الورقة السورية الأخيرة - منذر بدر حلوم - السفير

 

 

 

ليست الورقة السورية الأخيرة كورقة اللبلاب التي رسمها بيرمان على الحائط المقابل لسرير احتضار جونسي، إنقاذا لها من الموت كانت جونسي أو جوانّا تنتظر الموت مع سقوط الورقة الأخيرة عن شجرة اللبلاب المقابلة لسرير احتضارها في قصة الكاتب الأميركي (O.Henry) (الورقة الأخيرة). فإذا بورقة لا تهزّها الريح ولا يهتك نسيجها الصقيع، ورقة لا تسقط، وإذ هي لا تسقط تستقوي بها جونسي على مرضها فتعيش كما تعيش الورقة المنقذة. فمن هو الفنان الذي يرسم ورقة الأمل السورية الأخيرة في وقتٍ عجز فيه فنانو الولاء عن رسم وَهْمٍ جديد يعيد الحياة والشباب إلى سلطة يثقل عليها مرضها القاتل (عماء المال والمصالح الشخصية)؟ أيكون هذا الفنان هو شعب لبنان وتكون الورقة الأخيرة هي الشعب السوري؟ ولكن، الشعب السوري غير المصلوب على جدار، كورقة بيرمان، هو المعني بالسؤال!
لم تكن شجرة السلطة في سوريا البعث عارية من الأوراق، في يوم من الأيام، كما هي اليوم. فقد تساقطت الأوراق عنها واحدة تلو الأخرى. وإذا بالهبّة الأخيرة تسقط ورقة لبنان بعد ورقة فلسطين. فهل يكون ثمة ورقة أخيرة تنظر إليها عينا السلطة، أملاً بربيع يعيد إليها النسغ؟
لنترك الاستعارات والمجاز جانبا ولنعد إلى الواقع السوري، الواقع الذي لم يعد يحتمل الفرجة والانتظار. ففي هذا الواقع ترتّب أوراق وتوضّب حقائب وتنز جراح. هو واقع عار لم تعد الشعارات واليافطات قادرة على ستره. هو واقع أهدرت فيه آلاف السنوات من أعمار الشباب، وزهقت فيه آلاف الأرواح من مختلف الأعمار، ونهبت فيه ثروات طائلة تحت غايات جليلة، حينا، وشعارات برّاقة، حينا آخر... وكل ذلك تمَّ باسم الشعب. ومع ذلك، وقد يكون في ذلك سخرية القدر، فليس بيد السلطة السورية ورقة، اليوم، إلاّ ورقة الشعب.
أجل، فالشعب هو الورقة الأخيرة. هو الشعب نفسه الذي تحددت علاقة السلطة به بالريبة والخوف والقمع، الشعب نفسه الذي طالما صفّق لاحظوا أنني أستخدم صيغة الماضي بناء على أوامر عليا وتوجيهات، وأيّدَ وأفدى بناء على إيعازات وإيحاءات.
لم يبق إلا ورقة الشعب، ولن أقول (للأسف!)، فالأسف واجب ليس على أن الشعب ورقة أخيرة، إنّما على أنّ السلطة، رغم مأزقها، تصر على عدم رؤية هذه الورقة، أو تريد أن تراها منزوعة الحياة، كواحدة من الأدوات لا أكثر ولا أقل، أداة يُلقى بها في الشارع وتسحب منه عند الانتهاء من استعمالها، لتُلقى في سلّة المهملات أو في المستودعات، في أحسن الحالات. لا بد من أنّ كلمة مستودع تذكّر البعض بمستودعات الإسكان العسكري والرواتب السبعة (جامات الغضب) غير المدفوعات (وما التأنيث إلا لتلطيف الأسى).
لكن استخدام ورقة الشعب لا يكون برغبة ثم قرار ثم إيعاز، لا يكون بإنزال بعض الشعب إلى الشارع في مسيرات فيها من التهديد المسكوت عنه لبعض الشعب الآخر الذي لم ينزل أو يفكّر بالاعتراض أو المعارضة، مثلما فيها من التأييد المعلن للسلطة التي لست أدري إن كانت تعي عمق مأزقها أم هي مشغولة عنه بالأحلام والأوهام والمعجزات. ليس من منقذ إلا الشعب. لكنه ليس الشعب الذي يصوّت بنسبة تقارب المئة بالمئة لصالح القصور ثم ينزل لنهب محتويات هذه القصور وتخريبها قبل أن يجف حبر بروتوكول انتخابات الولاء المطلق. فأنى لمثال العراق أن يُعجب أحدا، وأنى لواقع عراق صدّام وما بعد صدّام أن يكون أفقا ينشده أي عاقل، بصرف النظر عن أن يكون وطنيا أو لا يكون. إنّما المقصود شعب آخر ما زال بالإمكان إحياؤه.
