السلطة السورية ليست المرجع
في
تحديد المنتمين الى العروبة

أحمد فائز الفواز

-1 فاجأت الحركة الشعبية اللبنانية العالم بتطورها السريع، واتساعها، وقوتها. المألوف، منذ النصف الثاني للقرن العشرين، أن الشرق الأوسط، والمشرق العربي خصوصاً، هو موئل للانقلابات العسكرية، وليس للانتفاضات الشعبية. ربما كان وقع المفاجأة في سوريا، عند الشعب، أكبر من أي مكان آخر، ليس بسبب الجوار والقرب وروابط القربى وحسب، بل أيضاً بسبب الوجود العسكري والأمني السوريين في لبنان.

فما جربه اللبنانيون، وأخذوا يشكون منه، من "وحدة مسارين" آن لهما أن يفترقا موقتاً، كان السوريون قد اكتووا منه ولا يزالون. الحركة الشعبية في لبنان تحولت نوعاًمن ثورة سلمية، تمتد على مساحة واسعة من الأرض اللبنانية، وتنخرط فيها دوائر من الشعب اللبناني تتسع باستمرار، وخصوصاً من الشبيبة. على أن الحديث عن "الثورة السلمية" قد يبدو متناقضاً. فالموصوف لا يتحمل الصفة. والثورات لها في العادة صفات بعيدة عن السلام.

الواقع يرينا حدثاً فريداً، وجديداً في منطقتنا، حدثاً يذكّر بالتحركات الشعبية التي انفجرت في أكثر البلدان العربية تأييداً لتأميم الثورة المصرية قناة السويس، أو تضامناً مع مصر عندما تعرضت للعدوان الثلاثي عام 1956، أو عند إعلان الوحدة بين مصر وسوريا. وأبعد من ذلك، يذكّر بثورة اللا عنف، التي قادها المهاتما غاندي في الهند، ضدّ الاحتلال البريطاني، والتي توجت بتحقيق استقلال ذلك البلد العظيم، واندفاعه، بعد ذلك، ليتحول أكبر دولة ديموقراطية في العالم، وقوة ناهضة تتطور بسرعة، وتسعى لأن تحتل مكانها بين الدول العظمى فيه.

اغتيال رفيق الحريري هو الصاعق الذي فجّر غضباً، كان يتراكم منذ سنوات طويلة، على الأوضاع المتردية في لبنان، وجرف حواجز كبيرة للخوف، صنعتها الحرب الأهلية، لكن خصوصاً سنوات ما بعد هذه الحرب، من ممارسات الأجهزة الأمنية، وأطلق قوى حبيسة في المجتمع اللبناني، استعادت السياسة للناس، بصفتها ممارسة لحق تقرير المصير.

من المرجح أن الهدف من جريمة الاغتيال، عدا عن الانتقام من الحريري شخصياً (لدور منسوب له في القرار 1559، أو لدوره السياسي في المعارضة المتصاعدة للنظام الأمني اللبناني، الذي تكوّن بإشراف الوصاية السورية ورعايتها والذي بان إفلاسه)، الهدف هو الحيلولة دون انضمام قوى جديدة إلى صفوف المعارضة، ومنع تكون إجماع أو شبه إجماع وطني ضد الوضع القائم، وإرهابها بالتخلص من الحريري نهائياً، و محاصرتها، بعد ذلك، ومنع نموها تمهيداً لفرطها. لكن الذي حدث بعد الاغتيال، كان خلاف ذلك، فجاء الحصاد بغير ما توقع الزارعون. لقد هبّ مئات الآلاف من الناس، لم يكونوا قد شاركوا قبلاً في الحراك السياسي الجاري، يستنكرون الفعل الخسيس، ويشيرون بأصابع الاتّهام إلى جهات معيّنة. قطعت المعارضة في أيام، ما كانت تحتاج لشهور، وربما لسنوات، لقطعه. فنمت في الكم والكيف، وتحولت قوة على الأرض، وخلقت بوجودها وفاعليتها واقعاً جديداً لم يعد من الممكن  تجاهله، بلْهَ تبديده. لم تعد المعارضة، مجموع القوى السياسية التي أعلنت عن نفسها في مناسبات عديدة، بل أصبحت حركة شارع وحركة مجتمع، بكل ما تعنيه هاتان الكلمتان من معنى. بل صارت أكبر من كل القوى السياسية التي أطلقتها.

