المشهد اللبناني كما عاشه السوريون اكرم البني - النهار

يخطىء من يعتقد أن التغيرات السياسية والنفسية التي خلفها اغتيال الرئيس رفيق الحريري اقتصرت فقط على اللبنانيين، فقد أطلقت هذه الجريمة النكراء حزمة من التفاعلات والتداعيات في مختلف أوساط المجتمع السوري بعضها ظهر جلياً وبعضها الآخر لا يزال موضع تشوش وغموض.

بداية يمكن القول أن ما شهده لبنان من شيوع مشاعر الحزن والألم على مقتل الحريري ومواطنين لبنانيين وتالياً السخط والغضب على منفذي هذا الحدث الآثم، عرفته سوريا أيضاً وان بصورة أقل حدة، وعمت الشارع فور إعلان النبأ حالة من الوجوم والأسى ومشاعر تعاطف صريحة مع الضحايا، خصوصاً الرئيس الحريري بسبب ما عرف عن كفايته وسلوكه المسالم، واللافت أن وهج هذا التعاطف لم يخفت، أو ربما قليلاً، رغم تكرار الاتهامات عن دور ما للنظام السوري في ما حصل.

اعتادت الناس هنا على منطق سائد في خوض الصراع السياسي يحكمه مبدأ القوة والجبروت وليس التنافس الصحي لاختيار الأفضل في إدارة المجتمع والأكثر كفاية للتعبير عن مصالح فئاته وتكويناته المتعددة، وكانت المعادلة الشائعة في ممارسة السياسة تستدعي المسارعة في حال الاختلاف والتعارض مع شخص أو جماعة ما، الى تعطيل دوره أو دورها بالتزوير والتشهير، أو بالقمع والسجون، وحتى بالإقصاء والإلغاء. لكن يبدو أن بشاعة الاغتيال ووحشيته وأيضاً حساسية شخصية الحريري شكلت ما يشبه انزياحاً أو اختراقاً لهذا المبدأ، ما يبشر بمزيد من تنامي روح الديموقراطية في مواجهة المنطق السائد، أو معايير جديدة تبغض أساليب القمع والإقصاء، وتميل الى احترام حق الاختلاف ووسائل التعبير السلمية والمدنية في إدارة الخلافات السياسية.

 منذ اللحظات الأولى بدا من الصائب اعتبار استشهاد رفيق الحريري قضية سياسية بامتياز تعني الوطن اللبناني بقدر ما تعني الحال السورية، وتعجز، مع حدة الاصطفافات السياسية ومنعة الثقافة السلطوية، عن معرفة الأسباب التي ولدت حقلاً غير مرئي من التضامنات الإنسانية مع المصاب اللبناني، لعلها نابعة من اتحاد هموم البشر وإيمانهم المشترك بحقهم في الحياة والحرية ورفضهم القتل والعنف. وتعجز أيضاً عن تفسير كيف أشاع اندفاع مئات الألوف من اللبنانيين بنبض واحد طلباً للحقيقة، جواً واسعاً من التعاطف والتأييد في مختلف الأوساط السورية. ينتشي أحد النشطاء واصفاً تدفق اللبنانيين العفوي، صغاراً وكباراً، الى ساحة الشهداء، كأنه مشهد من مشاهد الثورات!!

ويضيف آخر أن هؤلاء " الأشاوس "، يقصد اللبنانيين، قد أعادوا بعد تغييب مزمن للبشر دورهم في الحياة العامة، متسائلاً هل يكفي ما حدث في بيروت كي نتحسس معنى احترام الانسان ونؤمن بما يملكه من طاقة وقدرة؟!  وترن في أذنك عبارة محكمة الصياغة، "إنهم شعب مثابر، لم يترك للقاتل فرصة كي يفرك يديه فرحاً"، كأن فيها يكثف أحد المثقفين بلاغته اللغوية وإعجابه بدأب اللبنانيين وما ابتكروه من وسائل لإبقاء قضيتهم حية حتى تحقق لهم ما أرادوه في اتخاذ قرار أممي بتشكيل لجنة تحقيق دولية ترفع اللثام عما حصل!!.

في المقابل يبدي آخرون تحفظاتهم عن استمرار روح من المبالغة في تصوير شخصية الرئيس الحريري وإبراز فرادتها وصلت مرتبة القداسة أحياناً، مظهرين خشيتهم من أن يفضي هذا المسار الى تكريس الوعي الخاطىء عن دور الفرد في مجتمعاتنا وقد ملته الناس وعافته نفوسهم!!

في هذا السياق ثمة سببان مهمان ساهما الى درجة كبيرة في بلبلة مشاعر التعاطف مع اللبنانيين وحدا من تطورها وأحياناً انقلبت الى مشاعر عدائية عند البعض.

أولهما، الشعارات والهتافات التي رفعت وتناولت سوريا والشعب السوري بالشتائم والتحقير، عززتها الاندفاعات العدائية ضد عمال سوريين وتواتر أنباء حول شدة ما تعرضوا له في أكثر من منطقة لبنانية من إذلال وضرب وصل حد قتل العشرات منهم!! وإذ خففت من أثار ما جرى مسارعة مثقفين وسياسيين لبنانيين لإدانة هذه الاندفاعات الغوغائية والتأكيد على عمق العلاقة ونديتها بين الشعبين اللبناني والسوري، وتحييد هؤلاء المساكين الذين دفعتهم الحاجة ووطأة العوز للعمل في لبنان، لكن يمكن القول أن ثمة تداعيات لهذه الممارسات لا تزال حاضرة في مختلف الأوساط السورية قد لا تزيل آثارها السلبية إلا المطالبة بمحاسبة الجناة والتعويض لأسر الضحايا، ما يقطع الطريق تالياً على أولئك الذين جعلوا من هذه الأحداث قميص عثمان، وهم لا يكلون أو يملون من توظيفها في أحاديثهم وحواراتهم كقرينة للنيل من صدق الشعب اللبناني ومن تطلعه نحو الحرية والاستقلال. وأساساً لحجب هوية المسؤولين الحقيقيين عن الآلام المشتركة التي عاناها اللبنانيون والسوريون على حد سواء!!.

ثانيهما، الاتهامات التي وجهت للنظام السوري والتي أربكت الى حد كبير قدرة الشارع السوري في إظهار مشاعر التعاطف مع الحراك اللبناني طالما انه لا يمكن أن تفسر إلا تأييداً للاتهامات وموقفاً معادياً من النظام. فالمواطن السوري الذي عانى الأمرين ولسنوات طويلة من القهر والقمع لا يزال خائفاً ومتردداً في إبداء تعاطفه مع أي حراك جماهيري معارض حتى لو تعلق الأمر بدعم فلسطين ونصرة الشعب العراقي، فكيف حين يأتي رفضاً للوجود العسكري السوري في لبنان، أو إذا كان بعضه يشير الى النظام السوري الحاكم بإصبع الاتهام؟!

من جانب آخر أثارت الصور التي رفعت للقرآن والصليب ومشاهد صلوات المسلمين والمسيحيين المشتركة حول ضريح الحريري ورفاقه، أحاسيس شعبية يمكن اعتبارها نقلة جديدة في سوريا بعدما تعرضت حال التآخي التاريخي بين الديانتين المسيحية والإسلامية لبعض التصدعات وشابها شحن طائفي جراء أحداث 11أيلول 2001 وما تلاها من احتلال اميركي لأفغانستان والعراق. وقد نجحت الدعايات المتطرفة في تصويرها كحرب غربية كافرة ضد الإسلام وديار المسلمين عززتها عبارات مغرضة للرئيس الأميركي جورج بوش، عما سمّاه حرباً صليبية جديدة بين العلم والحضارة ضد الهمجية الإسلامية!!