إحياء الشعب
أجل، ثمة حاجة، كما ثمة إمكانية اليوم، لإحياء الشعب السوري. فنحن اليوم نقف على (حافة البداية)، ولا أقول حافة الهاوية. فالحافة قد يعقبها مهوى السقوط وقد تكون رافعة للطيران. ثمة حاجة لإحياء الشعب السوري قبل أي شيء آخر. ثمة حاجة لتحويله من جمهور تُستنفر غرائزه على قرع الطبول، من جمهور يمكن أن يدخل في حالة هيجان تعصف بكل شيء، إلى شعب يمكن أن يلعب بعضه مع بعضه الآخر فيخسر هذا ويربح ذاك ويلهو ويعمل، فيعيش الجميع.
الشعب السوري، اليوم، بحاجة إلى إحياء. لكنني، لست واثقا، البتة، من أن سلطة (البعث) التي جاهدتْ في نشر الخوف والضعف والعجز وخدر اللامبالاة في شعب(ها)، السلطة التي أبلت في تحويله إلى حالة شبه قطيعية المعذرة يا شعبي! قادرة على إعادة إحيائه على الرغم من كل ما تعنيه كلمة (بعث) من إحياء. فمن الواضح أن التحدي يخرج عن حدود اللغة، ومفارقاتها الساخرة، إلى ساحة الواقع والتاريخ. فكيف يكون إحياء الشعب السوري وبِمَ يكون؟
يكون إحياء الشعب السوري، وإن شئتم بعثه، أولا، وقبل كل شيء، بالمواطَنة، بتحويل الناس إلى مواطنين، يتعاقدون، أحراراً، على صيغة عيش مشترك وصيغة دولة تشملهم ونظام حكم يدير شؤونهم. كُتِبَ في ذلك الكثير وقيل الكثير، لكنّ أحداً من الذين يرون قوة السلطة في نزع المواطنة عن (المواطنين) السوريين لم يُصْغِ، وأحداً لم يفعل شيئا يثبت حتى حسن النوايا. ويكون إحياء الشعب السوري، ثانيا، بالتصالح مع الشعب، بوصفه مفهوما جامعا لمواطنين أحرار، كي لا تكون المصالحة على طريقة المخاتير وشيوخ العشائر والقبائل. وأمّا التصالح مع الشعب فيقتضي قبل كل شيء الاعتراف بالأخطاء والمظالم والانتهاكات التي ارتكبت بحقّه، والاعتذار عنها بصورة علنية واضحة لا تقبل اللبس، ثم تعويض من وقعت عليهم أفعال الظلم السابقة عما كابدوه وفقدوه، أملا بأن يستميحوا أنفسهم الجريحة وكراماتهم المهانة وسنوات عمرهم الضائعة العذر ويطلبوا من إلههم العفو. تعويضهم ليس من أموال الخزينة العامّة، إنّما من المال العام المنهوب والمودع إلى غير رجعة في حسابات خارجية، إلى غير رجعة ما لم يُكشف عنه اليوم قبل الغد.. فثمة في تاريخ سوريا البعثي الكثير مما يجب الاعتذار عنه والتعويض عنه.. الاعتذار ممن امتهنت كراماتهم أو أُهدرت أعمارهم أو أُزهقت أرواحهم، من أقصى أرياف اللاذقية إلى حاضر حماه؛ وبعد ذلك يكون ممكنا توسّل طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة تتجاوز الاحتقانات وتَوارُثَ الأحقاد وتعميم المسؤوليات عما ارتكب هنا وهناك. وأما عكس ذلك فيعني السير برعاية الشيطان إلى الجحيم؛ إلى جحيم يكون فيه الجميع معا في الأتون، بينما ترقص على جدرانه مبتهجةً طائفة الشياطين.
من الواضح أنّ العرض أعلاه لم يستنفد الأشياء التي على السلطة فعلها للاستفادة من ورقة الشعب والإفادة منها. فهناك الكثير من التفاصيل التي يجب الاشتغال عليها، اشتغالا عامّاً مشتركاً يهدف إلى الخلاص. وقد نجد هنا بالذات مفارقة سورية؛ مفارقة في أن يبحث الشعب السوري عن مخارج تنقذ السلطة التي طالما استهانت به. وقد لا يكون في ذلك مفارقة إنما وعيٌ فطري لدى الناس، وعيٌ يُقارِبُ الإيمان بأن خلاصهم إنّما يأتي من خلاص سلطت(هم). حيث الخلاص، هنا، يقارب مفهومَه الديني إلى أقصى الدرجات. فخلاص السلطة يكون بتخففها مما ارتكبته من خطايا ومما اقترفته من آثام وذنوب، وتوبتها عن كل ذلك أمام الشعب، وطلب الغفران منه.. ولها بعد ذلك أن تتوب أمام الله أو لا تتوب. وأمّا خلاص الشعب فيكون بالسير في درب الآلام معا، وفي تآخي الجراح. وأمّا الشعب الذي يتآخى بالجراح ويتعالى عليها فيكون كلُّ قوّيٍ قوياً به أو لا يكون!