لقد جاءت النتائج مخالفة كلياً لحسابات المخططين للجريمة والدافعين لارتكابها. ولم يعد من الممكن للسلطة القائمة الاستمرار في الحكم، وصار زوالها، مسألة وقت. لقد ظهرت عزلتها الشعبية الكبيرة وانكشف عجزها حتى عن تأليف حكومة، على الرغم من وجود أكثرية برلمانية مطواعة في يدها. بل إن عزلتها الداخلية امتدت إلى المستوى الدولي، عندما أخذت الدول الكبرى تستقبل ممثلي المعارضة كممثلين حقيقيين لشعب لبنان، للتداول معهم في شؤون وطنهم ومستقبله. فعلى نفسها، وعلى أصحابها جنت براقش.

-2 أصبح الانسحاب العسكري السوري من لبنان وراءنا.صحيح أنه لم ينجز بعد. لكنه، سياسياً، في حكم الناجز. وبالتالي، لم يعد للنقاش حول شرعية الوجود العسكري السوري، من معنى. وإذا قبلنا أن فريقاً من اللبنانيين، بمن فيهم مسؤولون في السلطة اللبنانية، هم الذين أدخلوا السوريين إلى لبنان عام 1976، فعلينا أن نقبل، انسجاماً مع المنطق نفسه، أن اللبنانيين بأكثريتهم الكاثرة هم الذين يخرجون السوريين من لبنان عام 2005. بل إن سوريا خسرت، خصوصاً بعد جريمة الاغتيال، قطاعات شعبية أساسية، كانت تقف تقليدياً إلى جانبها. أما إذا قلنا إن الوضع الدولي (والولايات المتحدة بالخاصّة) هو الذي يخرج السوريين من لبنان، فيجب أن نقرّ (وتبعاً للمنطق نفسه)، بأن الوضع الدولي (والولايات المتحدة بالخاصّة)، هو الذي أدخل السوريين إلى لبنان عام 1976. والحقيقة التي يراها كل من له بصر وبصيرة، أن الشعب اللبناني، بأكثريته، يريد الاستقلال ويريد رفع الوصاية والهيمنة السوريتين عنه. وهو في ذلك يستفيد من الشروط الدولية المتوفرة، الأمر الذي لا ينفي حقيقة أن الدول الأخرى لا تهتم كثيراً بمصائر الحرية والديموقراطية والاستقلال في لبنان، بل أولاً، وأساساً بمصالحها الخاصة وبما يخدم مخططاتها، إنْ في لبنان أو في سوريا أو في المشرق العربي، أو في أي مكان آخر في العالم.

-3  لا يستطيع الوطنيون الديموقراطيون في سوريا، إلا أن يعلنوا انحيازهم إلى جانب الحركة الديموقراطية اللبنانية، في مطالبها في رفع الهيمنة السورية، وفي النضال من أجل لبنان ديموقراطي ومستقل. وهم في ذلك، لا ينتابهم القلق على مصير العروبة في لبنان، ولا على استقلاله. لأن الانتماء للعروبة، إن كان مرتبطاً بوجود الجيش السوري في لبنان، أو كان متوقفاً على نظام أمني لبناني شبيه بالنظام السائد في سوريا ومدعوم منه، فسيكون انتماء مشكوكاً فيه، ولا مستقبل له.

انتماء شعب لبنان للعروبة هو حقيقة موضوعية وذاتيّة، سابقة بمئات السنين على وجود الجيش السوري في لبنان، وعلى وجود الدولة السورية والدولة اللبنانية، وهي مستمرة بعد خروج الجيش السوري من لبنان بفضل شعب لبنان، وإلى ما شاء الله. والوجود السوري، بحدّ ذاته، وسواءٌ أكان عسكرياً أو استخبارياً أو غير ذلك، لا يصلح أن يكون ضمانة للانتماء اللبناني للعروبة، وهو قطعاً لا يصلح أن يكون معياراً للانتماء إليها. والسلطة السورية (وأي سلطة أخرى)، ليس في مقدورها تحديد المنتمين إلى العروبة أو الوطنية، أو الخارجين عليهما.

