العلاقات السورية اللبنانية ومسؤولية القوى الوطنية....

حسين العودات....السفير

 

 

بدأ التباين بين الفعاليات الاقتصادية وبالتالي السياسية في سوريا ولبنان منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، وتأسيس الدولتين السورية واللبنانية بحدودهما الحالية، وقيام نظامين سياسيين واقتصاديين في البلدين لكل منهما خصوصيته. فقد اتجهت الفعاليات الاقتصادية السورية منذ ثلاثينيات القرن الماضي نحو بناء صناعة وطنية تعتمد على بورجوازية صناعية تقليداً لدول أوروبا منذ عصر النهضة، بينما اتجهت الفعاليات الاقتصادية اللبنانية نحو إقامة اقتصاد يعتمد على بورجوازية تجارية وخدمية تكون وسيطاً بين أوروبا الصناعية وبلدان شرق المتوسط، وهكذا عملت البورجوازية الصناعية السورية بدأب لإقامة صناعة وطنية والبحث عن سوق متواضع لها في العراق والخليج إضافة لسد حاجات الشعب السوري، في الوقت الذي اهتمت فيه البورجوازية التجارية اللبنانية بالاستفادة من سعة السوق السوري ونادت بتخفيض الرسوم الجمركية.
لقد نجحت البورجوازية السورية جزئياً في إقامة بعض الصناعات (النسيجية خاصة) كما نجحت في بناء علاقات مع أسواق العراق والخليج والأردن، كانت تتسع أو تضيق في هذا الجانب أو ذاك في ضوء تسلم ممثلي البورجوازيتين الدمشقية (الحزب الوطني) أو الحلبية (حزب الشعب) السلطة، حيث أقامت الأولى علاقات مهمة مع الخليج والأردن وأقامت الثانية علاقات متنامية مع العراق تعويضاً عن خسارتها سوق الأناضول. ورأت البورجوازية السورية بفرعيها الدمشقي والحلبي فصل السوق اللبناني عن السوق السوري والخلاص من مزاحمة البورجوازية البيروتية لها ولصناعاتها وعارضت فتح باب الاستيراد من الخارج وتخفيض الرسوم الجمركية، فعمدت عام 1950 إلى اتخاذ قرار القطيعة الاقتصادية وإقامة الحواجز الجمركية بين البلدين، وتأسيس مصرف مركزي وإصدار نقد مستقل لكل منهما، وتم تنظيم العلاقات بين البلدين في ضوء هذه الصيغة، وبقيت كذلك حتى مطلع التسعينيات حيث أقرت الحكومتان ما سميت (باتفاقيات الأخوة) التي لم تكن في الواقع شديدة الفعالية ولم تقنع الشعبين اللبناني والسوري بأهميتها وفائدتها لكل منهما، بل ربما شعر اللبنانيون بأنهم لاقوا ضرراً من هذه الاتفاقيات، وأنها في غير صالحهم، ورأى بعضهم أنها تشبه عقود الإذعان.
رفعت شعارات كثيرة وكبيرة منذ ربع قرن تؤكد العلاقة بين البلدين (شعب واحد في قطرين، وحدة المسارين، تعاون وتنسيق .. وغير ذلك) وتشيد بها دون أن تلاقي مرتسماً لها في حيز الواقع، بل بدا أن تطور العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها لم يكن جدياً ولا شاملاً، واكتفت السلطة السياسية في كل من البلدين بتنسيق سياساتهما (العليا) وتأمين مصالح الشركاء داخل كل سلطة منهما دون التركيز على مصالح الناس وإقناعهم بأهمية هذه العلاقات لهم ولمصالحهم، وهكذا نمت العلاقة وتوحدت المصالح بين أهل القمة دون أن تطال جماهير الناس الذين من المفترض أن يكونوا أول المستفيدين بشكل واضح وملموس ومباشر من تطورها، حتى ان إجراءات انتقال الأفراد بين البلدين (وهي أضعف الإيمان) لم تختلف جدياً عما كان عليه الحال خلال الفترة بين 1950 و1990 باستثناء إحكام الإجراءات الأمنية وتكاملها.
