مستقبل لبنان والعلاقات السورية - اللبنانية - حازم نهار- النهار

دمشق...

رأى النظام السوري لدى صدور القرار 1559 أنه "كان جاهزاً قبل فترة ليست قصيرة، وهو يهدف للوصول إلى غايات أخرى بعيدة كل البعد عما تم طرحه كأقنعة للتمويه على الغايات الحقيقية"، أما عن الغايات فإنها تستهدف "طبيعة العلاقات القائمة بين سوريا ولبنان، والمبنية على تمازج المجتمعين، وعلى روابط التاريخ والجغرافيا، والتي استعصت على التحديات بفضل التلاحم بين الشعبين والتضحيات المشتركة التي قدماها في مراحل مختلفة". بالنسبة الى أبعاد القرار، لا يمكن نفي علاقته بالتدخل السوري الفج في الشؤون اللبنانية، فصدوره لم يكن حتمياً، رغم معرفتنا بالضغوط الأميركية على سوريا وانتظار الولايات المتحدة الفرص المناسبة التي غالبا ما تأتيها من أخطائنا.

أما العلاقة بين الشعبين، فلا يمكن أن نغمض أعيننا عن حقيقة الوضع، ونتجاهل مشاعر الإهانة والإحباط لدى معظم اللبنانيين إزاء السلوك السوري في ما يخص مسألة التمديد، وخصوصاً في ظل تاريخ طويل من الاستهتار بمطالب اللبنانيين وحقهم في اتخاذ قراراتهم المستقلة.

يقيناً أن التمديد كان بلا فوائد من أي نوع. فهو لم يصب في المصلحة السورية أو اللبنانية، أو في مصلحة العلاقة بين البلدين، في حين كانت الأضرار واسعة، وخصوصاً التوافق الذي حصل بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، مما فاقم العزلة الدولية للبلدين، وهذا إنما يعبر عن رؤية خاطئة في قراءة الخلافات الأميركية - الأوربية حول مستقبل المنطقة.

واقعياً لم تنعدم الفرص أمام وجود خيار آخر غير التمديد، لكنها مشكلة السياسة الخارجية السورية التي لا تزال تمارس أساليب قديمة تتوافق مع منطق الحرب الباردة، في بيئة دولية متغيرة باستمرار. لا تزال مثلا تؤثر الوصول إلى التوافق مع أميركا من طريق سياسات المقايضة التي تحافظ على النظام من جهة، وتؤمن المطالب والمصالح الأميركية المتزايدة من جهة أخرى، في محاولة للهروب من استحقاقات الإصلاح الديموقراطي في الداخل.  

لكن يبدو أن هذه السياسات لم تعد مفيدة ، ولا ضامنة "للاستمرار والاستقرار"، فالسياسة الأميركية ذاهبة، كما ظهر ، إلى ما هو أبعد من ذلك، والمسألة كانت تتعلق بالوقت والفرصة المناسبين وحسب، وهنا جاءت حادثة اغتيال رفيق الحريري لتشكل مدخلاً مناسباً للسياسات الأميركية في المنطقة.

اغتيال الحريري وما بعده

كان اغتيال الحريري، الشخصية السياسية المميزة، فاصلاً بين مرحلتين، وذلك بسبب النتائج والتداعيات النوعية التي خلقها، فقد أعطى الحدث دفقاً غير عادي، وفرصة نادرة للمعارضة اللبنانية التي تطالب بالانسحاب السوري، وخصوصاً أن هذا المطلب ينسجم مع التوافق الدولي الذي تجسد في القرار 1559. وبغض النظر عمن قام بالاغتيال، فإن هذا الحدث وقع وبالاً على النظام السوري، فلبنان الذي كان نقطة قوته أصبح مصدر إضعاف وإحراج له.

أوربا (فرنسا على الأخص) استفادت من تجربة الحرب على العراق، وتريد لها موطئ قدم في الشرق الأوسط، ولبنان هو الواحة الفضلى والأقرب لها، أما الولايات المتحدة فتسعى الى نجاح ما في المنطقة، قليل الكلفة وسهل المنال نسبياً، وخصوصاً بعد الفشل الظاهر حتى الآن في العراق، بالإضافة الى تخليص النظام السوري أوراق القوة التي يحتفظ بها، تمهيداَ لتغييرات جدية في المنطقة. أما المشروع الظاهر لهذا التوافق الأوربي - الأميركي فهو إقامة نظام حكم ديموقراطي في لبنان، ليكون الأساس الصلب لنشر الديموقراطية في الشرق الأوسط.

