المعارضة السورية بين منطقين:

منطق تدمير الوطن في سبيل إسقاط النظام.. ومنطق تقدير الخطر المحدق لإنقاذ الوطن

أسامة أبو ارشيد - القدس العربي

شهد الملف السوري تحريكا جديدا في الآونة الأخيرة، ولكن هذه الحركية لم تأت علي جبهة تداعيات الملف اللبناني الملتهب، وذلك بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وانفجار صاعق لبنان في وجه سورية، كما أنها لم تأت استجابة من نظام الحكم لتطورات داخلية أو خارجية، بقدر ما أن الحركية هذه المرة جاءت من جبهتين للمعارضة السورية، واحدة في واشنطن والثانية في لندن. وعندما أقول جبهتين للمعارضة، من واشنطن ولندن، فإنني أشدد علي ذلك متعمدا، حيث أن الأطلسي لم يكن هو البون الوحيد الشاسع بين هاتين المعارضتين، بقدر ما أنه كان بينهما بون آخر أكثر اتساعا، يتمثل في خلفيات المعارضتين ومفردات الخطاب، لا من منظور الأحقاد التاريخية ورغبات الثأر والانتقام، فحسب، كما تمثلت ذلك المعارضة التي اجتمعت في واشنطن، بل أيضا من زاوية النظرة الواعية المتعالية علي الجراحات والمظالم، والتي مثلتها المعارضة في لندن، والتي وضعت نصب عينيها مستقبل الوطن سورية ، لا تصفية حسابات شخصية وفئوية وسياسية، علي جماجم الشعب السوري، وباسمه!

الأنموذج الأول من المعارضة اجتمع يوم الخميس (24-3-2005)، في مقر وزارة الخارجية الأمريكية مع ممثلين عن وزارة الخارجية والدفاع، وأشارت بعض التقارير إلي حضور ممثلين أيضا عن البيت الأبيض ومكتب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني لهذا اللقاء. في حين حضر عن الجانب السوري المحسوب علي المعارضة، مجموعة من الطيف السوري المعارض في أمريكا، وعلي رأسهم فريد الغادري، رئيس حزب الإصلاح السوري، وضم الاجتماع كذلك، بعض المحسوبين علي الإسلاميين السوريين أيضا. ورغم أن الغادري لا يتمتع بأي دعم شعبي، وليس لديه أي امتدادات داخل الفضاء السوري.. وعلي الرغم أيضا من أن واشنطن بوست أشارت إليه ولحزبه علي أنه نسخة عن حزب المؤتمر الوطني العراقي، الذي يتزعمه أحمد الجلبي، وأعتمد عليه الأمريكيون في بداية غزوهم للعراق، ليفاجأوا بأن الرجل لا يحمل أي صفة وزنية في الساحة العراقية، ليتخلوا عنه في مرحلة تالية، إلا أن الشخصيات السورية المعارضة التي دعيت إلي هذا الاجتماع، انتخبته ناطقا باسمها في الاجتماع، مع أن من بين المشاركين من له حضور حقيقي في الساحة السورية، حتي ولو من باب الانتماء التنظيمي أو الإيديولوجي، ومع أن أحد هؤلاء، أيضا، من ذوي الوزن الحقيقي سوريةً، علي الأقل من ناحية الانتماء الفكري أو السياسي، أستاذ جامعي أمريكي، يحمل درجة الدكتوراه من جامعة أمريكية في العلوم السياسية، مما يجعله الأكثر أهلية ليكون الناطق باسم هذه الشخصيات، إلا أنهم جميعا يتفقون علي الغادري.. لماذا؟ أظن أن الإجابة في منطقهم تمثلت ببساطة، بحقيقة كون الغادري برؤيته الجذرية للتغيير في سورية وعلاقاته أمريكيا، أكثر قبولا منهم، أو هكذا يظنون، إلا أنني لا أتفق مع ظنهم هذا، إن كان فعلا كذلك، حيث أن الممثلين عن الإدارة الأمريكية أشاروا بوضوح قبل بدء الاجتماع بأن هدف الاجتماع، هو إضعاف النظام السوري لا قلبه وإسقاطه، في حين كان بعضهم يطالب بإسقاطه، فضلا عن أن أمريكا في تقديري، تعلمت من درس الجلبي.

