الكاميرا تحكم العالم: ستار اكاديمي للزعماء العرب

2005/04/06

 


حكم البابا
يكفي المشاهد العربي أن ينقّل بين نشرات أخبار محطات التلفزيون العربية الرسمية ليكتشف أن حركة زعمائه (في خطبهم وتصريحاتهم وإصلاحاتهم وحبهم الاستثنائي لشعوبهم)، هدفها كاميرات وأضواء التلفزيون لامصالح ومطامح شعوبهم، وأنّ جلّ اهتمامهم يتركز علي تحسين صورهم أمام أمريكا (أولاً وثانياً وثالثاً) علي أرض الواقع، وشعوبهم (أخيراً) علي الشاشة، ولأن الاصلاح المفروض عليهم صار فرض عين لا فرض كفاية فقد تفتقت مؤخراً عبقرية الزعماء العرب جميعاً (بخطوة اتحاديّه نادرة في التاريخ العربي) عن طبعة جديدة من الاصلاح، هي إصلاح أوضاع جلوسهم علي كراسي الحكم والثروة، لاإصلاح أوضاع جلوس شعوبهم في مداجن الاستبداد والفقر .
ولأن الحالة العربية في صورتها الكاملة، كما في تفاصيلها أصبحت حالة تلفزيونية فقط من نوع الـ(رياليتي تي في) وأقرب إلي برنامج ستار أكاديمي ، فقد أصبح المشاهد العربي يتابع أحداثها باهتمام من يتابع برنامجاً تلفزيونياً لاوضعاً قومياً مصيرياً، ولأن الزعماء العرب ليسوا بعيدين في رؤيتهم لعرضهم التلفزيوني عن رؤية شعوبهم (لاحظوا هنا الحالة الاستثنائية لتلاقي الشعوب والقادة العرب)، فهم يقدمون مواقفهم وكلماتهم وتحركاتهم باعتبارها استعراضات فنية لامواقف وطنية سياسية، وبسبب ذلك يختار كل من (جلالته وفخامته وسموّه) حفظهم الله جميعاً، الطريقة التي سيقدم بها نفسه إلي أمريكا في البداية والشعوب العربية في النهاية، كما يختار الطلاب المتقدمون إلي مسابقة لدخول معهد تمثيل، الدور الذي سيؤدونه أمام اللجنة الفاحصة، فالبعض يختار الدور الحماسي النضالي ويلوّن في أدائه بين دور الاستشهادي ودور الشهيد كمن يمثل في فيلم فدائيون حتي النصر ، والبعض الثاني يختار دوراً كوميدياً من النوع المشاغباتي التهريجي منافساً أداء عادل إمام في مسرحية مدرسة المشاغبين ، والبعض الثالث يختار الدور العاقل الحصيف الرصين كأنه خالد تاجا في مسلسل الزير سالم ، والبعض الرابع يختار دور الكومبارس الصامت مثل الممثل السوداني في فيلم الارهاب والكباب الذي لديه جملة واحدة تقول (في أوربا والدول المتقدمة)، لكن مشكلة الزعماء العرب هي في كونهم ينتمون لمدرسة قديمة في التمثيل، فهم لايزالون يمثلون بأسلوب نجيب الريحاني واسماعيل ياسين، في زمن روبرت دي نيرو وآل باتشينو، ولو كان تصويت الجمهور الذي يحكم بقاء المتسابق أو خروجه في برنامج ستار أكاديمي سارياً علي حالة (جلالته وفخامته وسموّه) لخرج الزعماء العرب كلهم دفعة واحدة من حياتنا السياسية، كونهم جميعاً موجودين علي لائحة الـ(نومينيه) منذ زمن طويل، لكن الزعماء العرب ملكيين وجمهوريين، تقدميين ورجعيين، صموديين وتطبيعيين، متفقون علي أمر واحد في الـ(ريال تي في) الذي يمثلونه منذ أن تم استبدال الاستعمار القديم الخارجي بهم، هو مسألة التصويت لأنفسهم في ستار أكاديمي وانقاذ بعضهم البعض، وهذا ماحدث ويحدث عندما يجد بعضهم أو كلهم أنهم في زنقة أو مأزق، فيصوّت المغربي للشامي، وتتحالف العباءة مع البدلة، ويتعانق العقال مع ربطة العنق، يجمعهم هدف واحد هو بقاء الاستبداد، كونه الضامن الوحيد لبقائهم علي عروشهم .