سلوك المعارضة اللبنانية، حتى الآن، سلوك متوازن باستثناء بعض الأصوات المتطرفة (حملات العداء والكراهية) التي تسعى الى تسعير الوضع والوصول به إلى آخر المطاف، وهي إن كانت مدانة بالطبع ( لأنها في الضرورة الوجه الآخر للسياسات التي ترفضها وتعمل ضدها)، فإننا لا نستطيع إلا أن نرى أنها تتغذى من السياسات الخاطئة للنظام السوري والحكومة اللبنانية على حد سواء. هذه الأصوات هي، على ما يبدو، السبب في عدم كسب المعارضة اللبنانية تعاطف الشارع السوري.

ظهر هذا التوازن في تمسكها بتطبيق اتفاق الطائف، وبوحدة لبنان، ومحاسبة المقصرين، وتأكيد إقامة علاقات متكافئة وثيقة مع سوريا، وتأكيد احترام ما قدمته المقاومة اللبنانية (حزب الله ) وعدم التفريط به. لا يضير المعارضة في شيء توافق بعض مطالبها مع ما تنادي به أوربا وأميركا، فخطاب الرفض والتشنج والحديث عن العدو الخارجي واتهام الآخر لمجرد الاختلاف معه وتخوينه، أصبح لعبة مكشوفة، فضلاً عن أن هذا الخطاب لا يحمي وطناً أو مستقبلاً من الضياع.

معظم قوى المعارضة تريد علاقة قوية واستراتيجية مع سوريا، لكنها تريد في الوقت نفسه أن يكون لبنان معافى وصاحب قرار وموقف وسيادة وديمقراطياً، وتخاف الانزلاق نحو نظام أمني استبدادي.  

الحكومة اللبنانية فقدت توازنها مع حادث الاغتيال و ما تلاه، أما خطابها فلا يزال يرتكز على مفردات الماضي، وهي تدين نفسها بنفسها. فاستقرار الوضع اللبناني بالنسبة اليها مرهون بالوجود السوري، وهي لذلك خائفة على هذا الاستقرار حتى من "فرقيعة صغيرة" على حد تعبير الرئيس إميل لحود، والسؤال البديهي: ما هذا الاستقرار الذي قد تودي به "فرقيعة صغيرة"، وأين كانت هذه الحكومة وجهودها خلال السنوات الماضية لتدعيم هذا الاستقرار؟

أما السياسة السورية التي قللت في السابق، كعادتها، من أهمية القرار 1559، وبسبب عدم إدراكها لضيق هامش المناورة بعد التغيرات الإقليمية، رغم أن كل الدلائل كانت تشير إلى عدم إمكان اللعب على التناقضات الدولية، فإنها تعاملت مع حادث الاغتيال وتداعياته بشيء من الاستخفاف وعدم الاكتراث في البداية، أملاً في أن يأتي المستقبل القريب بما يحافظ على دورها بأقل الخسائر الممكنة.

لكن ما حدث كان عكس ذلك، إذ ازدادت الضغوط عليها، ووضعت وجهاً لوجه مع استحقاقات القرار 1559، ولم تكد تلتقط الأنفاس خلال فترة ما بعد اغتيال الحريري إلا مع تظاهرة حسن نصر الله في 8 آذار الجاري. لكن هذه التظاهرةلم يكن لها ذلك الصدى المراد لدى النظام الدولي الذي رأى أن لحظة الحقيقة هي بعد الانسحاب الفعلي الكامل، وعندها سيكون في الإمكان تقدير شعبية النظام السوري بشكل حقيقي في لبنان. وحسبما يرى البعض فإنه مع كل انسحاب سوري سيزول جزء من الخوف، الأمر الذي سيؤدي إلى اتساع رقعة المعارضة، وخصوصاً بين اللبنانيين الذين لم يكونوا واثقين من أن الانسحاب يمكن أن يصبح حقيقة واقعة.

وضعت السياسة السورية اتفاق الطائف، الذي كان يفترض تطبيقه قبل 12 سنة تقريباً، في مواجهة القرار 1559، ثم حضر القرار 1559 بحكم الضغط الدولي المتعاظم والمتسارع وغاب اتفاق الطائف، واتجهت السياسة السورية نحو التشكيك في المعارضة اللبنانية وفي علاقتها مع الخارج، والإشارة الى احتمال عقد اتفاق سلام منفرد مع إسرائيل، على الرغم من الحقيقة التاريخية التي تأكدت في أكثر من مناسبة، والتي تقول إن السياسات الخاطئة هي خير الأبواب للتدخل الخارجي.