عندي سؤال أحب حقيقة أن أجد جوابا له في تفكير تلكم الشخصيات، السؤال هو: هل فعلا أن تلك الشخصيات مقتنعة بأن الولايات المتحدة تريد إضعاف النظام السوري، أو إسقاطه، كما يطمح إلي ذلك بعضهم، وذلك لأنه نظام دكتاتوري، أجرم بحق شعبه ومنعه من حرياته وداس كرامته، كما تتفق المعارضة السورية كلها، أم لأن له مواقف لا تقبل بها أمريكا الآن وهي في مرحلة صياغة بني الشرق الأوسط الجديد؟ بمعني آخر، لو قام الرئيس بشار الأسد بالانسحاب من لبنان، وتفكيك حزب الله، وطرد قادة المنظمات الفلسطينية المقاومة، وتوجه نحو القدس ليصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، وليفاوضه بشروطه (أي شارون)، حول مستقبل الجولان، أكانت ستبقي أمريكا ساخطة علي النظام السوري، وأكانوا هم حلوا ضيوفا مرة أخري علي الخارجية الأمريكية؟

ليس ثمة مشكلة في المعارضة لمصلحة سورية وشعب سورية، وأنا لا أشك أن عددا علي الأقل من الحضور، الذين أعرف بعضا منهم بشكل سطحي، وربما أعرف عنهم أكثر مما أعرفهم شخصيا، غيورين فعلا علي مصلحة وطنهم، ولكن قد تكون تشوشت لديهم البوصلة. وليس ثمة مشكلة أيضا، في أن يكون الإنسان معارضا، فهذا حقه، وتغيير الظلم والطغيان فريضة، ولكن السؤال يبقي علي أي أرضية وفي أي اتجاه تكون المعارضة؟ أفي اتجاه مصلحة الشعب، أم في اتجاه مزيد من صهينة المنطقة، وإلغاء كافة عناصر الممانعة فيها!؟ أترك هذه المعارضة مع هذه الأسئلة لتجيب عليها، وأنتقل الآن إلي المعارضة الثانية، معارضة لندن.

فيوم الأحد (3/4/2005)، بادر الإخوان المسلمون السوريون إلي طرح مبادرة للإصلاح من منفي قيادتهم في لندن، تدعو إلي مؤتمر وطني عام للإنقاذ والتغيير . المبادرة انطلقت من هموم الوطن وضرورة تقدير الخطر المحدق به، لا من أحقاد وثارات ورغبات في الانتقام، كما تشير إلي ذلك المبادرة بوضوح شديد. وبالمناسبة، ولمن لا يعلم، فإن أحدا ليس أحق في سورية من طلب الثارات وتعبئة الأحقاد من الإخوان المسلمين. فما فعله بهم نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد مطلع الثمانينات من القرن الماضي، تدخل في التعريف القانوني ضمن جرائم الحرب، حيث قتل النظام منهم الآلاف في دمشق وحمص وحلب وحماة وتدمر، وسجن عشرات الآلاف، وشرد مثلهم، وما زال ملف المفقودين مفتوحا إلي هذا اليوم، والحديث هنا ليس عن عشرات بل مئات إن لم يكن الالاف من المفقودين الذين لا يعرف مصيرهم. ولكن الإخوان أثبتوا في مبادرتهم أنهم طلاب مصلحة وطن، لا نكأ جراحات. تقول الجماعة الإخوانية السورية في مبادرتها، إنها إذ تنطلق في ندائها هذا، من رؤيتها الشرعية ومسؤوليتها الوطنية، وحرصِها علي إنقاذ الوطن من الطوفان القادم، لتؤكد أننا جميعاً شركاء في هذا الوطن، وأنه لا يمكن لأحد أن يلغي الآخر، أو يحول بينه وبين المشاركة في عملية الإنقاذ ، مشددة علي أننا لسنا طلاب ثأر، ولا دعاة انتقام، ولن نقابل الظلم بالظلم، بل نحتسب عند الله ما أصابنا، وننطلق بقلوب مؤمنة نقية، لنحمل مسؤوليتنا في مشروع السلام الوطني، ونبني مع أبناء شعبنا صفاً وطنياً مرصوصاً عزيزاً، ندياً بالحب والإخاء ، معتبرة أن الخطر الداهم يتطلب من الجميع التعالي علي الجراح، وتقديم المصلحة العليا للوطن، لتتضافر كل الجهودِ للإنقاذ والتغيير، فالزمن لا يتوقف ولا ينتظر، والتاريخ لا يرحم، والشعب لن يغفر ، كما جاء في النداء. وعرضت الجماعة في ندائها، لعدد من الخلفيات التي أوضحت أنها تشكل رؤية تفرض الدعوة إلي موقف وطني يقدر الخطر المحدِق حق قدره، فالمرحلة تحتاج إلي قرارات جريئة حاسمة، وتؤكد أن طريق إنقاذ الوطن أصبح باتجاه واحد لم يعد أمامنا غيره، ولم يعد يحتمل التأجيل والتسويف، أو الترحيل إلي مؤتمر قطري أو غيره .