ولأن المشهد العربي هو مشهد تلفزيوني فني، فمكان الكتابة عنه هو صفحة الفن لاصفحة السياسة، وانتقاد أداء نجومه يحتاج إلي ناقد فني لاإلي محلل سياسي، لأن (جلالته وفخامته وسموّه) هدفهم إرضاء المنتج الأمريكي لهذا الـ ستار أكاديمي السياسي ليستمروا في مهنة التمثيل علي شعوبهم، ولامانع طبعاً من بعض حصد بعض التصفيق الشعبي لأدائهم، فالكاميرا التلفزيونية الآن هي أهم برلمان عربي فعّال، والصورة اليوم أصدق محلل استراتيجي، وعلي الرغم من أن هذه الأخيرة لاتظهر إلاّ الاجتماعات الرسمية الثنائية والثلاثية والرباعية، التي يتدارس فيها (جلالته وفخامته وسموّه) بابتساماتهم المصطنعة التي يمكن استخدامها كإعلانات لمعاجين تنظيف الأسنان الأوضاع العربية، ويؤكدون علي أهمية التضامن العربي، إلاّ أن المشاهد (الذي لم يعد مغفلاً بسبب التدفق الهائل للصور والمعلومات) أصبح بإمكانه أن يقدّر أنه جري تنازل هنا ورشوة هناك، وحدث استجداء لهذا، ونفاق لذاك، وعلي الرغم من أنّ (جلالته وفخامته وسموّه) يحاولون أن يخفوا الكواليس عن الكاميرا، وبالتالي عن مشاهدها العربي، بحيث لايظهر علي الشاشة من ستار أكاديمي الزعماء العرب إلاّ حفلة (البرايم) المليئة بالأخطاء والنشازات والمثيرة للملل، فيما تبقي الكواليس نقلاً عن، وقيلاً عن قال، إلاّ أنّ المشاهد العربي يحزر بالتأكيد حجم ما يتعرّض له المتنافسون (جلالته وفخامته وسموّه) في ستار أكاديميهم من تأنيب علي أدائهم من جهة ما، ولم تعد تخدعه الابتسامات التي يرسمونها علي وجوههم علي طريقة الـ(طير الذي يرقص مذبوحاً من الألم)، ولا التشابك بالأيدي والعناق بينهم علي طريقة (أعمي يقود أعمي، كلاهما يقعان في حفرة)، وهم ينتظرون الخروج واحداً تلو الآخر من البرنامج، كونهم قد وضعوا جميعاً علي قائمة الـ(نومينيه)، ولأن الناطق باسم الخارجية الأمريكية لم يعد يفوّت فرصةً إلاّ ويقدم نصيحة، أو يعطي أمراً، أو يستهزيء من تصريح، ولأنه بصراحة أخذ مكان مروان الرحباني الذي يجلس في العادة مع مشاركي ستار أكاديمي الفني العربي الذي تبثه فضائية الـ(
LBCI) ليكشف لهم النشازات والأخطاء التي اقترفوها في حفلة (البرايم) ويسخر من أداء هذا المشارك ، ويهزأ من تصنّع ذاك المتنافس، فقد أصبح المشاهد العربي يعرف قائمة الخارجين من ستار أكاديمي الزعماء العرب بحسب تسلسل خروجهم. في السابق كان العمل الفني يُنقد ويُناقش ويُحاكم بحسب قوانين الواقع، ووفق معايير اقترابه من هذا الواقع أو ابتعاده عنه، أما اليوم وفي حالة المشهد السياسي العربي فالواقع يُنقد ويُناقش ويُحاكم بحسب مستواه الفني، وجودة أداء ممثليه ونجومه، فالكاميرا التي كان يسخّرها الزعيم الأوحد الملهم لنقل انجازاته الميمونه وبث خطبه المأثورة وافتتاح مشاريعه المباركة، انقلبت عليه وأصبحت تنقل أخطاءه وارتباكه وتحفظ له عثراته، هذه الكاميرا غيّرت العالم وأيقظت الشعوب، والفضائيات المعولمة (لا الأرضيات المعلبة) أصبحت تقرر من يبقي ومن يخرج، لأن الشعار لم يعد يملك الساحة، مادامت هناك صورة يمكنها أن ترد عليه وتكذبه .

