وطنية تخوينية أم خيانة وطنية!....

ياسين الحاج صالح.....الحياة

أن يتجه معارضو نظام تستهدفه واشنطن إليها من أجل تغييره، فالأمر مجازفة محفوفة بالمخاطر. وأن يلجأ إليها معارضو نظام آخر، فالأمر سياسة تتبلور شيئا فشيئاً. وأن يطلب عونها الصريح معارضو نظام ثالث، فهذه ثقافة وشرعية جديدة. اللجوء إلى واشنطن اضحى «سمة العصر»، خيارا «شرعياً» ينافس غيره. ليس خيارا مقبولا من الجميع بالضرورة، لكنه خيار مقبول من البعض في جميع الأوقات. ويمكن الرهان على ان الثقافة هذه تنتشر بالتوازي مع إمعان الأنظمة الشرق اوسطية في التعفن والجمود، وضعف المعارضات السياسية، وتفكك المجتمعات المحلية، ونجوع الفاعلية التغييرية الأميركية.

حين سار افغان في ركب الأميركيين تحول حميد كرزاي من اسم علم إلى اسم نوع، مثلما جرى لكلمة كيزلينغ التي دخلت اللغة الانكليزية كمرادف لكلمة خائن، تيمناً باسم السياسي النرويجي فيدكون كيزلينغ الذي تعاون مع هتلر ومكن النازيين من بلاده. ولبعض الوقت بعد احتلال بلاده، بدا أحمد الجلبي كرزاي عراقيا قبل أن يفقد حظوته في عين واشنطن. وهما معا، كرزاي والجلبي، يبدوان مجازين قدر ما هما شخصان. وحين يريد احد من السوريين التشهير بفريد الغادري يطلق عليه اسم جلبي سورية. والغادري أميركي، سوري الأصل، أنشأ منذ عامين في واشنطن «حزب الإصلاح السوري» الذي يدعو لتغيير نظام حكم حزب البعث في سورية. ومن كرزاي أفغانستان إلى جلبي العراق إلى غادري سورية ترتقي الاستعانة بالأميركيين مراتب الإلفة لتغدو جزءا من نظام الأشياء في «الشرق الأوسط».

هل هؤلاء خونة؟ تعرضت كلمة الخيانة للتتفيه والتبذيل على يد الأنظمة ذاتها التي «يخونها» هؤلاء ويشكلون الوجه الآخر لها في الواقع. إن الشيء الوحيد الأسوأ من تحول الخيانة إلى وجهة نظر هو تحول الوطنية إلى وجهة نظر. إذ لا يمكن تسييس الوطنية إلى الدرجة التي وصل إليها النظامان البعثيان دون تسييس الخيانة ذاتها، اي جعلها خيارا منافسا لغيره أو «ثقافة» كما اشرنا. غير ان هذا لا يبرر لأحد خياراته. فالنظم التي تسيس الوطنية وتجعل من الولاء لها مقياسا لوطنية شعوبها ليست مُثلا عليا يقتدى بها. إنها بالضبط المثل السفلى التي يستحسن تجنبها.

وأن تبادر واشنطن إلى إسقاط نظام بعينه، فهذا حدث مفرد لا يقاس عليه، فيما إسقاطها نظاما آخر، أمر يدل على توجه سياسي تمليه المصلحة. أما إعلانها خططا لتغيير غيرهما، فيرقى إلى مرتبة مشروع تلتقي فيه المصلحة والقوة بالفكرة.

لقد تحولت واشنطن من سياسة مراقبة ومنع التغيرات غير المرغوبة أو غير الموافقة لمصالحها إلى سياسة فرض التغيرات المناسبة. وبموازة تحول السياسة هذا ارتفعت سيادتها من مرتبة كفالة الستاتيكو القائم في المنطقة إلى مرتبة إحداث التغيير فيها. وتحول واشنطن إلى صناعة التغيير في الشرق الأوسط، بل احتكارها لهذه الصناعة، هما أعلى مراتب السيادة العالمية ومؤشر على ثقة بالنفس لم تكن في متناولها هي من قبل، وليست في متناول أية قوة اخرى في العالم. لقد اضحت الولايات المتحدة قوة «ثورية» في «الشرق الأوسط» بعد أن كانت القوة الأشد رجعية ومحافظة فيه وحليفة القوى الأكثر جمودا وانغلاقا حتى عقد السبعينات (بين السبعينات ونهاية القرن العشرين لم يعد ثمة مشروعات تغييرية من اي نوع. لم يعد ثمة رجعيون ومحافظون لأنه لم يعد ثمة تغييريون وثوريون).