لقد انطلق إخوان سورية من مصلحة الوطن أولا وأخيرا، متخذين من التغيير الداخلي منهجا لهم ومسلكا. وفي هذه المبادرة، لم ينافق الإخوان نظام الحكم في دمشق، بل هم طالبوا بكل الإصلاحات ورفع المظالم وتأدية الحقوق إلي أهلها، و تبييض السجون، وإعادة الكرامة والحرية للشعب، وتمكينه من الانتخاب الحر والسليم، والسماح بعودة المهجرين، وإلغاء قوانين الطوارئ، والقوانين الاستثنائية، والأحكام العرفية، ووقف كل أشكال الفاسد ومحاربتها، وإدخال إصلاحات دستورية تمنع التسلط والاحتكار للسلطة..الخ. أما عن الدوافع التي تقف وراء إطلاقهم لهذه الصرخة ، فهي تمثل بحق عمق الوعي لدي هذه الجماعة، بأن الوطن والنظام ليسا سيان، حتي وإن تماهيا بقوة بطش الأجهزة القمعية وجبروتها وظلمها. فنجدهم يؤكدون علي هذا المعني الرائع بقولهم إن الأمر يتعلق بنداء نؤكد فيه تمسكنا بالسيادة الوطنية، وبحق شعبنا في حريته واستقلال قراره. كما نؤكد تمسكنا بحقنا في استعادة أراضينا المحتلة، وندعو لفتح كافة الخيارات الممكنة لتحرير أرضنا، بالطرق والوسائل العملية . إنها تنطلق في ندائها هذا، من رؤيتها الشرعية ومسؤوليتها الوطنية، وحرصِها علي إنقاذ الوطن من الطوفان القادم، لتؤكد أننا جميعاً شركاء في هذا الوطن، وأنه لا يمكن لأحد أن يلغي الآخر، أو يحول بينه وبين المشاركة في عملية الإنقاذ . ويحذر بيان الإخوان أن نظام حزب البعث الذي يقود البلد منذ أكثر من اثنين وأربعين عاماً، باعتباره الحزب القائد للدولة والمجتمع، سيتحمل، وحده، وزر الدمار الذي سينزله بالوطن والأمة، في حال إصرارِه علي سياساته، وتجاهلِ نداءات المخلصين من أبناء الوطن ، علي حد تحذيره. وبينما أوضحت الجماعة أن نداءها هذا لا يستثني أحداً: رئيساً، أو حكومةً، أو حزباً، أو جيشاً، أو أجهزة أمن، أو مجلس شعب ، فقد أشارت أيضاً إلي أنه نداء لا يدفعنا إليه خوفنا علي النظام من السقوط، وإنما خوفنا علي الوطن من الضياع، ومسؤوليتنا أمام شعبنا أن يقع في حمأة الفوضي، علي أمل أن يستشعر كل واحد مسؤوليته الكاملة، عما يمكن أن يؤدي إليه الاستمرار في تجاهل هذه الأخطار المحدقة بالوطن، والإعراض عن النداءاتِ الوطنية المخلصة ، كما قالت، معتبرة أنه نداءٌ لإنقاذ الوطن من زلزال هائل بدت ملامحه قاسيةً مدمرة، واجتاحت طلائعه بعض الأقطار المجاورة، وهاهو ذا يقف علي حدودنا يهدد بالاجتياح، ولن تكون آثاره المدمرة قاصرةً علي النظام وحده، بل ستهز الوطن بأسره ، في إشارة علي ما يبدو إلي احتلال العراق وتداعيات التطورات في لبنان.

