هل ما تزال الولايات المتحدة مخطئة فى الشرق الاوسط....

بثينة شعبان.....الشرق الاوسط


لم ينتظر الكثيرون في العالم اللجنة الرئاسية الأميركية التي دققت في الأسباب وراء فشل الاستخبارات الأمريكية حول موضوع أسلحة الدمار الشامل في العراق كي يعلموا بأن العذر الذي وضعته الولايات المتحدة لشنّ الحرب على العراق كان مجرّد ذريعة، وليست معلومات دقيقة كما كان يؤكد أركان الإدارة الأمريكية لشن الحرب. فقد حاول البروفيسور هانز بليكس، رئيس فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة، جاهداً إقناع مجلس الأمن والإدارة الأميركية لمنحه مهلة ستة أشهر إضافية فقط، كي يستطيع التحديد بدقة قراره حول وجود أو عدم وجود تلك الأسلحة في العراق. وأكد في المحفل الدولي حينها أنه سيتمكن خلال ستة أشهر من تقديم تقريره النهائي حول تلك الأسلحة، ولكنه كان يعلم ـ كما كان يعلم الجميع ـ أن قرار شنّ الحرب على العراق قد اتُخذ مسبقاً وأن الإدارة الأميركية لا ترغب في سماع أي شيء يقود بالاتجاه المعاكس لشنّ الحرب.
ولم يحتج الأمر حينذاك إلى فنيين وتقنيين لإثبات ما قاله بليكس، فقد أدركت ملايين الناس في المدن الأمريكية والأوربية أن أسلحة الدمار الشامل ليست إلاّ مبرّراً سياسياً لشنّ الحرب على العراق. وحاول العالم ثني الإدارة الأميركية إلا أنّ كلّ هذا اصطدم بأبواق إعلامية ظلت تردّد عباراتٍ وتهويلاتٍ عن الخطر الذي يشكله العراق على الأمن القومي الأميركي والبريطاني والعالمي والسرعة القصوى المطلوبة لمواجهة هذا الخطر قبل أن ينقل أسلحته خلال دقائق إلى أيدي إرهابيين يهددون حياة الأمريكيين. ومع أن التقرير قد أكّد عدم وجود أدلة لدى الاستخبارات الأمريكية تبرّر الحرب عبر الادعاء بوجود أسلحة دمار شامل ولكنّ التقرير لم يذكر كيف استخدمت الإدارة المعلومات المتاحة أو أساءت استخدامها لتنفيذ المخطط المرسوم مسبقاً.
مع أنّ التقرير تحدث عن زيارات مكثفة ومطولة لمسؤولين اميركيين كبار لمركز الاستخبارات والضغط الذي يشكله وجودهم للسير باتجاه معين. والسؤال الحقيقي هو: ما هي الأسباب الفعلية وراء إصرار بعض المسؤولين الكبار في الإدارة والبنتاغون ومجلس الأمن القومي، على شنّ الحرب الدموية على العراق؟ وبما أنّ التقرير يفيد أنّ الولايات المتحدة قد خسرت الكثير من صدقيتها وهيبتها في هذه الحرب، التي فقد العراق بسببها الاستقلال والسيادة الوطنية وبالإضافة إلى مئات الألوف من القتلى والجرحى من العراقيين والأمريكيين وغير ذلك من خسائر مادية تقدر بمئات المليارات من الدولارات لاقتصاد البلدين، فالسؤال هو: من المستفيد منها، والسؤال الأخطر هو أن الأشخاص أنفسهم الذين قادوا الولايات المتحدة لشن الحرب على العراق، هم الذين يسيرون بمخطط مماثل في فلسطين ولبنان وتهديدات ضدّ سورية لأسباب تشبه في مضمونها وأعذارها، رغم تغيّر المسمّيات، المعلومات والأسباب التي قادت إلى الحرب على العراق. وها هو التقرير يشهد أنّ المعلومات المتاحة حول إيران وكوريا الشمالية معلومات غير كافية على الإطلاق ويمكن أن نضيف إلى هذه البلدان أيضاً لبنان وفلسطين وسورية.