قد يقول قائل: ولكن الشعب ورقة لا يرسمها أحد على جدار، إنّما هي موجودة وليس لريح مهما عتت أن تقتلعها.. صحيح! أقول ولكن الشعب، بما هو مفهوم جامع، لا يمنع إمكانية التباين والاختلاف والتناقض إلى حد التضاد، بل التقاتل ما لم تُحدّد المسؤوليات وتُرقى الجراح. الشعب يكون قبائل وطوائف وعشائر وفرقا شتى.. يكون شعوباً في ظل غياب المواطَنة الجامعة، المواطَنة بما هي تعاقد حر على كل شأن مشترك. ولذلك فإن الشعب السوري يحتاج اليوم إلى أكثر من مجرد رَفْع ما تراكم عليه من غبار الإهمال ومن رماد حرائق السلطة وبقايا راياتها ويافطاتها.. ولا يكفي السلطة السورية، اليوم، أن تمد يدها لإخراج الشعب، بصفته ورقة أخيرة، من ظلام مستودعاتها، بل لا بد من فعل الكثير، مما أتى عليه القول أعلاه وسواه، من أجل أن يغدو الشعب ورقةَ قوةٍ لا ورقة مغامرة قد يؤدّي إخراجها إلى الهلاك.
درب الآلام المشترك
وعلى درب الآلام المشترك لا بد من قبول شكاوى البعثيين من أبناء شعبنا والنظر في احتجاجاتهم بعين العطف، وأعني، هنا، العطف السياسي، ذلك أنّ المقام ليس مقام قُبَل وبكاء.. احتجاجاتهم على أن السلطة سلطة عسكر وجِعالات، لا سلطة البعث، وعلى أنّ البعث نفسه ضحية كمثل الشعب... أقول ذلك فيحضرني السؤال عن علاقة الجِعالة بالجُعَل الذي يدحرج الروث صانعا منه كرات يدفعها إلى الأمام، فإذا بها أفقه وإذا بها مستقبله! أتراني أنتصر للبعث هنا أم أنتصر للشعب؟ لكليهما! فالشعب يكون بالجميع، راجيا ألا يكون الروث أفقنا!
وأما قبول الاحتجاج أو الانتصار له فلا يغيّر من مسؤولية حزب البعث التاريخية. إن لم يكن مسؤولية السلطة ومشاركتها أخطاءها وارتكاباتها، فمسؤولية السكوت عنها، مع كل ما يعنيه السكوت من تواطؤ. من الواضح أنّ أقصى ما يستطيعه البعث، الآن، كحزب يُحكم باسمه أو كحزب حاكم، هو البحث عن سبل تجنبه مواجهة (شعبه) له بصفحات صفراء وسوداء وحمراء من تاريخ الإنجازات الثورية... صفحات من جهل الاعتقاد بقدرة كيمياء السلطة على تغيير لونها، أو تذويبها أو تحويلها إلى عُفار تذروه ريح ما، صينية أو كورية أو روسية أو كربلائية. فالرياح اليوم تهب من جهة واحدة، أعجبتنا هذه الجهة أم لم تعجبنا. وهي رياح لا يفيد معها إلاّ الشعب. وأمّا الشعب المنادىَ بصفةِ المواطَنة فله، إذا شاء، أن يغالب دمعه مكابرا ويخرج انتصارا لأفقٍ ممكن، وله أن يجهش على صدور ظلاّمه، مهدّئا من روعهم، كما له أن يفعل أي شيء يراه. فما يقررّه الشعب الحرّ هو الصحيح، بصرف النظر عمّا يكون.
وأمّا الشعب السوري فمَن مِن أبنائه، اليوم، لا يتوجس المخاطر، الخارجي منها والداخلي؟ من منّا لا يبحث عن طريقة للخلاص العام؟ والسؤال هنا، بالطبع، لا يشمل أولئك القلة المنتفعين الذين يبحثون، وقد وضّبوا حقائبهم وتفقدوا حساباتهم المصرفية، عن مكان يفرّون إليه؟
لعلّ شعبنا السوري ينبعث من صلب هذا البحث. لعلّه يغدو ورقة قوة لا ورقة ضعف. لعلّ اللاعبين ينتبهون، هذه المرّة على الأقل، إلى ورقة الربح التي تناديهم. لعلّ صلفهم وإدمانهم الهزائم أمام الخارج لا يجعلانهم يعرضون عن هذا المارد العظيم! فالخسارة ستكون كبيرة إذا ما أعرضت السلطة عن الشعب، لأن طاقة التفاعلات التي تعتمل فيه اليوم أقوى بكثير من طاقة الانفجار الذي أخرج لبنان إلى الشارع.
ويا للمفارقة! فلبنان الذي يتشنج بعضنا حياله اليوم، هو الذي يرسم الورقة، التي على غرار جونسي، تجعل حياتنا ممكنة، وهو نفسه لبنان الذي يتيح لسلطت(نا) السورية أن تكتشفنا نحن شعب(ها) المنقِذ إذا ما أحسنت الوقوف أمامنا. فهل ينشر الربان شراع الشعب بعد أن يرتق مزقه ويرقي جراحه ويشد بنيانه فيبحر معه إلى أفق جديد، أم يُعرِض عنه، فإذا بالريح تهتك الجميع وتفتك بهم!؟
لحظتان للتأمل وثالثة لاتخاذ القرار! فقد يكون المستقبل لمن يعتصم بحبل مصالحة الشعب من الحاكمين اليوم.