داهمت العولمة في أيامنا اقتصاد كل من البلدين وشؤونهما في كل مجال، فلم تعد سوريا قادرة بسبب اتفاقات الأسواق التجارية الموحدة واتفاقيات الشراكة وغيرها، أن تحمي صناعاتها التقليدية أو ما بقي من هذه الصناعات، ولم تعد نشاطات (البورجوازية التجارية اللبنانية) للأسباب نفسها ولأسباب أخرى تشكل، كما كان حالها قبيل الاستقلال وبعده، خطراً على الاقتصاد السوري، فالصناعة السورية تراجعت ونشاطات الاستيراد زادت والرسوم الجمركية خُفضت وصار الحال متشابهاً في البلدين، وهذا يقتضي من كليهما ليس التنسيق بينهما فقط بل أيضاً توحيد الإمكانيات في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاستثمارية والتنموية، فضلاً عن السياسات العامة الأخرى الاجتماعية والثقافية والتعليمية، لأن مصلحة كل منهما تقع في إطار التعاون غير المحدود الذي يكفل مصالح الشعبين ويعود عليهما معاً بالمنفعة، ويوحد إمكانياتهما في عصر قيام المنظمات الإقليمية حيث يسعى الكل للتعاون مع الكل فكيف ببلدين بينهما علاقات تاريخية وجغرافية قد يكون لا مثيل لها لدى بلدين آخرين.
في الوقت نفسه يلاحظ أن العلاقات بين المنظمات السياسية (الأحزاب) ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الأهلية، والمؤسسات الثقافية والعلمية والفنية بين البلدين ما زالت متواضعة بل شبه معدومة رغم الشعارات العالية الصوت والتصريحات الاستعراضية، ذلك لأن النظامين السياسيين لم يهتما خلال العقود الماضية، بإيجاد الشرط الموضوعي لخلق أرضية صلبة متوازنة لتأسيس تعاون بين الشعبين، وتكاد المؤسسات والمنظمات هنا لا تتصل بمثيلاتها هناك، ولعل هذا يفسر تطرف بعض جماهير المعارضة اللبنانية في طرح بعض الشعارات المعادية لسوريا (لا لنظامها السياسي فقط)، كما يفسر ردود فعل بعض السوريين السلبية وخاصة الشباب منهم الذين هيجتهم هذه الشعارات وكادت تجرهم إلى معاداة الشعب اللبناني، ورغم المحاولات المتواضعة من المعارضة اللبنانية بتذكير الناس بالعلاقات التاريخية والجغرافية والاقتصادية والإنسانية بين البلدين، ومحاولات المعارضة السورية ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين والقوى الوطنية والديموقراطية فعل الأمر نفسه، فقد بدأت تتأسس كما يبدو نواة لمشاعر ومواقف غير ودية لدى السوريين واللبنانيين بعضهم تجاه البعض الآخر. ولم تجر محاولة واحدة جادة ومسؤولة بين أطراف المجتمع في البلدين لمواجهة هذه البدايات الشاذة في علاقات الشعبين بهدف تأكيد أهمية هذه العلاقات، وفصل الموقف من ممارسات النظام عن الموقف من الناس ومصالحهم، وعدم إلقاء تبعية الأخطاء على الشعب كله، والتذكير بالمصير المشترك الذي لا مفر منه. بل لم تحاول قوى المعارضة والقوى الديموقراطية والنخب السياسية والثقافية إجمالاً في البلدين عقد اجتماع واحد يناقش هذه العلاقة ويؤسس لتطورها ويبدد شعارات الحذر والاتهام المتبادل والتفسير غير المسؤول للأحداث والتطورات.
وما دام النظامان في سوريا ولبنان يتجاهلان هذا التأسيس السلبي للعلاقات بين البلدين والشعبين، فإن مسؤولية هذه القوى مسؤولية كبيرة، سواء بتوضيح ما حدث أم بتنقية الأجواء، أم بالتذكير بالمصير الواحد والعلاقات المتعددة الجوانب التي لا فكاك منها، والعمل الدؤوب لتأسيس مثل هذه العلاقات، خاصة ان مصالح الشعبين تلزمهما بالتعاون، فلم يبق أمام أي منهما مجال حيوي آخر يستعان به سوى التعاون، لا في المجالات الاقتصادية والسياسية فحسب بل في كل مجال، وربما يقع على هذه القوى وحدها عبء ترميم ما تداعى خلال ثلاثة عقود، فمن غير المتوقع أن يبادر أهل النظامين للتصدي لهذه المهمة قبل تفاقم الحذر والريبة بين الشعبين وتحول المشاعر إلى كره متبادل.
(
) كاتب وناشر سوري