عوائق بنيوية أمام التحول الديمقراطي!

د. محمد عابد الجابري

 

"ثلاثة أجيال من النخب المتعاقبة على مسرح التاريخ العربي المعاصر... فأي من هذه النخب التي لم تعد متعاقبة- إذ صارت متزامنة وفي نفس الوقت متنافسة ومتدافعة- يشكل "المجتمع المدني"؟
ذلك هو السؤال الذي طرحناه في نهاية المقال السابق لخصنا فيه ما يمكن وصفه بـ "إشكالية المجتمع المدني" في العالم العربي. ونحن نستعمل هنا مصطلح "إشكالية" في معناها الإبيستيمولوجي أعني "النظرية التي لم تتوافر إمكانية صياغتها، فهي توتر ونزوع نحو النظرية، أي نحو الاستقرار الفكري". ذلك أن مفهوم "المجتمع المدني" الذي كان يعبر في أوروبا الحديثة عن مضمون قائم محدد، له ضد واضح يتميز به، ويشكل جنبا إلى جنب، مع مفاهيم أخرى، كالعقد الاجتماعي وحقوق الإنسان والفصل بين الدولة والكنيسة... إلخ، عناصر في بنية فكرية متراصة الأجزاء هي ما سمي فيما بعد بفكر النهضة والإصلاح، هذا المفهوم، أعني "المجتمع المدني" قد تحول في الخطاب العربي المعاصر، إلى "مفهوم إشكالي"، تتصادم فيه وتتدافع عناصر كثيرة، مما يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تشييد نظرية يمكن الاطمئنان إليها بوصفها "نظرية المجتمع المدني في العالم العربي المعاصر".
ومصدر الصعوبة في ذلك أن المجتمع المدني هو أساسا مجتمع تقوده نخبة مدينية، صنيعة الموروث الحضاري للمجتمع ككل، نخبة تفرض هيمنتها الاقتصادية والثقافية على المجتمع ككل. ومثل هذه النخبة غير موجودة في الوقت الراهن في أقطار العالم العربي. قد تكون هناك نخبة مدينية في هذا القطر العربي أو ذاك، تصف نفسها بـ"المجتمع المدني"، ولكنها لا تمارس ما هو ضروري من الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتتحول فعلا إلى مجتمع مدني قادر على القيام بدوره التاريخي كقاطرة للإصلاح والتغيير في المجتمع ككل. كما قد تكون هناك نخبة لها الهيمنة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية ولكنها بدوية في سلوكها وعقليتها وتطلعاتها، وبالتالي فهي لا تنتمي إلى "المدينة" التي هي الشرط الأساسي المؤسس لمفهوم المجتمع المدني. كما قد تكون هناك "نخبة" تمارس سلطة سياسية مطلقة تهيمن بها هيمنة عسكرية أو عشائرية أو دينية على المجتمع ككل، وهذه أبعد ما تكون عن مضمون المجتمع المدني الذي هو البديل التاريخي لها.

هذه الأصناف من النخب الحاضرة الآن، وبصورة مكشوفة، في كيانات الأقطار العربية هي عبارة عن أجيال متعاقبة، تنتمي إلى مراحل حضارية مختلفة، تعيد إنتاج نفسها بصورة تجعل منها نخبا متنافسة ومتدافعة، تتصارع بعنف في مكان، وبصمت في آخر، من أجل المنازل والمراتب، من أجل السلطة والمصالح، وأيضا من أجل الوقوف في وجه "الآخر" المزاحم المنافس، مفردا كان أو متعددا.

والمشكل في هذه النخب ليس في كونها متصارعة متدافعة، فهذا في الحقيقة شأن النخب كلها، بل المشكل فيها هو أن كلا منها ذو أوجه متعددة، يظهر الواحد منها في "وقت" ليختفي الباقي إلى "وقت" آخر. فإذا نظرنا إلى هذه النخب من زاوية تركيبها وهياكلها من منظور علم الاجتماعي السياسي وجدناها كما يلي: هناك بقايا الأرستقراطية التقليدية وامتداداتها، وهناك الطبقة المسيرة التي أفرزها القطاع العام من داخله أو نشأت على هوامشه بالتعامل معه واستغلاله نوعا من الاستغلال! ثم هناك الفئات المطالبة المعترضة المحتجة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وهي تعبر، بصورة أو بأخرى، تعبيرا مطابقا أو مقلوبا، عن مطالب وحاجات الأغلبية من الشعب. وهذا المظهر الاجتماعي السياسي الذي يبرز في "وقت" قد يترك مكانه لوجه آخر، في وقت آخر، فتتحول تلك النخب نفسها إلى عشائر وطوائف وجماعات دينية متطرفة أو إصلاحية. ولنا في الحال التي عليها العراق ولبنان حاليا خير مثال، وقد كان هذان البلدان -وربما لا يزالان- من أكثر المجتمعات العربية قربا من "الحداثة"، قياسا مع أقطار عربية أخرى (اليمن، دول الخليج، السودان، ليبيا). ومع أن هذا التصنيف يستثني ضمنيا كلا من مصر وسوريا وتونس والجزائر والمغرب، فإن هذا الاستثناء الذي قد يجد مبررا له في هذا "الوقت" مرشح للزوال في وقت آخر، قريب أو بعيد، لأن الأوضاع في هذه الأقطار أشبه بأوضاع براكين نائمة لم تتعرض لما يكفي من الهزات والزلازل التي تحولها إلى براكين خامدة راقدة.

من أجل ذلك نرى أن الحديث عن المجتمع المدني الذي يرتبط في الخطاب العربي المعاصر بـ" التحول الديمقراطي" لن يكون له أي مدلول واقعي إذا هو لم يستحضر هذه الخريطة الاجتماعية المتموجة، إذا هو لم يأخذ بعين الاعتبار مدى قدرة وإمكانية هذه الخريطة على تحمل العملية الديمقراطية وفسح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني لتفرض هيمنتها على المؤسسات الأخرى. ولعل أول ما يجب أخذه بالحسبان، بداية، هو أن العنصر الوحيد الذي يجمع النخب في كل قطر عربي، هو أنها جميعا لا تستطيع تحمل آليات ونتائج العملية الديمقراطية إلى نهايتها، لأن علاقتها بجسم المجتمع علاقة محدودة، متقطعة، قطاعية في الغالب. من أجل ذلك يجب النظر إليها على أنها إذ تطرح شعار الديمقراطية أو على الأقل لا تعترض عليه جهارا، فهي تخشى الديمقراطية "سرا" لأنها تشعر بعجز ذاتي عن تحقيق مصالحها وتأكيد وجودها من خلال العملية الديمقراطية وآلياتها.

ومن دون شك فإن هذا الخوف من الديمقراطية الذي يعم سائر النخب في العالم العربي، والذي يضفي الطابع الإشكالي على المسألة الديمقراطية في مثل الوضعية التي شرحنا، يجد ما يؤسسه في نوع الاقتصاد السائد: الاقتصاد الذي لا تهيمن فيه المؤسسة المستقلة عن الدولة التي هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع المدني ومؤسساته السياسية والثقافية. إن الاقتصاد في العالم العربي يهيمن فيه عنصران أو قطاعان لا يدفعان إلى تكوين مؤسسات من هذا النوع: أولهما سيادة أسلوب الإنتاج الزراعي الطبيعي غير المصنع، الذي يكرس هيمنة الطابع البدوي القروي في المجتمع، الطابع المناقض بنوع مؤسساته وتقاليده والعقلية السائدة فيه لخصائص المجتمع المدني كما أبرزنا قبل. أما ثاني العنصرين فهو الريع وما في معناه، أعني الدخل الذي يأتي الدولة، لا من مسلسل عملية الإنتاج بداخل البلد، بل من عائدات النفط والعمال المهاجرين والاستغلال لهذا الموقع الاستراتيجي أو ذاك، والهبات والقروض وعائدات السياحة... إلخ. هذا النوع من الدخل الذي يشكل العنصر الأساسي في اقتصاديات جل الأقطار العربية في الظرف الراهن يقع تحت تصرف الدولة، أي تحت تصرف الطبقة المسيرة، تنفق منه في حماية نفسها وتعزيز سلطتها وتقوية أجهزتها مما يجعلها مستقلة كلية، أو إلى حد كبير، عن دافعي الضرائب (الذين كانت مطالبتهم، في أوروبا، بحقهم في مراقبة طريقة صرف الحاكم لأموال الضرائب هي الأصل في الديمقراطية الحديثة). والدولة في العالم العربي -وفي العالم الثالث عموما- تمول بفضل الطابع الريعي للاقتصاد، وبالطريقة التي تريد، المشروعات العامة والخدمات الاجتماعية فضلا عن أجور الموظفين ودعم المواد الغذائية، مما يجعل يدها هي العليا في كل مجال، عليها تتوقف حياة الأفراد والمؤسسات، ولا تتوقف هي على أية قوة اقتصادية مستقلة عنها.

وهكذا فإذا نحن أردنا تلخيص الإشكالية المطروحة الآن في العالم العربي من منظور قضية الإصلاح أمكن القول إنها إشكالية وضع يراد له أن يعيش "الحداثة" دون أن يكون قد مر بمرحلة "التحديث"، وضع مشحون بعوائق بنيوية تحول دون قيام مجتمع مدني مهيمن، وبالتالي تجهض التحول إلى الديمقراطية، أو تفرغه من مضمونه إذا هو حصل بهذه الصورة أو تلك، بهذه النسبة أو تلك.