فلسطين «قضية مركزية»... أم أنها تراجعت تدريجاً؟ كلوفيس مقصود      الحياة     2005/04/12

 

سؤال قد يكون استفزازياً إلا أن محاولة الاجابة عنه تبقى حاجة ملحة حتى تتوضح للاجيال العربية المقبلة صورة مستقبل الامة التي ينتمون اليها، أو على الاقل ملامح الصورة. السؤال هو: هل اننا لا نزال مقتنعين كما كنا وكما لا نزال نعلن، ان فلسطين «قضية مركزية» أم انها تراجعت تدريجاً الى درجة انها تحولت الى مشكلة أو مسلسل مشاكل للحالة العربية السائدة. نطرح هذا التساؤل ونسلم في الوقت نفسه ان الاجابة ستكون في كل الاحوال بمنتهى الصعوبة والتعقيد. فأية اجابة دقيقة أو صادقة ستصطدم بالخوف من مراجعة وجدانية أو قد تغطي اعتذارها عن الاجابة بأنه صار لزاماً علينا ان «نتعامل بواقعية» مع التطورات الدولية والاقليمية. ثم أن أي اصرار على اجابة واضحة أو صريحة يعتبر في الظروف الراهنة تشويشاً على «مسيرة السلام» القائمة وتشكيكاً بجدوى خارطة الطريق. والبعض سيرد على ان اعادة فتح هذا الموضوع من خلال مجرد طرح هذا السؤال يشكل تحدياً لصدقية ما ارتضت به القيادة الفسطينية الحالية والمنتخبة، و كون «أهل مكة أدرى بشعابها»، كما يشكل تدخلاً لم يعد جائزاً كونه يندرح في خطاب قومي لم يعد مقبولاً أو مجدياً.

ما ورد في مثل هذه الاعتراضات من منطق سائد و توصيف لواقع بنظري مرير، إلا انني أجد نفسي مضطراً لأن أغتنم فرصة الذكرى الثلاثين لمأساة عين الرمانة وتزامنها مع زيارة شارون للرئيس بوش، أن ابدي ملاحظات من موقع قناعتي بأن التسليم بالواقع لا يعني و لا يجب ان يعني الاستسلام له، وبالتالي عدم العمل على تغييره، إلا أنه في نهاية المطاف تبقى فلسطين قضية قومية كما ان اعادة ترميم الموقف العربي هو وحده الضامن الافعل لردع الاستباحة المتواصلة لحقوق الشعب الفلسطيني المعترف بها دولياً على الأقل.

لست هنا في صدد مراجعة لتاريخ واسباب تحول فلسطين من قضية محورية الى مسلسل مشاكل للنظام العربي القائم و العاجز، لكن هناك بعض البديهيات التي يمكنها حتى في حال التردي الراهن ان تسهم، وإن بالتدرج في تفعيل خطوات تخرج ما يسمى «المفاوضات» الراهنة من المسيرة التي، كما نعرف جميعاً انها تقطعت مراراً و تحولت الى تمرينات في العبث ، و الذي بدوره عمق مآسي الفلسطينيين و أمعن في دفع عملية التفكك بين الاقطار العربية مما همش دورهم دولياً و زاد في الفجوة القائمة بين الانظمة والشعوب و عرض الكثير منها لاملاءات مذلة ،كون التوجه لمعظم الانظمة بالتفرد في علاقاتها خاصة مع الولايات المتحدة مكن هذه الاخيرة من الاستفراد بكل منها مما أدى الى فقدان المناعة الوطنية والقومية وجعلت اسرائيل أكثر قدرة على التحكم بتطورات المنطقة مما فرض قناعة عند «الواقعيين الجدد» بأن مدخل الانظمة لعلاقة مستقيمة ومتناسبة مع الولايات المتحدة هي البوابة الاسرائيلية وان اللوبي اليهودي في واشنطن هو مفتاحها.

هذا الوضع يفسر الى حد كبير مقولات - هي في الواقع سياسات - الاردن اولاً و مصر أولاً والعراق اولاً الخ... كما يفسر ايضاً أن أي تعاط عربي مع الشأن الفلسطيني يجب ان ينطلق من كونه مطبعاً علاقاته مع اسرائيل - كما تبين في قمة شرم الشيخ - مما حسم بدوره كون اسرائيل لن تمتثل مطلقاً لكل قرارات الامم المتحدة وان ما قد «تتخلى عنه» هو بمثابة «تنازلات مؤلمة»، من هذا المنظور يصبح الضغط الاميركي منصب على الفلسطينيين ليتفهموا «ألم التنازل» بدلاً من الضغط على اسرائيل للامتثال لمقتضيات الشرعية الدولية. كما تساهم الدول المطبّعة في عملية «اقناع» القيادة الفلسطينية بأن تسهل مهمات الوساطات التي تقوم بها بغية تلطيف شراسة ممارسات اسرائيل.