الآن وبعد هذا الاستعراض المطول، لموقف المعارضة التي عبرت عنها جماعة الإخوان المسلمين السوريين التي تضع مصلحة الوطن نصب عينيها، إدراكا منها أن النظام مهما طال فإن مصيره أن ينقضي ويمضي، ولكن الوطن يبقي، أقول بعد هذا الاستعراض المطول فإني أتوجه إلي تلك الشخصيات التي عبرت عن معارضتها من كواليس الخارجية الأمريكية في واشنطن: ما تراكم فاعلين لو شنت الولايات المتحدة-كما حضها بعضكم-حربا علي سورية سقط فيها ضحايا من شعبكم كذلك العدد الذي فاق المئة والعشرين ألفا في العراق، سوادهم الأعظم من المدنيين المسالمين، من ضحايا تجار الحروب، باسم معاداة النظام، وما يدرون إنهم يعادون أوطانا؟ ماذا تراكم فاعلين، لو فعلها بشار الأسد واستجاب لكل ما تريده أمريكا وإسرائيل منه، وقام برحلة ساداتية جديدة إلي القدس وألقي خطابا في الكنيست الإسرائيلي؟ هل عندها ستدينون عمالته، وأنتم مارستم دورا في دفعه إليها!؟ أم تراكم ستضربون كفا بكف بعد أن لن يعود لأمريكا حاجة بكم للضغط علي نظام البعث في سورية!؟

لا شك أن الوضع في سورية مؤلم وقاتم، ولاشك أن مظالم كثيرة وقعت، ولا تزال، ولا شك أيضا أن ثمة بطشا مستمرا بحق الشعب، ولكن تري متي يدرك الحكم والمعارضة معا في سورية أن الوطن وحجمه ومكانته هم المستهدفون، لا النظام ولا طبيعة علاقته بشعبه. إن المدخل الوحيد لإصلاح الأمور هو أن يعيد النظام تصحيح العلاقة مع شعبه، وأن تلتزم المعارضة مصالح وطنها في معارضتها. ففرق بين معارضة تريد أن تتبدل قمع نظام وانسداد أفقه، باحتلال أجنبي وانتهاك كرامة وسيادة، وبين معارضة تريد وطنا متحررا من بطش نظامه وتسلطه، وذلك في أفق تحشيد عناصر قوته لتدعيم وترسيخ استقلاله ونيل حقوقه. الخوف كل الخوف أن يفعلها الأسد وينفس الضغوط الواقعة علي نظامه عبر البوابة الإسرائيلية ودخول مشروع الشرق الأوسط الجديد، الهادف إلي تغييب كل عناصر الممانعة والكرامة في الجسد العربي، والخوف كل الخوف كذلك، أن يبقي جزء من المعارضة السورية علي عماه ويسير في طريق تدمير وطنه من حيث يدري أو لا يدري. المخرج الوحيد والصحيح للأزمة في سورية هو مدخل الشعب والالتحام به، فهو الأقدر علي المحافظة علي مشروعه ومصالحه وتسييج وطنه، أما جيوش أنظمتنا فإنها ستنهار مع أولي بوارق الصواريخ، ولكم في العراق عبرة يا أولي الألباب.

كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن