هل تعلمت سوريـا درس لبنان حقاً ؟ مشيل كيلو - النهار

خلال مؤتمر القمة الأخير في الجزائر، وبينما الوفد السوري يطالب بضمه إلى لجنة كلفت بمتابعة قضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والسورية، رمى الرئيس المصري حسني مبارك، العائد قبل أيام من جولة أوروبية، جملة فسرت اعتراضه على الطلب السوري قال فيها : مش حايستقبلوكوا بقى !

تجسد هذه الكلمات القليلة، الجارحة والمؤلمة في صراحتها، الحال العصيب الذي بلغته السياسة السورية خلال العامين المنصرمين، منذ طلب كولن باول في أيار من عام 2003 إنهاء دور سوريا الإقليمي في لبنان وفلسطين والعراق، ووضعه في خدمة السياسة الأميركية تجاه المنطقة. وتعبر عن العزلة الخانقة، التي يعيشها اليوم بلد لطالما اعتبر نفسه مفتاح الشرق العربي، وبيضة قبان الصراع العربي- الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، ونقطة توازن الشرق والغرب في العالم العربي، والجهة التي تمسك بالتوازنات العربية والإقليمية، منذ ذهبت مصر إلى سلام منفرد مع إسرائيل، وانفردت دمشق بلبنان وفلسطين، وأخرجت العراق بمعاونة إيران من السياسة العربية، وأقنعت الخليج والسعودية أنها مفتاح الاستقرار في آسيا العربية، ولعبت بشطارة لعبة التوازن المرنة والكثيرة التبدل بين الشرق والغرب، وتفادت بدقة التحرش بإسرائيل وعقدت معها سلام أمر واقع أرسخ من سلام السادات، وهددت توازنات الوضع التركي الداخلي الحساسة، بسلاح أوج ألان وحزبه.

ما الذي جرى وقلب الواقع رأسا على عقب في فترة لا تتجاوز العامين؟ هل هو زخم الهجوم الخارجي، أم عجز مركز القرار عن فهم ما جرى، وافتقاره إلى وسائل ملائمة لمواجهة تحدياته وأخطاره؟ أم هي بنية النظام الأيديولوجية، التي حالت دون تصديق ما يحدث في العالم من تبدل، وطمأنت أرباب القرار إلى أن كل شيء على أحسن ما يرام؟ أم هي المؤامرة الإمبريالية / الصهيونية، التي لطالما أكد النظام إنه يتعرض لها - ولطالما كذّب زعمه هذا دوره الإقليمي، الذي تم تحت غطاء أميركي وتفهم إسرائيلي؟

ما الذي جرى وغيّر موقف فرنسا، المؤيد إلى حد الحماسة؟ وموقف بريطانيا، الذي قيل بعد زيارة الأسد إنه صار مضمونا وداعما؟ وماذا بدل موقف ألمانيا المتفهم؟ أين ذهب كلام مسؤول سوري رفيع هو وزير الإعلام الدكتور مهدي دخل الله عن التحالف السوري- الروسي والأسس الجديدة - التي تبلغ 17 أساسا التي أدخلتها زيارة الرئيس إلى روسيا على العلاقات الدولية، ولماذا كان موقف روسيا شبيها بموقف بقية العالم في الضغط على سوريا من أجل انسحاب سريع وشامل من لبنان؟

أخيرا، لماذا تبدل موقف السعودية ومصر، حليفي سوريا التقليديين، حتى شرعت الأولى تطلق تهديدا يتعلق بطبيعة النظام وبأحقيته في البقاء، والثانية تضغط وتحذر وتنبه وتتوعد، بعد أن ساندتا انسحابا سوريا تاما وناجزا في أسرع وقت من لبنان؟

هل حدث هذا كله، لأن سوريا كانت قد قررت عدم الانسحاب من لبنان، كما شاع آنذاك؟ أم لأنها قامت بخطوات لا مسوّغ لها التمديد للجنرال لحود - تناقضت مع تأكيداتها المتكررة بأنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية وتقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، وهو ما أثار شبهة اعتمادها سياستين هناك، إحداهما خفية والأخرى معلنة، فيهما من التناقض والتضارب ونقاط الضعف ما يشكل خطرا على النظام العربي برمته، كما قال المصريون والسعوديون دون لف أو دوران؟

وإذا كانت دمشق قد قررت عدم الانسحاب، لماذا غيرت رأيها وشرعت تنسحب على عجل؟ وإذا كانت قد رفضت القرار 1559، وأعاقت طيلة خمسة عشر عاما تطبيق اتفاق الطائف، لماذا قبلتهما فجأة وأخذت تطبقهما بحماسة؟ لماذا لم تطبق الطائف عام 1990، عام إنهاء مهمتها، كما قال الرئيس الأسد، وما الذي كانت تفعله في لبنان منذ ذلك التاريخ، رغم أن هذا العام شهد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية التوازن الدولي، الذي حمى دورها الإقليمي عامة وفي لبنان خاصة؟ ألم يدرك العقل السياسي الحاكم آنذاك جسامة ما حدث أم أن خبرته مع أميركا طمأنته إلى أنه سيكون صاحب كلمة مسموعة في أية ترتيبات دولية جديدة تطاول المنطقة العربية، لذلك لم يقم بما كان يجب القيام به، وواصل التمسك بقديمه رغم الأصوات المحذرة كنت واحدا من الذين قالوا قبل أعوام كثيرة إن سوريا موجودة في لبنان داخل فخ قاتل، وإن ساعة الحساب آتية لا ريب فيها ووشيكة؟ وإذا كان وجود سوريا في لبنان طيلة نيف وثلاثين عاما لم يفضِ إلى سياسة لديها بدائل تبادر إلى تطبيقها ساعة الضرورة دون أي ضغط خارجي، ففي أي مجال آخر توجد سياسة سورية كهذه؟ ألا يفسر الافتقار إلى المؤسسية حقيقة أن السياسة الخارجية السورية عبرت عن النظام ومصالحه الضيقة، وتجاهلت مصالح الدولة والبلاد العليا، وأنها لم تقلع عن التعبير عن مصالح النظام وحده، حتى عندما بان إفلاسها وصارت محل معارضة لبنانية وسورية وعربية ودولية واسعة؟

وإذا كان صحيحا أن سوريا قررت الانسحاب من لبنان بملء إرادتها، لماذا أدانت من طالبها من حلفائها اللبنانيين التاريخيين بتطبيق اتفاق الطائف، وسمحت لبعض عملاء المخابرات من اللبنانيين باتهام أصدقائها التقليديين هؤلاء بالعمالة للإمبريالية والصهيونية، وبالتحريض على قتلهم؟ ولماذا تحجم عن توجيه دعوة إليهم لزيارتها والتشاور معها حول ترتيب الحقبة المقبلة من علاقاتها مع لبنان، التي يريد هؤلاء جعلها مميزة وتوافقية وقادرة على ضمان أمن سوريا؟

أخيرا، هل يعتقد أصحاب القرار في دمشق أن بوسعهم إدارة لبنان عن بعد، بعد أن سحبوا جيشهم ومخابراتهم منه؟ بصيغة أخرى: هل تستطيع سوريا الاحتيال على القرار الدولي، الذي طبقته، والنجاة من نتائج هذا الاحتيال الوخيمة؟ وهل تعلمت حقا درس لبنان أم أنها لم تتعلمه، وتظن أن بوسعها القفز من فوق الحقائق وموازين القوى، التي أملت عليها الخروج، وستستمر بعده، وكان يجب أن تملي عليها سياسة تقوم على تحاشي المواجهة بأي ثمن، عبر التخلص من مسبباتها، بدل الاندفاع نحو سياسة ذات صعيدين: سري يتابع الأهداف القديمة، كأن شيئا لم يحدث، وعلني يقبل القرارات الدولية ويتظاهر بأن الدور القديم قد انتهى إلى الأبد؟ إذا كانت هذه هي الحسابات، فهل هي حسابات تليق بدولة؟ وهل ستخدع أحداً وسيكون لها ضحايا غير أصحابها؟

لن يكون للانسحاب من لبنان أي معنى، إذا لم يكن طلاقا بائنا مع طابع النظام الأمني، المسؤول وحده عن كارثة لبنان، ولم يتحول إلى نقطة انعطاف نحو مستقبل مغاير لحاضر أنجبه الثامن من آذار عامة وانقلاب 1970 خاصة، فالعلاقة مع الخارج، وخاصة منه لبنان، لم تعد شأنا برانيا وتكتيكيا، بل غدت علاقة كاشفة تبين حقيقة خيارات النظام في حقبة جديدة انتهى فيها دوره القديم، الذي لطالما وازن أوضاعه الداخلية، حتى صار داخله - ومنه الجولان - ساحة نشاطه الوحيدة، التي سيتوقف على نوع أفعاله فيها مصيره، بعد أن أضعفه بدرجة خطيرة خروجه من لبنان.

مرة أخرى: لا بد من جعل الانسحاب من لبنان انسحابا من حقبة وسياسة، ولا بد من إقامة علاقات غير مخابراتية معه تحفظ أمن البلدين - يسمون المخابرات في سوريا الأمن ، مع أن سوريا لم تعرف في أي يوم من تاريخها هذا القدر من انعدام الأمن، الذي عرفته في ظل سيطرة المخابرات عليها -، ولا بد من فتح حوار مع اللبنانيين ينطلق من قاعدتين حددهما الدكتور بشار الأسد هما : المسافة الواحدة من الجميع، والقبول بما يتوافق هؤلاء عليه -. ولا مفر من إجراء إصلاح داخلي سوري يؤسس لدور قومي وإقليمي يخدم مصالح البلاد العليا وحدها، ويعيد إنتاج الدولة من خلال مرحلة انتقالية - تستمر عاما أو عامين- تحولها دولة قانون، تعترف بحق الجميع، أفرادا وهيئات ومنظمات، في الحرية، وتنهي دولة الاستثناء وما ترتب عليها من قوانين وأساليب حكم وإدارة وامتيازات وفساد... وقمع واعتقال، ليقوم نظام ديموقراطي ينتجه تبادل منظم للسلطة، تحكمه صناديق الانتخاب.

بغير ذلك، لا يكون النظام السوري قد تعلم شيئا، وسيرحل مهما فعل!