لبنان من دولة أمنية الى دولة آمنة
بقلم
الدكتور كلوفيس مقصود

النهار

الاهم الا نفرّط بطاقات الحيوية التي انتجها استشهاد الرئيس رفيق الحريري والتي تمحورت على المطالبة "بالحقيقة". ونشير الى هذا الاحتمال لكون الطاقم السياسي القائم معارضة وموالاة يكاد يعاود مناورات التعامل السياسي و"حرتقاته" لما كان يحصل قبل التجمع الرائع لجماهير لبنان حول الاصرار على المساءلة والاجابة الواضحة المتعلقة بكيف، ولماذا، ومن خطط لاغتيال الحريري وقبله مروان حماده، علما بأن المساءلة كانت وإن بنسب متفاوتة، القاسم المشترك بين تظاهرات ساحة الشهداء التلقائية الرائعة وساحة رياض الصلح الشديدة الانضباط ووضوح خطابها الدقيق.

صحيح ان الدوافع قد تباينت الا ان المطالبة بجلاء الحقيقة كانت مرجحة وتبين لمرحلة ما ان توافقاً فرضه هذا التوافق قد يؤول الى تطور يصلّب الوحدة الوطنية ويفرز لهذه الحيوية النامية مرجعية جديدة ومجددة وتكون موثوقا بها وواعدة والى حد كبير ملهمة. كما كان مفترضا ان تفرز مفردات سائدة في مختلف شرائح الشعب اللبناني لكنها بقيت مهمشة ومكبوتة من الطاقم السياسي القائم.

كان المتوقع حصول نقلة نوعية في الفكر السياسي والعمل المنبثق منه كمنشط الى درجة انه ألهم العديد من الانتفاضات الشعبية، تمحورت في مصر حول شعار "كفاية" وأعطت زخما لحركة شعبية تمحورت بدورها حول احتجاج صارخ على دعوة الرئيس بن علي لشارون الى زيارة تونس. كما ان استشهاد الرئيس الحريري اعطى لبنان الحجم الذي طالما تاق اليه بأن يبقى، وبأن يعاود دورا تنويريا واستنهاضيا لطالما غيبته صغائر محترفي الطائفية ومثيري العصبيات والمتقوقعين في خدمة المصالح الضيقة.

كيف نبقي هذه الحيوية الفتية التي فاجأت المجتمع اللبناني والعربي والدولي بروعة تجلياتها وشجاعة تماسكها، بمنأى عن الاختراق الذي يحاول بعضهم في الطاقم السياسي عبره حرف هذه الحيوية عن الرؤيا الواضحة الى صغائر حرتقاتها المنفرة والتي من شأنها تلويث صفاء عفويتها ونقاء براءة مضمونها؟

امام هذا التحدي العظيم تبدو تصرفات الطاقم السياسي عقيمة واجترارية، بمعنى ان "الموالاة" تتمتع باكثرية قانونية وبشرعية منقوصة، بينما المعارضة هي في حالتها الراهنة معارضات مفتقرة الى الخطاب المتناسق وان برز في صفوفها من فرمل بعض اندفاعاتها كما عند الموالين من عمل، وان بصعوبة، للتكيف مع متغيرات حاصلة.

صحيح ان هناك توافقاً على ان الطائف هو السقف، الا ان ما يجب ان يحدد وحدة المنطلق يبدو هشاً بازاء التعقيدات الدولية والاقليمية المحيطة بالتطورات اللبنانية في الاسابيع القليلة المقبلة. لذا نلفت الطاقم السياسي القائم الى ان الوقت يدهمه واذا كان المطلوب ان تحصل الانتخابات في وقتها وعلى اساس مقبول من كل الاطراف فلم يعد مسموحاً بأي تلكؤ في قيام حكومة موثوق بها وملتزمة التجرد، لتشرف على الانتخابات فتكون اولوياتها، لا مجرد نزاهتها بل اخراج الاقتصاد اللبناني من اخطار فقدان الامن والارهاق الذي يستتبعه، والسعي الحثيث الى نقل لبنان من دولة السلطات الامنية الى دولة لبنانية آمنة. واذا تم اختيار فريق حكومة موثوق بها، بمعنى غير مطعون بتحيزها، واستكملت الانتخابات ضمن المهلة الدستورية فعندئذ تفتح صفحة جديدة في حياة لبنان ودوره، وفي علاقاته القومية من موقع استقلالي واضح ومسؤولية عربية مستقيمة.

لذا يجب ان تتميز الاسابيع القادمة بروح المسؤولية في اقصى درجاتها، فلا مجال للتلعثم في مناقشاتنا ولا للضبابية في خياراتنا ولا للتبعثر في طاقات التغيير لدينا، وبالتالي نتيح للحيوية التي شكلت ظاهرة صحية ملهمة ان تحقق صيرورتها، فتغفر الاجيال الصاعدة للطاقم السياسي خطاياه واخطاءه بحقها وعندئذ تسترجع المساءلة دورها والشفافية حتميتها والحيوية مرجعيتها والحقيقة عناصر تكوينها. وعندئذ يتعافى لبنان، بالمعارضين والموالين فيه، وتنتقل معافاته بحكم العدوى المحتومة الى اوطان أمته العربية.