اذاً ما العمل؟ اولاً المطلوب توقف المحادثات الحالية كي تتحول المحادثات الفلسطينية - الاسرائيلة الى مفاوضات، وهذا لا يتحقق الا اذا اقرّت اسرائيل بأنها في الاراضي الفلسطينة سلطة محتلة منذ حزيران (يونيو) 67. واذا لم تستطع الولايات المتحدة، خصوصاً اثناء الزيارة التي يقوم بها شارون لبوش في مزرعته في تكساس انتزاع هذا الاقرار، عندئذ ستبقى المحادثات محادثات ولن تتحول، أو بالاحرى، يستحيل ان تتحول الى مفاوضات. هذا اذا كان صحيحاً ان الرئيس بوش يريد صادقاً ان يكون هناك دولة فلسطينية، كذلك الامر بالنسبة الى الدول العربية التي لها علاقات ديبلوماسية مع اسرائيل فهي اذا لم تتمكن من دفع اسرائيل الى هذا الاقرار عندئذ يتعين عليها قطع او في الحد الادنى تعليق هذه العلاقات حتى تشعر بأن تسويفها في هذا الشأن لن يبقى بدون كلفة. اكثر من ذلك فقد يؤدي قطع العلاقات أو على الاقل تعليقها الى دفع الرئيس بوش الى مزيد من الالحاح - كوننا لا نتوقع ضغوطاً جدية - على اسرائيل لتحديد وجودها القانوني كاحتلال حتى تستقيم المعادلة التي من خلال ارسائها تتحول المحادثات الى مفاوضات.

ورغم ان هذه المعادلة تعتبر من المسلمات الا ان القيادة الفسطينية منذ اوسلو اعتمدت على تفسير المجتمع الدولي كون الاراضي الفلسطينية تندرج في كونها محتلة الا ان الشرعية الدولية تبقى خاضعة في هذا الزمن الرديء الى رجحان الموقف الاسرائيلي في العلاقة الاستراتيجية المميزة الاميركية - الاسرائيلية. يستتبع هذا الرجحان بأن الولايات المتحدة بدورها تبقى موقفها من السند القانوني لمفاوضات ملتبسة بما عرف بالـ «الغموض البناء» هذا بدوره ادى الى ازاحة عملية مجلس الامن من التعامل مع الموضوع الفلسطيني و حصره في «مسيرة» يديرها وبتقطع متكرر الرؤساء الاميركيون كون السياسة الاميركية في هذا الشأن لها بعد داخلي و انتخابي أيضاً. المعضلة تتمثل بأن الموقف الاميركي و تركيبة مكوناته لا يواجه اي ضغوط عربية مقابلة ذات صدقية، وبالتالي يصبح التخلي العربي الفعلي مساهماً - وان بدون قصد - بعدم الالتزام بالقضية الفلسطينية في فقدان التوازن الحائل كي تكون المباحثات التي لا تزال بحالة عجز عن اي اقتراب نحو امكان تقرير المصير، ويبقى ما نستطيع تحقيقه مقتصر على «تهدئة و هدنة»، أو تلطيف لشراسة الممارسات او انفراج لاحتقانات ممكنة أو تطويق لانفراجات متوقعة. هذا يفسر اعلانات شارون قبيل مجيئه الى مزرعة الرئيس بوش أمس بأن الفلسطينيين «يخرقون» تفاهمات شرم الشيخ وانهم يتهمون الرئيس محمود عباس بأنه لم «يفكك بنى الارهاب» بمعنى ان شارون هو الحكم وأن اسرائيل وحدها المؤهلة لتحديد من يخرق، وانها معفاة من اية ادانة لخروقاتها المتكررة، ويعني هذا ان اي تذمر هو تشويش على «التفاهمات». فالموقف الاسرائيلي الذي يعبر عنه شارون ينطلق من قناعة هي ان اسرائيل «سلطة مالكة وليست سلطة محتلة». وهذا ليس موقف شارون وحزب ليكود فحسب بل جميع الحكومات الاسرائيلية منذ حزيران (يونيو) 67، والتي تفسر الانتهاكات المتواصلة لاتفاقات جنيف الرابعة والتي تنص على انه لا يجوز لسلطة محتلة ان تدخل اي تعديل على جغرافية او ديموغرافية الاراضي المحتلة. وكان المؤشر لتصميم اسرائيل على ان لها حق الملكية من دون الاعلان وانها ابلغت بشكل دائم انها غير ملتزمة اتفاقات جنيف الرابعة وبنودها مما دفعها من دون تردد الى بناء وتوسيع ومن ثم تكثيف المستوطنات وانشاء الطرق الالتفافية. كل هذا أصبح معروفاً ولا يعني تكراره والاصرار عليه ان النظام العربي لا يعرف هذه الحقائق، لكن التذكير هو بمثابة تحريض شرعي لتفعيل المعرفة.

