الحاجة العالمية للإصلاح: العالم وتحوّلاته ...1...

علي حرب....الحياة

الإصلاح بات اليوم قضية الساعة في العالم العربي. والقضية ليست جديدة، وإنما هي قديمة، بل متقادمة ولكن متجددة. وجه الجدة انها تثار الآن من جانب المجتمع الدولي، سيّما من جانب الولايات المتحدة، في سياق إعلان حربها على الارهاب بعد 11 أيلول (سبتمبر)، وكما تجسّد ذلك في طرح مشروعها لإصلاح الشرق الاوسط الكبير. وأياً يكن، فالعالم العربي اصبح الآن مركز الاهتمام وعلى طاولة التشريح من جانب المجتمع الدولي، بقدر ما يظهر أهله عجزهم وقصورهم عن حل مشكلاتهم وإدارة شؤونهم.

هذا الواقع المتردي يستثير بالطبع الاحتجاج والاستنكار من جانب حماة الهوية وحراس الثوابت والقيَم الاصيلة وكل الرافضين للتدخّل الخارجي في الشأن العربي، خاصة من جانب الاميركيين، ، كما هو موضع رفض من قبل الذين يعتبرون ان محاولات الاصلاح والتحديث والتغيير تنبع من داخل المجتمعات. من هنا فإن ثنائية الداخل والخارج تتحكم في أذهان الكثيرين من العرب، وبخاصة أركان التحالف الايديولوجي الجديد والجامع لأعداء الامس من قوميين وماركسيين وإسلاميين. لكن هذه الثنائية، على ما تُفهم وتُستخدم إجمالاً، تنتمي الى عصر مضى بقدر ما تنصب الحواجز العازلة بين المجتمعات في عالم يزداد انفتاحاً وهُجنة؛ وهي ثنائية خادعة وعقيمة تقوم على التبسيط والتهويم والتهويل، وذلك من غير وجه.

1) الوجه الاول: ان فكرة الاصلاح، كما طرحت للمرة الاولى في عصر النهضة، انبثقت من جراء الاحتكاك بالخارج الاوروبي. فلولا الانبهار بالمدنية الغربية، وما احرزته من التطور والتقدم، لما فكر العرب والمسلمون بتغيير شرطهم الوجودي للعمل على تحسين أحوالهم وإصلاح اوضاعهم. هذه هي الحال منذ حملة نابليون الى غزوة بوش. الآخر يوقظنا من سباتنا العقلي، بقدر ما يفتح اعيننا على تخلفنا الحضاري، ويؤثر فينا او يتدخل في شؤوننا بقدر ما نتأثر فيه او نؤثر عليه. والشاهد على ذلك ان الضغوط الدولية والاميركية التي تمارَس على الانظمة العربية تولّد تغييرات إيجابية، ولو محدودة وخجولة، على صعيد الحقوق والحريات الديمقراطية.

حتى عندما ننتقد ذواتنا ونتحدّث عن اخطائنا، فإننا نفعل ذلك تحت تأثير الضغوطات الخارجية، كما تشهد الآن المواقف والخطب حول الاحداث العاصفة والازمات الخانقة، مما يعني ان النقد لا ينبع من قناعة ذاتية بضرورته وفائدته، بقدر ما يعني اننا في قراراتنا نتمسّك بالطرق والاساليب التي تنتج الاخطاء، او يعني اننا غير قادرين على تلافي الاخطاء وحلّ المشكلات. وهذا هو الارجح، أي الادهى والاخطر، كون استراتيجيتنا تقودنا من سيئ الى أسوأ، ومن خسارة الى اخرى اكثر فداحة. وهكذا، لم تعد المسألة تقتصر على اخطاء طبيعية تنكشف عادةً عبر التجارب، وانما هي مسألة أنظمة مبنية أساساً على الخطأ والخلل، او مشكلة منظومات من الاعتقادات والقناعات والتصورات والسياسات قد استنفدت نفسها، ولم تعد تولد سوى المساوئ والمخاطر والكوارث. وهكذا ليست المشكلة ان سوانا يريد تغييرنا، وإنما هي: أن نعترف بالواقع المتغيّر لكي نقرأ المعطيات ونفهم المجريات ونحسن التغيّر على سبيل التعقّل والتدبّر.

عولمة الهويات والمشكلات

2) الوجه الثاني أن العالم يتغير ويتعولم مع انفجار ثورة الاتصالات وقنبلة المعلومات وانتشار المحمولات، على نحو يتخطى الاطر المحلية والعوالم المنعزلة والحلول الاحادية، وبصورة تحمل على اعادة رسم الحدود بين الدول والامم.