كان قرار الرئيس الأسد بالانسحاب قراراً حكيماً بالفعل، رغم ما يقال إنه ما كان ليأتي لولا الضغوط الدولية المتواترة. لكن الغريب الذي حدث هو التوجه الضاغط نحو الداخل السوري لضبطه وإعادته إلى أجواء فات عليها زمن طويل، وخصوصاً الطريقة التي تعاملت بها الأجهزة الأمنية مع التظاهرة السلمية للطيف المعارض في سوريا يوم 10/3 الجاري لمناسبة مرور اثنين وأربعين عاماً على إعلان حال الطوارئ، بدلاً من خطوات حكيمة وضرورية تتجلى في الانفتاح نحوه والاستقواء به في ظل بيئة متغيرة على الدوام، لا نعرف ما ستأتي به في المستقبل القريب.

مستقبل الوضع اللبناني والعلاقات السورية - اللبنانية

سيخرج الجيش السوري والمخابرات السورية من لبنان، ويبدو أن الخروج سينتهي في وقت قريب. هذه إحدى الحقائق الواضحة في الوضع اللبناني، غير أن هذا الأمر ليس نهاية المطاف، فالأسئلة المطروحة عديدة حول مستقبل لبنان، والعلاقات السورية - اللبنانية.

الوضع اللبناني لا يزال حتى اللحظة يبشر بالخير، فالانقسام الحادث في المجتمع اللبناني هو انقسام سياسي لا علاقة له بالطائفية المقيتة، والخلافات الحاضرة هي خلافات بين مشاريع سياسية مستقبلية لا علاقة لها بصراعات الحرب الأهلية.

ثمة نقاط تقاطع واضحة بين المعارضة ومؤيدي سوريا ( في ما عدا الحكومة اللبنانية) ، أهمها الاتفاق على إقامة علاقات استراتيجية قوية مع سوريا، ورفض إقامة صلح منفرد مع إسرائيل، وتأكيد دور المقاومة في تحرير الجنوب اللبناني، والحفاظ على السلم الأهلي، وتأكيد الهوية الوطنية اللبنانية على حساب الهويات الأقل. هذه التوافقات تصلح، فيما لو أديرت الحال السياسية في شكل صحيح، لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتحت رقابة قضائية وحقوقية عادلة، ولبناء لبنان حر وديموقراطي.

المخاوف كثيرة، لعل أهمها ما يتعلق بالرؤية الأميركية للمنطقة، والمشاريع الموضوعة أمام الإدارة الأميركية، والمستقبل الذي ينتظر "حزب الله". إذ رغم التوافق الظاهري حوله، إلا أن أسئلة عديدة تطرح حول إمكان تأقلم الحزب مع واقع جديد قد لا يكون مسموحاً فيه أن يحمل السلاح (وخصوصاً بعدما أيد البرلمان الأوربي في 10/3 بأكثرية ساحقة قل مثيلها اتخاذ إجراءات تهدف إلى وضع حد "للأنشطة الإرهابية " لـ"حزب الله") .

يعي "حزب الله" تلك االأخطار، فهو حتى عندما يطالب بتنفيذ اتفاق الطائف، يعرف تماماً إنها تقول بنشر الجيش اللبناني حتى الخط الحدودي، و هو لا يزال يرفض ذلك حتى الآن. "حزب الله" الذي حرر الجنوب يمكنه بقليل من الحكمة قبول بسط سيادة الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها على كامل الأرض اللبنانية، وأن يساهم هذه المرة في استعادة الجنوب إلى الدولة، بعد أن قام بدوره التاريخي في إنجاز التحرير.

كان يمكن العلاقات السورية - اللبنانية المستقبلية أن تكون أفضل لو لم يحدث التمديد، ولو جاء الانسحاب بمبادرة سورية من دون ضغوط دولية. لكن يمكن القول بأن مستقبل العلاقات بين البلدين رهن بخروج لبنان معافى من أزمته السياسية، وبما يمكن أن تقفز إليه السياسة الأميركية في المستقبل القريب تجاه المنطقة، والأهم بتطورات الوضع الداخلي في سوريا، إذ إن احتمال حدوث تطور إيجابي نحو علاقات طبيعية خالية من عناصر الهيمنة والتدخل في الشأن اللبناني، ولتصب عندها فقط في إطار المصلحة القومية، يتوقف على حدوث تغيير في الآليات غير الديموقراطية الناظمة لعلاقة السلطة بالمجتمع السوري، والإفراج عن إصلاح محتجز منذ أمد بعيد لدى النخبة الحاكمة، في وقت تتزايد ضرورته والحاجة إليه .