن يجرح مشاعر اللبنانيين المفجوعة. وأظن أنه كان بإمكان أمين عام حزب الله اللبناني ايجاد أكثر من مبرر مقنع للاعتذار عن اللقاء والهدية والابتسام والمصافحة والصورة التذكارية، لأن كسر صورته التي بنيت عاطفةً عاطفةً أكثر أهمية بالنسبة له ولمقاومته من كل مخابرات العالم.

 

     بعين مشاهد سوري يرى في المخابرات رعباً وسجوناً واضطهاداً وضحايا، فجعت باللقاء وبالابتسامات السخية التي أهرقت فيه، وبتجاوز البرتوكول العسكري الذي يُقرأ على أكثر من مستوى، وأكثر ما فجعت به مزج المقاومة بالمخابرات.

 

   أكثر ما أنا متشوق له الآن رؤية صورة اللقاء بابتساماته وهديته بعين مشاهد لبناني.