هذا ما يحدث وينبجس او يُفتتح ويتشكل مع المخلوقات الالكترونية والوقائع الافتراضية والابجدية الرقمية والتقنيات السبرانية. نحن إذن ازاء نمط جديد من الخلق ينبني معه واقع جديد بأدواته الفائقة وايقاعاته المتسارعة ومعطياته المتحولة وحدوده المائعة ومنتجاته الأثيرية ومعلوماته السيالة والعابرة لحدود الدول والمجتمعات. كل ذلك يجعل الواقع من التعقيد والتشابك والالتباس والانفلات والتحول، بحيث يصبح من المتعذر القبض على ماهيته او تسييج حدود وعزل أمكنته بعضها عن بعض.

مثل هذا الفتح الكوني يغير نظام العالم ومجرى الاشياء بقدر ما يغير قواعد اللعبة على مسرح الدول والأمم؛ اذ هو يغير اولاً أنظمة الاتصال والتبادل بقدر ما يغير أنماط الخلق والانتاج؛ ويغير ثانياً نمط الحياة والاجتماع بقدر ما يغير أشكال المعرفة وموارد الثروة؛ وهو يغير ثالثاً مصادر القوة وطرق انتاج الفاعلية بقدر ما يغير نمط السلطة وأساليب الحكم والادارة، واخيراً فهو يحمل على اعادة صياغة الحقوق بين الدول والجماعات البشرية بقدر ما يفضي الى عولمة الهويات والخيرات او المشكلات والكوارث.

وهكذا، فالمجتمعات البشرية تدخل في عصر جديد هو عصر الاعتماد المتبادل. واذا كانت فكرة الاصلاح في العالم العربي، قد انبثقت في الازمنة الحديثة من جراء الاحتكاك بالخارج الاوروبي، فإن من المتعذر الآن الفصل الحاسم بين الداخل والخارج، فيما المجتمعات البشرية تنخرط في واقع كوني جديد يقوم على تشابك المصالح والمصائر والاشتراك في المخاطر. هذا ما تشهد به المعضلات الامنية والبيئية والصحية، فضلاً عن المآسي الاجتماعية والكوارث الطبيعية، حيث يتأكد يوماً بعد يوم، ومشكلة بعد اخرى، واقع التداخل بين العوالم الثقافية والمناطق الجغرافية.

مثل هذا الواقع القائم على الاعتماد المتبادل لا مجال لفهمه وتدبره وادارته والتأثير في مجرياته في صورة بناءة ومثمرة، بمفردات التعصب الوطني او الانغلاق الديني او الاصطفاء الاصولي او التبشير الرسولي او المنطق الامبريالي او النظام الشمولي او العقل الانفرادي والاحادي، وانما هو يحتاج الى ان يدار بعقلية الشراكة ولغة التسوية وثقافة التعدّد والتنوّع والتهجين، وعلى نحوٍ يفتح آفاق الحوار والتعاون والتضامن بين البشر على سبيل النفع المتبادل. ولذا ليست المشكلة في أن الآخرين يتدخلون في شؤوننا، بل كيف نندرج في حركة العصر ونتقن لغة التواصل مع العالم وفي ما بيننا.

الهوية والتنمية

3) الوجه الثالث ان حجة الدفاع عن الهوية الثقافية لدى العرب، هي ذريعة خادعة بقدر ما هي حجة واهية. فهي خادعة، لأن ما نحسنه في الاكثر والأعم، سوى استثناءات قليلة، هو الهدر والفساد او الاستبداد والارهاب او الفرقة والتنازع، فضلاً عن تبادل التهم والمساوئ؛ اي اننا ننتهك ما ندعي المحافظة عليه اكثر مما يفعل الآخر الذي نتهمه ونشكو منه. وهي حجة واهية، اذ المطلوب هو العكس، ذلك ان الاصلاح، اذا ما نجح او تحقق، في مجال ما، وأيا كان الداعي اليه، هو خير دفاع عن الهوية بقدر ما هو ممارسة للخصوصية بصورة غنية او مثمرة، نثبت بها جدارتنا وننتزع الاعتراف بمشروعيتنا.

واذا كنا نلج حقاً في عصر جديد من العلاقات الدولية والآفاق الكوكبية، حيث التشابك والاشتراك في المصائر والمخاطر، فلا يجدي الدفاع عن الوجود والمصالح باستعداء العالم، عبر الوقوع في أفخاخ ثنائية الفسطاطين والمعسكرين: الاسلام والغرب، أو الايمان والكفر، او الشر والخير، او الحضارة والبربرية.