سورية ولبنان في افتح قلبك

ربما تكون لازمة الفنان السوري المرحوم نهاد قلعي الشهيرة التي رددها مراراً وتكراراً في مسلسل (صح النوم) خلال أدائه لدور حسني البورظان والتي تقول (إذا أردت أن تعرف ماذا يجري في إيطاليا، يجب أن تعرف ماذا يجري في البرازيل) ، ربما تكون هذه الجملة هي المناسبة لفهم العلاقة بين سورية ولبنان، فإذا أردت أن تعرف ماذا يجري في لبنان يجب أن تعرف ماذا يجري في سورية، ولهذا وفي الثلاثين سنه الماضية كان أي حدث في لبنان يستدعي تعليقاً أو إذناً من سورية، فلو أراد أحد في لبنان أن يشكل وزارة أو يصبح نائباً أو يتخذ قراراً، وحتي أو يتزوج إمرأة أو يتبني ولداً أو يبرم صفقة، عليه أن يزور دمشق، ولو أرادت سورية أن تغيّر الدستور فهي تجرّب ذلك في لبنان أولاً، وحين أغلقت جريدة (الدومري) الدمشقية، عملت في بيروت بروفة إغلاق لمحطة الـ(
MTV) التلفزيونية.
ولأن الظروف علي مايبدو بدأت تتغير، وصار بإمكان اللبناني (كشعب لا كنظام) أن يصرخ لو دعس له أحد علي قدمه دون قصد، أو حدث احتكاك بين كتفه وكتف رجل آخر في الشارع بدون انتباه، وهناك عشرات الكاميرات مستعدة للوصول إليه بثوان في أي منطقة كان، فقد أصبحت شكواه معروفة للعالم، وأصبح مواطن الأسكيمو علي زحافته الثلجية يرفع يده تعاطفاً مع معاناته، وآكل لحوم البشر في غابات افريقيا صار يترك فريسته لينزل إلي أقرب مركز بريد، ويرسل برقية تضامن مع اللبناني المضطهد، بينما سورية (كنظام لا كشعب) ولقلّة حيلة إعلامها، ولانعدام الكاميرا لديها (كوظيفة لا كتقنية) ترتبك عند كل حدث، فلو اتهمها مواطن في شانغهاي بنشل سنت واحد من جيبه، أو أحب ساكن بناء ما في لاباز أن يدعي عليها بتهمة إزعاجه وإحداث ضوضاء أقلق نومه، ليس لديها من ينجدها سوي محللها السياسي المعتمد عماد فوزي الشعيبي، الذي سيحلل وينظّر بما يلبسها التهمة كاملة، ويغرقها حتي رأسها فيها، حتي لو تكن تتجاوز قدميها. فالفارق بين لبنان وسورية إعلامياً مثل الفارق بين شاطئ مونتي كارلو وجبال تورا بورا، وأظن أن الحل لمشكلتهما في يد جورج قرداحي، فبدون الاتصال به للمشاركة في برنامجه افتح قلبك ، يبدو أي حل مثل المصاب بالعقم الذي يتناول حبة فياغرا لينجب، ولن يفيد سورية علي الفضائيات التنويم المغناطيسي لفايز الصائغ، أو القصف المدفعي لأحمد الحاج علي، أو البرشام المخدّر لعماد فوزي الشعيبي، أو السيف الخشبي لالياس مراد، أو الاعتذار المفاجئ لمهدي دخل الله.
ذهاب سورية إلي برنامج افتح قلبك ودعوتها لبنان إليه ثم طلبها منه فتح الستار سيكون الحل الأكثر انسانية والأكثر واقعية، وإلاّ فبرنامج بوب أبو جودة الفخ هو البديل الجاهز، وحينها ستنقلب لازمة حسني البورظان ـ التي بدأت بها حديثي ـ لتصبح معكوسة، وبما معناه أنك إذا أردت أن تعرف ماذا يحدث في سورية يجب أن تعرف ماذا يحدث في لبنان.
كاتب من سورية