والسؤال الخطير الأهم الذي له علاقة بالمستقبل هو: هل ما زالت مصادر المعلومات الاستخباراتية الأميركية حول منطقة الشرق الأوسط هي ذاتها التي تتبناها الإدارة لتبني توجهاتها وسياساتها تجاه دول المنطقة اليوم؟ كل هذه الأسئلة تقود إلى السؤال الذي لا بدّ من الإجابة عنه خاصة بعد نشر التقرير، وهو: من هم الذين دفعوا في أروقة السلطة في الولايات المتحدة باتجاه شن الحرب على العراق؟ ولماذا؟ وإذا كانت هذه الحرب قد أضرّت بمصداقية وسمعة ومصالح الولايات المتحدة أوليس هذا سبباً كافياً يستحقون الحساب عليه؟ هذا على الأقل من وجهة نظر أميركية، أما من وجهة نظر العرب فإن أحداً لم يذكر أبداً ماذا كان ثمن الحرب هنا في الشرق الأوسط ومن هو المسؤول عن هذا الثمن الباهظ الذي تدفعه شعوب المنطقة، ولاحظت أن كل من كتب عن التقرير قد أحصى خسائر الولايات المتحدة من هذه الحرب وهذا حقهم كما هو من حقنا نحن هنا أبناء هذه المنطقة والمتضرّرين فعلاً من «أخطاء» السياسات الأميركية القاتلة أن نحصي خسائرنا.
إن الحرب على العراق قد تسببت في قتل ما يزيد على مئة وعشرين ألف عراقي وتركت أكثر من مئتي ألف يعانون من إعاقات بالغة في أجسادهم، كما تسببت بقتل معظم علماء العراق وثلاثمئة من الأكاديميين البارزين في الجامعات وخيرة أطبائه ومفكريه وقادة المجتمع. كما تسببت بمآسي إنسانية وإذلال يصعب معرفة مداه نتيجة المعاملة الشائنة للسجناء في سجون أبو غريب والبصرة والموصل وغيرها. كما تسببت الحرب بسرقة المتحف الوطني العراقي وسرقة آثار بابل ونينوى وذي قار، أي سرقة هوية بلاد ما بين النهرين والتي، كما العلماء والأطباء والمفكرين، لا يمكن تعويضها.
كما أحدثت الحرب فوضى في العراق وانعدام الأمن والخدمات أصبحت معها حياة العراقيين جحيماً لا يطاق. كما أدخلت الحرب مفاهيم انقسامية تعتمد الانتماء الديني والعرقي والطائفي لتفتيت وحدة الشعب العراقي الذي عاش قروناً طويلة في تناغم وطني، كما أن الحرب تهدّد بتقسيم العراق على أسس طائفية وعرقية ودينية. وإذا كانت الحملة لإنقاذ حياة تيري شايفو قد استأثرت باهتمام الأميركيين والعالم. وهذا من دون شك أمر إنساني وحضاري، فكم يستحق مئات الألوف من العراقيين الذين قتلهم الحصار الذي سبق الحرب بمن فيهم الأطفال بسبب الحرمان من الغذاء والدواء وتدمير البنية التحتية وكذلك مئات الألوف من الذين وجدوا أنفسهم ضحايا حرب مستمرة، في وقت يبدو واضحاً ألا أحد يتحمل مسؤولية كل هذا العبث بحياتهم ومستقبلهم وأمنهم؟
ومن يتحمل في الولايات المتحدة مسؤولية إنفاق مئات المليارات من الدولارات على حرب سببت مآسٍ إنسانية وحضارية واقتصادية للعرب، كما كلّفت الولايات المتحدة قسطاً كبيراً من صدقيتها وسمعة وسلامة أبنائها؟
والسؤال الأهم: هل يبقى العالم صامتاً ومكتوف الأيدي إلى أن تتكرر مآسي دموية أخرى ذات نتائج مماثلة في لبنان وفلسطين وبقية أقطار الشرق الأوسط وفق أهواء الموالين لإسرائيل المؤثرين على مفاصل السلطة الأميركية؟ أم حان الوقت للتحرك الآن كي لا نترك مصير الشعوب أسيرا لكتب التاريخ، فما نريد أن نتركه لأبنائنا هو منطقة آمنة مزدهرة وليس تقاريرَ تحقيقٍ تضع اللوم على «طرق جمع» أو«مصادر» معلومات الاستخبارات من دون أن يتحمّل أحد مسؤولية تدمير الحياة الآمنة لملايين البشر، واستباحة وقتل مئات الآلاف من الأبرياء، وإنزال ألم إنساني لا يُطاق بشعوب مسالمة، بل بالعكس ليخرج بعض كبار المسؤولين، بتصريحات مفبركة سياسياً وإعلامياً عن نشر «الحرية» و«الديمقراطية» في بلدان نشروا فيها الإرهاب والقتل والخراب. وإذا كان الرئيس بوش قال بعد موت تيري شايفو أنه يريد أن ينشر «ثقافة الحياة» في الولايات المتحدة، فلماذا يرسل قواته لينشروا «ثقافة الموت والخراب والدمار والعنف والاحتلال والاستيطان» في منطقة الشرق الأوسط؟