مقابل تسنم الولايات المتحدة مرتبة السيادة على التغيير أو «السيادة الثورية» في المنطقة انخفضت مرتبة سيادة دول المنطقة جميعا، بما في ذلك إسرائيل من حيث المبدأ (هذه مستفيدة جدا من الثورية الأميركية، لكن بالتبعية لا بالسيادة). وما يمنح واشنطن مرتبتها السيادية العليا هو ذاته ما يجرد الأنظمة العربية في المنطقة مما بقي لها من مراتب السيادة ورسومها، أعني التقاء القوة العسكرية وغير العسكرية غير المسبوقة، بالعقيدة الديموقراطية الليبرالية غير المنافَسة اليوم عالميا، وبالإرادة السياسية الأكيدة التي تُنسب، ليس دونما أسف عند كثيرين، لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش. نشهد بخصوص الدول العربية ضعفا مضروبا بضعف مضروبا بضعف: لا إرادة سياسية إن للتغيير أو لمقاومة التغيير، ضعف عسكري ومدني ومعنوي قياسي يتفوق على أي ضعف سابق، وافتقار لأي نوع من العقيدة الجاذبة القادرة على الإقناع. الضعف الأُسّي هذا يلقي بعض الضوء على الجو المكتئب والمستسلم في قمة الجزائر. تكاد غريزة الموت تكون الشيء الوحيد الحي في هذه الأنظمة.

ليست الضغوط الأميركية هي التي أضعفت النظم العربية. لقد كشفتها فحسب بعد ان كانت سترا وغطاء لها.

كانت هذه النظم قد تعودت على الاستكانة لما يطلب منها من الخارج بما أغناها عن مفاوضة الداخل والوصول إلى تسويات معه. لذلك لا نعثر على مفتاح فهم تاريخ نظم الحكم في منطقتنا في تاريخ المجتمعات المحكومة واقتصادياتها ونظمها الثقافية والدينية، خلافا لما يحب ان يرى الأميركيون انفسهم. إنه بالأحرى تاريخ نظام السيطرة الدولية.

لقد كانت السياسة في المنطقة لعبة بين نظم حكم ديكتاتورية وبين القوى الكبرى في العالم، وذلك منذ بداية السعبينات. وكان الضعف النسبي للأميركيين إبان الحرب الباردة ينعكس قوة نسبية لأنظمتنا. وبعد الحرب الباردة لم تجد واشنطن سببا لتغيير سياستها حيالها، وبالخصوص لعلمها أن في المجتمعات المحكومة من الخصوم والأعداء لها اكثر مما فيها من الأصدقاء. وهكذا جرى تواطؤ أميركي سلطوي على إهمال المجتمعات وعدم أخذها في الحسبان، وصولا إلى ضربها حين تتمرد.

بالنتيجة لم يعلن تغير نظام السيطرة الدولية تغيراً ذا بال في الموقف من نظم الحكم في المنطقة. لقد استمرت تنظيمات الحرب الباردة هنا ولم تنته إلا في أيلول (سبتمبر) 2001.

ثلاث سنوات ونصف بعد 11 ايلول: تبلور مشروع وتلامحت ثقافة. إن علاقة «التعاون» التي تجمع ناشطين ومعارضين من بلاد عربية مع الأميركيين هي ثمرة التقاء المشروع التغييري الاميركي بثقافة تعاون على إنتاجها المشروع ذاته وتعفن في مجتمعاتنا المخنوقة. ثمة «شرعية ثورية» فتية تتولد عن السيادة الثورية الأميركية، ومعها يتولد «ثوريون» جاهزون للاستعمال. وثمة «شرعية ثورية» محتضرة تستسلم للتفسخ، ومن تفسخها يتخلق جناح من «الثوريين» الجدد. وبين تفسخ هنا واستعمال هناك، يتشكل «ثوريو» اليوم من مغامرين وانتهازيين وعملاء حقيقيين.

هذا لا يمنح ذرة شرعية لأنظمة التفسخ. بالعكس. قد نتبين أن ورثة «الشرعية الثورية» القديمة بكل اشكالها، البعثية والشيوعية والإسلامية، هم جنرالات أمن مرعبون، يفرضون نسختهم الخاصة من الوطنية على مواطنيهم المرتاعين: الوطنية التخوينية، حيث الجميع خونة إلى أن يثبتوا وطنيتهم عبر الوشاية بمواطنيهم. النتاج الصافي لهذه السياسة هو جعل الخيانة إغواء وطنيا عاما. فببساطة، التخوين ينتج خونة، والتكفير ينتج كفارا.

فيما وراء انحطاط الوطنية البعثي، وانحطاط السياسة الذي تمثله الجلبية، بلادنا بحاجة إلى وطنية جديدة وسياسة جديدة. وطنية لا يكون رجل المخيف، ولا رجل المال السارق، معيارها. وسياسة لا تخوّن ولا تكفّر، ولا تغويها الخيانة والكفر.

(كاتب سوري)