لبنان امتحان لسورية لا ينتهي بسحبها جيشها واستخباراتها - راغدة درغام     الحياة     2005/04/8

 

 

تهديد الرئيس العراقي الجديد جلال طالباني جيران العراق بعدم السكوت على التدخلات وابلاغهم ان للصبر حدوداً كلام موجه الى سورية بشكل خاص، وهذا يزيد من تطويق القيادة السورية عبر لبنان والعراق الى جانب تطويقها سورياً غير معارضة في الداخل ومعارضة في الخارج على اهبة الاستعداد للاستفادة من الفرص المتاحة لاحداث تغيير في دمشق. وبات واضحاً ان التغيير امر لا مناص منه لكن السؤال هو من سيحدث التغيير، وهل يكفي ما تقوم به القيادة السورية نحو الجارين اللبناني والعراقي ونحو الداخل السوري؟ اولى محطات الاجوبة امنية تدخل في علاقة القيادة السورية المدنية مع الاستخبارات العسكرية والقيادات السورية الامنية، ومع الاجهزة الامنية اللبنانية، وعلى صعيد العلاقة الامنية عبر الحدود العراقية ـ السورية. ففي هذه المحطة اهم اختبار للقيادة السورية التي يبدو انها لم تحسم توجهاتها بعد على رغم تقطيرها مؤشرات مهمة هنا وهناك.  

البعض في دمشق يحاول تصحيح المسارات الخاطئة ويتمنى الا يكون فات الاوان على اصلاح ما افسدته السياسات وهو يجد في شخص مبعوث الامين العام للامم المتحدة تيري رود لارسن الوسيلة لمخاطبة اعضاء مجلس الامن وبالذات الديبلوماسية الاميركية والفرنسية. مشكلته انه لا يزال يسير متلكئاً بخطوات ناقصة في الوقت الذي يتطلب الامر خطوات جريئة، وبإقدام، لاقناع البيئة الاقليمية والاسرة الدولية بأن سورية اتخذت حقاً القرار النوعي بأنها لم تعد تعتبر لبنان عمقها الاستراتيجي كما كانت، وان العراق بات اليوم في سياساتها جاراً اقليمياً.

لبنانياً، بدأت الحكومة السورية تلبي اخيراً ما طالبتها به الاسرة الدولية والبيئة الاقليمية والمعارضة اللبنانية بتأكيدها لرود لارسن اعتزامها اتمام الانسحاب من لبنان، جيشاً واستخبارات عسكرية، قبل نهاية هذا الشهر مقدمة اليه البرنامج الزمني الذي تجنبته من قبل. لكن دمشق لا تزال حتى الآن مترددة في حسم علاقتها بالاجهزة الامنية اللبنانية بالوضوح المطلوب منها، ربما بسبب عادات العلاقات الامنية. ولأن الظروف الدولية فرضت وتفرض على دمشق الاستدراك، فإن التصدع لا بد ان يطال العلاقة الامنية السورية ـ اللبنانية. ولعل قيادات الاجهزة الامنية اللبنانية بدأت تعي معنى ما يدور حولها محلياً، وثنائياً مع سورية، ودولياً. فهي كانت في الماضي القريب جداً رابضة في التظاهر والادعاء كما في انكار الواقع حولها. انما هناك دلالات ومؤشرات على جديد في صفوف هذه القيادات. ولعلها تستوعب مواقف مجلس الامن الدولي واهمية سابقة انشاء لجنة التحقيق الدولية فتوقف الانماط التقليدية بالتفكير والتصرف وتبدأ بحساب مستقبلها. وهي بدأت التعاون نسبياً لئلا تكون الفدية او كبش الفداء. فالتحقيق الدولي في العملية الارهابية التي ادت بحياة الرئيس رفيق الحريري يحمل في طياته شتى الادانات حتى لاولئك الذين قد يكونوا بريئين من التورط المباشر في الجريمة.

بعض القيادات الامنية اللبنانية تباهى بفطنته وذكائه فيما كانت الشطارة شتيمة وليس حكمة. اعتبر نفسه محصناً بجاذبية الاقناع وسلطوية التخويف والاركاع. ارتهن البلاد في نرجسيته فيما ناب عن واجبات ولائه نحو لبنان ولاؤه للاستخبارات العسكرية السورية التي تنسحب الآن من لبنان اضطراراً وليس نتيجة لمبادرة القيادة السورية الى الانسحاب. احدى مشاكل الاجهزة الامنية اللبنانية انها لم تعترف بسرعة بأن القيادة السورية قررت ان القرار 1559 ـ الذي اعتبرته السهم المسمم الذي اطلقه اعداء ضدها والذي طالبها بالانسحاب والكف عن التدخل في شؤونه الداخلية ـ هو الآن خشبة الخلاص لها.

لكن هذه الاجهزة استوعبت، حسبما يبدو، بسرعة ان القرار الجديد الذي تبناه مجلس الامن امس وحمل الرقم 1595، لن يكون عربة خلاصها وانما سيكون قطارها الى محاكمات لا سابقة لها. لذلك، وحسب ما تسرب من معلومات، بدأ بعض القيادات المهمة في الاجهزة اللبنانية الامنية التعاون مع الامم المتحدة لربما بهدف المقايضة او بهدف تبرئة النفس، لربما من اجل استباق التطورات او تهيئة لمغادرة المناصب، ولربما لانه مهم اخيراً معنى ما يحدث حوله محلياً واقليمياً ودولياً.