يبدو ان الضجر من تكرار هذه المطالبة هي سمة سائدة عند معظم اركان النظام العري السائد ، وبالتالي فهذا «الضجر» من التذكير بالبديهيات ادى بدوره الى اشكالية في الحالة الفلسطينية نفسها. المطلوب اذن التصدي السريع لهذه الاشكالية التي ان بقيت سترسخ ان فلسطين مجموعة مشاكل وليست قضية. كما تتلخص هذه الاشكالية بأن السلطة الفلسطينية، ليست خميرة لدولة مقبلة ولم تعد بالتالي طليعة مقاومة مطلوبة. هذه الاشكالية هي تتاج الالتباس الخطير الحاصل في غياب أو تغييب المعادلة القانونية التي تشكل قاعدة الانطلاق في مفاوضات لصيرورة حقوق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة على اراضيه المحتلة.

ثم يضاف ان هذه الاشكالية تربك، في غياب الالتزام العربي بفلسطين كقضية - الحالة العامة للاوضاع الفلسطينية مما يعزز تباين وحتى تناقض في الاولويات مما يزيد في احتمال تناقضات داخل الوحدة الوطنية، لذلك فالمباحثات التي تجري خاصة تلك التي تحصل في رعاية الحكومتين المطبعتين تؤول في اقصى انجازانها الى تنفيس مؤقت ومتقطع ايضا ، للاحتقان ولتأجيج الغضب. لذا على السلطة الوطنية الفلسطينية ان تركز - وبدون هوادة - على ان ازالة الضبابية الكثيفة التي تشتري الوقت للمشروع الصهيوني، وبالتالي تمكن اسرائيل من القيام بحملات عدوانية والهائية في الوقت نفسه تمنع استقامة المعادلة التي توفر للفلسطينيين احتمال قيام سيادة فلسطين على ارض فلسطين. هذه المعادلة تحل عندئذ الاشكالية و تصبح المفاوضات احدى تجليات مقاومة الاحتلال، علماً بأن المفاوضات تكون مستقوية بخيار المقاومة المسلحة وبنفس ضابطة لها. اما في الحالة الملتبسة الحالية فالمباحثات تبقي الاوضاع في حلقة مفرغة، كما ان المقاومة تصبح مجرد انفجارات للكبت، لذا فإن الاصرار على استقامة معادلة احتلال - مقاومة من شأنها ان توفر لحيوية الرفض القاطع للاحتلال مرجعية موثوق بها تحدد المراحل وتؤسس الآليات التي تؤول الى النتيجة المتوخاة، عندئذ تتحول المباحثات الى مفاوضات لأن الاحتلال هو دائما موقت مهما طال، كما ان تفكيك المستعمرات في الاراضي المحتلة يصبح امتثالا للقانون الدولي ولشرعية قرارات الامم المتحدة لا منة من مدّعي «ملكية يهودا وسامرا»، وبالتالي «تنازلات اليمة» علينا الترحيب بها خاصة ان التجاوب يصبح دليلا على «واقعية» كونها اراحت الرئيس بوش والادارة الاميركية.

يستتبع استقامة المعادلة خريطة الطريق التي ينبغي ان لا تبقى بدون خريطة واضحة لدولة فلسطينية وعاصمتها القدس. ولا تعود مجرد مطالبات مكررة منذ الاحتلال احدى الثمار التي انتجها استشهاد الالاف من شعبنا والتي لو توفرت الوحدة لامتنا كانت الواقعية أدت الى اعتراف بأن المشروع الصهويني اغتصب فلسطين وراء الخط الاخضر مثلما يجب ان يعترف فورا بأنه بعد حزيران 67 احتل الاراضي الباقية من فلسطين التاريخية. بمثل هكذا اعتراف يتم تحرير فلسطين وكذلك تحرير اليهود من قبضة العنصرية الصهيونية. وإذذاك تتم المصالحة التاريخية والمواطنية الواحدة.

هل تستطيع ان تكون استقامة المعادلة في ما يتعلق بالاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية ممهدة للمصالحة؟ كما جعلت تجربة مانديلا ما بدى مستحيلاً ممكناً. فتشوا عن مانديلا العرب.

كاتب وصحافي عربي.