ألا يرى الذين يبدون القلق على العروبة والانتماء إليها أن الاستبداد ووأد الحريّات، وإلغاء القانون، ونهب المال العام، والفساد، يدفع الناس للكفر بكل القيم والمبادئ، ويسيء قبل كل شيء للشعارات التي يزعمون الدفاع عنها، بينما هم، في الحقيقة يتلطّون خلفها ؟! ثمّ إنّ العروبة ليست سلعة محتكرة من نظام من اثنين وعشرين نظاماً قائمة على امتداد الوطن العربي، لم تأتِ غالبيتها، إن لم نقل كلّها، إلى الحكم من خلال الشعب، بل من خلال غزو السلطة والاستيلاء عليها بالقوة. ولا نتحدث عن الاستقلال، فتحرير الأرض المحتلة من إسرائيل، حدث في لبنان، وليس في غيره. وانتماء شعب ووطنيته، لا يمكن أن يقاسا، بمدى الولاء لأية سلطة حاكمة. على العكس، الشعب هو المقياس، فلا توجد شعوب تخون نفسها أو تخون قضاياها. توجد سلطات تفعل ذلك.

العروبة والوطنية ليستا تذاكر هوّية تصدرها وزارة الداخلية. والشعارات التي تطلقها سلطة ما، والصفات التي تسبغها على نفسها، لا يمكن أن تصلح كمعايير لوطنية هذه السلطة، أو حتى لجدّيتها. المقياس هو الممارسة، هو النشاط العملي لتحقيق تلك الشعارات. ووطنية السلطة تقاس بمدى احترامها لشعبها، كما للآخرين، للحريات وحقوق الإنسان في بلدها، كما عند الآخرين، بمدى إنجازات هذه السلطة ومدى تأمينها شروط حياة مزدهرة لمواطنيها، بما في ذلك الدفاع عن الأرض الوطنية وصيانة الحدود.

نعم، هناك شرخ في العلاقات بين سوريا ولبنان. والعُقدة ليست في أخطاء ارتكبت من هذا الطرف أو ذاك، أو من هذا المسؤول أو ذاك. فالأخطاء يرتكبها الناس، وابن آدم خطّاء. المسألة مسألة نهج معادٍ للحريات، ومعادٍ لمصالح الناس، وهو ما دفع اللبنانيين، بأكثريتهم للانتفاض، وهو ما يسمم العلاقات بين البلدين، وإن موقتاً. لمواجهة التردي المتوقع ازدياده، مطلوب من السلطة السورية إعلان مبادئ حول العلاقات مع لبنان يؤكد على احترام السيادة اللبنانية ويلتزم علناً بعدم التدخل في شؤونه الداخلية، ويحترم القرار المستقل للشعب اللبناني وإرادته الحرة وحقه في اختيار النظام السياسي المناسب. ونحن على يقين، بأن التدهور الحالي لن يدوم. وأن المصالح البعيدة هي الباقية، وأن كل سلطة، هي عابرة وموقتة، مهما طال عمرها.

نحن لا نعيش خارج العالم. سوريا ولبنان لا يعيشان خارجه. ولم يعد ممكناً الانعزال عنه. القمة العربية الأخيرة حضرها الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس وزراء اسبانيا ووزير خارجية فرنسا وآخرون من هذا العالم الذي يزداد ترابطاً. العلاقات السورية اللبنانية لا يمكن عزلها عن علاقات كل من البلدين بالمحيط الإقليمي وبالعالم. بل إن القرار 1559 هو برهان جديد على دور الوضع الدولي وتأثيره في تقرير الأوضاع الإقليمية والمحلية. ومع ذلك، لا تصح نسبة ما يجري في لبنان للتآمر الخارجي وتجاهل العوامل الداخلية أو التقليل من دورها. ثم إن لبنان ليس على شفير هاوية، وانقسام الشارع فيه، ليس حول الوجود العسكري السوري، الذي أصبح في حكم المنتهي، وليس دفاعاً عن النظام المخابراتي اللبناني، الذي أصبح في حكم الزائل، بل حول إعادة تركيب الوضع السياسي الداخلي. ومن المرجح أن الحكمة ستكون لها اليد العليا. لبنان على طريق الخروج من النفق المظلم، الذي انحبس فيه منذ بدء الحرب الأهلية في نيسان 1975.