فقيادات الاجهزة الامنية اللبنانية مدانة اساساً في التقرير الاول لبعثة تقصي الحقائق التي ترأسها الايرلندي بيتر فيتزجيرالد حين قدم الى مجلس الامن احد اهم التقارير الدولية واكثرها صراحة وافتقاداً للديبلوماسية التقليدية. ولعلها شعرت بأن بعد الادانة تأتي المحاكمة خصوصاً اذا توصلت لجنة التحقيق المستقل التي سيرأسها على الارجح احد القضاة المرموقين الى استنتاجات مشابهة لاستنتاجات بعثة تقصي الحقائق. فالبعثة الاولى اعتبرت بقاء قيادات الاجهزة الامنية في مناصبها عرقلة امام التحقيق المستقل في جريمة اغتيال الحريري. والبعثة الثانية لن تكتفي بذلك اذا ثبت تورط هذه الاجهزة بصورة أو بأخرى.

فهم بعض القيادات للمعادلة ادى به اخيراً الى التعاون مع الامم المتحدة إما آملاً في شيء من الرعاية في اطار مقايضة، او استعداداً للتخلي عن المناصب لأن المناصب باتت هي المصيدة. قد يسفر ذلك عن مناخ بناء يساعد لبنان في مرحلته الانتقالية، وقد يسفر عن بيئة تشكيك وشكوك إما أن تزعزع القيادات نفسها او تسفر عن تزاحمها على الزعزعة بما يؤذي البلد من قبيل عليّ وعلى اعدائي. والافضل لبعض هذه القيادات ان يغادر المناصب والبلاد، اذا كانت الفرصة لا تزال متاحة أمامه بدلاً من البهلوانية والرهان على التوتر والتخويف كوسيلة للبقاء في السلطة. الافضل لها الاعتراف بالهزيمة.

الاجهزة الامنية السورية تغادر لبنان ايضاً مضطرة. ولو غادرت بمبادرة منها باكراً لوعدها اللبنانيون بالورود والامتنان. اما وانها تعاملت مع البلد على انه مستباح لغايات الفساد والاستفادة المالية لبعض اقطاب الحكم السوري ولكبار قيادات الاجهزة الاستخبارية فقد اكتسبت الكراهية لها بحقه. ولا يعني ذلك ان كامل الطاقم الامني السوري سيء او ان اللوم يقع قطعاً على الاجهزة الامنية والاستخبارية.

عندما اتى الرئيس بشار الاسد الى السلطة جاء اليها بتعطش شعبي سوري الى قيادة جديدة من دون الاضطرار الى الانقلاب على الحكم السابق وبتطلع امني استخباراتي لدى قلة في هذه الاجهزة الى جديد في العلاقة السورية ـ اللبنانية. للاسف لم تتم الاستفادة من أي من الانتفاحين. ولو حصل لامكن تجنب الرياح اللبنانية ولما فتحت جبهة اخرى عبر العراق.

ما تفيد به الصورة الآتية من دمشق مقلق في اي حال من الاحوال وفي اي من السيناريوات. فاذا كانت الاجهزة الامنية والحرس السياسي القديم مسيطرين فهذا غير مطمئن اطلاقاً، خصوصاً ان العلاقة بين الجهات الامنية السورية في لبنان وتلك التي في سورية علاقة مفككة علاقة تصادمات لاسباب سلطوية واستفادية.

ليس امام القيادة السورية الكثير من الوقت حتى وإن شعرت بأنها تلهث وراء اجراءات ارضاء الاسرة الدولية بوتيرة لم تعرفها في حياتها ليس امامها خيار المطالبة بالمقابل او المقايضة لأنها فقدت ادوات المقايضة التقليدية. فلقد اخذ الترغيب بعداً جديداً وارتدى لباساً مختلفاً في العلاقات الدولية مع قيادات المنطقة العربية، وعلى رأسها القيادة في دمشق.

وكي تكتمل حلقة السوابق حول سورية، فإن لدى الحكومة في العراق التي يترأسها للمرة الاولى رئيس كردي ادوات تأثير في السياسة الاميركية لا تمتلكها اية حكومة عربية الآن، ولدى حكومة العراق ادوات تخريب في سورية لم تكن متوافرة في الماضي القريب فهذا زمن المفاجأت.

قبل قليل، كانت سورية تعتقد ان لديها ادوات التأثير في العراق، تهادنياً او تخريبياً. ظنت الديبلوماسية السورية انها قادرة على استرعاء انتباه وتقدير الادارة الاميركية عبر صفقات او تفاهمات في علاقة امنية ثلاثية مع العراق. اخفقت لانها لم تفهم معنى الكامل ومعنى الاقدام ظناً منها ان التقطير يأتي عليها بالمقابل غلبت عليها سيرة المقايضة. فدفعت الثمن تكراراً، وباستحقاق.

رغم كل هذا يوجد في دمشق افراد يدركون تماماً نوعية النقلة في الفكر والسياسة التي من شأنها حماية سورية وقيادتها، لكن ما يحتاجونه هو رعاية القيادة. وليتها تفعل، فالمعادلة اليوم لم تعد تقتصر على حجب التدخل السوري في شؤون الجيرة في لبنان او في العراق. انها تمتد لتطال الحكم في سورية. انها معادلة ضرورة التدخل في الشؤون السورية الداخلية من العراق ومن لبنان، إما لدعم المعارضة المدنية السلمية، أو لبعث معارضة وفرق تخريب الى سورية، طبقاً للافكار السورية التقليدية وتكراراً لما فعلته سورية بجيرتها المباشرة.

فالحدود سيف ذو حدين، عندما يتعلق الامر بالعراق. ولبنان امتحان لسورية لا ينتهي بسحبها جيشها واستخباراتها العسكرية. ان التحدي للقيادة السورية يكمن في قدرتها على الانقلاب على نفسها وعلى الطاقم العائلي والتقليدي الذي يبدو انه يسيّرها. وإلا لفات الأوان.