فالاجدى كسر قوقعة الهوية لممارسة سياسة الاعتراف بالمختلف والآخر، عبر العمل على خلق لغات ومناخات ومساحات للحوار والتعايش او للتبادل والتفاعل او للتضامن والتآزر؛ والاغنى كسر ثنائية الصدام لممارسة الخصوصية على نحو عالمي، عبر المشاركة في ورشة التنمية وصناعة الحضارة، او عبر حمل المسؤولية الجسيمة للعمل على مواجهة الاخطار المحدقة بمستقبل البشر والحياة والارض، من جراء صنائع الانسان بالذات. من هنا لم تعد المشكلة كيف نحافظ على الهوية والتراث. فلا أحد يريد او يستطيع سلخنا عن خصوصيتنا. وإنما المشكلة كيف نتعاطى مع هويتنا بلغة الخلق والصنع والبناء.

الازمة والفرصة

4) الوجه الرابع ان العالم يتغير بصورة متسارعة وجذرية على غير صعيد. وما يحدث ويتغير، لا يقتصر على الادوات والوسائل، وانما يمس الاسس والثوابت، بقدر ما يمس الاهداف والمقاصد. يشهد على ذلك العجز المتزايد عن الفهم والتأثير او التقدير والتدبير في مواجهة ما يشهده المسرح الكوني من الفوضى والتوتّر والاضطراب، او ما يسفر عنه من الانفجارات والانهيارات والتحولات.

هذا العجز لا يبرز فقط على النطاق العربي، بل يتجلى أيضاً على الصعيد العالمي، حيث الحداثة تعاني منذ زمن ازمة بنيوية تمس بالذات أسس وعناوين المشروع الحداثي: العقلانية والاستنارة والعلم والتقدم والحرية والديمقراطية والنزعة الانسانية. الأمر الذي يشير الى ان الازمة باتت وجودية، بقدر ما هي عالمية. فحيثما كان يجري الحديث عن الأزمة التي تطال السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم والصحة، بقدر ما تمسّ الامم المتحدة والعلاقات بين الدول.

والازمة ليست كارثة، انها فرصة سانحة امام دعاة الاصلاح والتحديث، من العرب، لكي ينخرطوا في المناقشات العالمية الدائرة، حول ازمة العقل الكوني والمشروع التنويري او حول مأزق الانسان المعاصر، للمساهمة في تجديد صيغ العقلنة ومساحات الاستنارة، او لتحديث شبكات الفهم وقواعد المداولة. سيّما اننا ننخرط اليوم في موجة جديدة فائقة من موجات الحداثة، لا يجدي التعامل معها بأدوات الحداثة الاولى، على ما يفكر أطفال الاستنارة وعجزة الانسانية بصورة تراجعية مقلوبة. الأجدى للخروج من المأزق، التفكير بصورة مغايرة، بل معكوسة. لأن ما نعتبره الحل هو المشكلة وبالعكس: فما نخشى منه هو ما يجدر ان نقدم عليه وننخرط فيه.

في أي حال ما يحدث ويتغير او ينفجر ويتحول او يهوي ويتساقط، تحت اعيننا، يغير العالم الذي لم يعد كما كنّا نفكر فيه ونألفه او نتخيله ونتمناه. والتغير في المشهد العالمي يستدعي تغييراً في جغرافية المعنى وخرائط العقل. هذا هو المُتاح في ضوء الازمات المزمنة والإخفاقات المتلاحقة، عربياً وعالمياً: العمل على تفكيك العُدّة الفكرية القديمة والمستهلكة لتجديد أشكال المصداقية والمشروعية المعرفية والخُلُقية والسياسية، بتجديد المهمة الوجودية عبر تغذية العناوين الحضارية والادوات المفهومية. وهذا شأن المعالجة الفلسفية في ما تتناوله من القضايا والمشكلات او المهامّ والادوار: أن تهتم من كل شيء بتركيب مفهومه وصوغه صوغاً عقلانياً. وإذا كان الامر كذلك، اي ان الفلسفة هي اختراع المفاهيم، كما يقول أهلها، فإن لنا أن نعيد صياغة المقولة للقول: مشكلة كل شيء تكمن في مفهومه بالذات. ولنتوقف عند بعض المثالات البارزة والبالغة في عناوينها ودلالاتها.

غداً: الاصلاح ورهاناته

كاتب لبناني.