وربما تفاجىء اليوم حين تسمع أصواتاً تجاهر بعبارة "الدين لله والوطن للجميع " بعد أن أصبحت من المنسيات في الشارع السوري واقتصر تداولها على صالونات الحوار ومنتدياته، ولا تعرف إذا كان ثمة قصدية في استثمار مشاهد بيروت لإعادة الاعتبار لحقيقة التعايش المشترك بين الأديان وضرورة احترام الانسان وحقوقه دون النظر الى دينه أو مذهبه، أم الأمر مجرد مخرج أو تحصيل حاصل لحال الإنهاك والتعب التي وصلت إليها دعايات التفرقة الطائفية!! لكن يجد البعض أن هذه الظاهرة تبقى طارئة ومحدودة، طالما الحدث العراقي لا يزال حاضراً بقوة في وجدان الناس عبر صراعاته الطائفية والمذهبية، وطالما لم يدفع اللبنانيون مسارهم الى نهايته الطبيعية،اي الى إقرار مبدأ المواطنة على حساب الخيارات الطائفية التي تسم نظامهم وتركيبة مؤسساته.

في خوض أول اختبار ميداني لهم بدا اللبنانيون كأنهم ورثة ديموقراطية عريقة وليس حرباً أهلية طويلة ومريرة. كانت عيون السوريين مشدودة الى شاشات التلفزة وهي تراقب بذهول هذه الأساليب المدنية في إدارة التظاهرات والاعتصامات وأشكال الاحتجاج. وتلك الطرائق الإنسانية في حماية السلم الأهلي واستمالة عناصر الجيش اللبناني وتحييده. وصار موضع احترام واسع في سوريا ما أظهره اللبنانيون، على الرغم من مصابهم الأليم، من وعي جديد يحض على التسامح واحترام ظواهر التعددية وحق الاختلاف والحرص على تخفيف الاحتقانات. ورغم محاولات البعض تسعير الصراع وتأجيج الخلافات لحرفها عن السكة الديموقراطية بدا مفرحاً أن يكون مصيرها الفشل، وهنا لم تضيع العقلية التآمرية هذه الفرصة لتفسير ما يجري على أنه اتفاق مضمر بين غالبية القوى اللبنانية لتجنب خيار السلاح والعنف، في حين يسخر آخرون من المبالغة والتعويل على تعثر الوضع الأمني في لبنان ويجدون أن ليس ثمة فرصة اليوم لإعادة إنتاج سياسة العنف والقتل، فالشروط العالمية والإقليمية ليست في مصلحة أولئك الذين تسحرهم الفوضى وعملية خلط الأوراق في إشارة الى النتائج السياسية الهزيلة التي ترتبت عن تفجيرات "الجديدة والكسليك والبوشرية"!!

حزن الديموقراطيين السوريين على مقتل أي مواطن لبناني عميق، وقلقهم من احتمال تطور غير محمود للأحداث اللبنانية هو عميق أيضاً، ليس فقط لأنهم يناهضون العنف الأعمى ولغة الإرهاب ويناصرون الأساليب السلمية والمدنية، وليس فقط لأنهم يعرفون جيداً ما سوف ينعكس عليهم إذا ما فشل اللبنانيون في بناء اجتماع ديموقراطي ووحدة وطنية تحتضن تنوعهم الفريد، بل أساساً بدافع من رغبة صادقة بأن لا تذهب الأمور نحو إغراق لبنان من جديد في دوامة التفرقة والقتل وحمامات الدم.

"لا تزال أيادينا على قلوبنا ونأمل أن لا تحدث اندفاعات مغرضة تفقد ما حصل في بيروت معناه الديموقراطي الأصيل أو تشكل ذريعة لإجهاض أملنا المشترك"، يستهل أحد الديموقراطيين حديثه ويستدرك متمنياً نجاح الخيار السلمي وخيار الدولة ومؤسساتها في التوفيق بين المصالح والمواقف المتباينة غامزاً من هذه القناة الى أولوية الابتعاد عن التوتير والاستقطابات الحادة ونوازع التطرف والمغالاة، والى خطورة أساليب شحن الأجواء عاطفياً والتسرع في تسويغ أفعال الإقصاء أو توجيه الاتهامات كيفما اتفق!!