قميص عثمان وقميص الحريري

د. رياض نعسان أغا
- الاتحاد

 

إذا كان قميص عثمان ما يزال من ألف وأربعمائة عام ينزف دماً وقد صار علّة تفرق وتمزق ما تزال الأمة تعاني منه، فإن قميص الحريري النازف دماً بات ذريعة لتمرير مشروع صهيوني لإضعاف لبنان وسوريا، ولفرض ما تريده إسرائيل على المنطقة كلها. ومع الاحتفاظ بالفارق بين الرجلين في المكانة الدينية، لكون عثمان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ثمة مواضع للتشابه أهمها أن الرجلين جاءا إلى السياسة من عالم المال والأعمال، وكلاهما تحمل مسؤولية في مرحلة فتنة حرجة، وكلاهما قتله رجل واحد هو عبد الله بن سبأ الصهيوني، وكلاهما استـُخدِم قميصُه لتحقيق مآرب سياسية ضد مصلحة الأمة.
وقد تتهم هذه المقاربة بأنها قراءة دينية للحدث، ولكنني سأصد التهمة بالإشارة إلى حالة النفاق السياسي التي تعيشها المنطقة، والتي تدعونا إلى تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وإلى استبعاد الدين من الصراع مع أننا نعيش أزمتنا الراهنة مع الولايات المتحدة لكونها باتت دولة دينية بامتياز، لدرجة أن رئيسها يرى الله في نومه ويأخذ منه التعليمات. وقد قال مرات بأن الله أمره شخصياً أن يغزو أفغانستان، ثم تجلى له وأمره أن يغزو العراق، ثم أوحى له الله أن يقيم دولة للفلسطينيين. ونخشى أن يراه من جديد ويأمره بتنفيذ معركة هرمجون وإقامة مملكة الرب في إسرائيل. وسر خشيتنا هذه أن تسارع وتصعيد التهديد لسوريا ولبنان لا مبرر له غير ما يخدم مستقبل الإمبراطورية الإسرائيلية التي ما يزال شعارها الشهير (حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل). وقد كشف الوضع الراهن في العراق رغبة الولايات المتحدة بإذكاء الكوامن وتفتيت المجتمع إلى طوائف مذهبية ودينية وإثنية بعد أن كان الشعب كله عراقياً فقط. ولقد حذر كثير من قادة العالم قبل الغزو من خطر حدوث فوضى في العراق وفي المنطقة، ولم يكن يخطر على البال أن الفوضى هي الهدف. ولم يكن أحد يتوقع أن يكون ما يحدث جزءاً من الخطة لإشاعة ما يسمونه اليوم "الفوضى الخلاقة" التي تمهد لنسف كل قيم المجتمع وثوابته واستقراره، وتخلط الحابل بالنابل ولا تتيح فرصة لصوت العقل والحكمة.

واليوم تتجسد في لبنان أخطار التشظي الاجتماعي إلى طوائف ومذاهب بعد أن كاد اللبنانيون يخرجون من إطار الطائفية إلى ولاء خالص للوطن وللأمة بفضل نجاح الوطنيين اللبنانيين بدعم معلن من سوريا بإعادة بناء الدولة العلمانية الديمقراطية وتحقيق السيادة والشرعية. ويشعر المجتمع العربي كله بالخوف من وجود خطة لاستعادة مشروع تقسيم لبنان إلى دويلات طائفية، أو إلى محو السمة العروبية عن لبنان وربطه بدوائر النفوذ الأجنبي. وكانت سوريا قد تمكنت بفضل القوى الوطنية اللبنانية من إفشال هذا المخطط، ولكن دعاته يستعيدونه اليوم مستفيدين من تداعيات 11 سبتمبر ومن تنامي النفوذ الأميركي في المنطقة ومن غياب الديمقراطية الدولية، وبالطبع لا يمكن تحقيق هذا المشروع إلا عبر إشاعة الفوضى التي بدأت نذرها بمحاولة اغتيال الوزير حمادة، ثم كانت الجريمة الثانية الأكثر هولاً وهي اغتيال الحريري، وقد نجحت الجريمة في تحقيق أهدافها السياسية، ومنها أن يمضي بعض الوطنيين الذين هزتهم فاجعة الاغتيال إلى تصديق أبواق الإعلام العربية الصهيونية التي اتهمت سوريا حتى قبل أن يصل شرطي إلى مكان الجريمة، مما يؤكد أن من رسم الجريمة تابع رسم تداعياتها. وكان من أهم نتائج الجريمة إجبار سوريا على تنفيذ القرار 1559.

ولم تكن سوريا تنوي التمسك بالبقاء في لبنان لأنها قامت بخمسة انسحابات منذ أن تم تحرير الجنوب، ولم يكن أحد في سوريا يريد أن يبقى جنودنا في لبنان بعد أن تعافى وبعد أن تم تنفيذ المهمة التي دخل من أجلها. ولم يكن في نية سوريا أن ترفض ما يتعلق بها من القرار الدولي، لكنها كانت حذرة مثل كل العرب مما في بنوده الأخرى. ولكن أعداء سوريا ولبنان أرادوا أن يتم الانسحاب بطريقة أثارت غضب الشرفاء اللبنانيين الذين خرجوا في تظاهرة الوفاء وقدموا الاعتذار عن الإساءات التي لقيها السوريون من بعض الأشقاء. وقد أصاب الرئيس مبارك حين وصف عملية الاغتيال بأنها فخ نصب لسوريا. ولقد كان من نتائج الفخ سعي بعض أطراف المعارضة إلى تسليم القضية اللبنانية للمندوب السامي الأميركي، والكيد لسوريا وإطلاق الاتهامات لها فضلاً عما تم تلفيقه من كلام على لسان الرئيس بشار. وكان الحريري الشهيد على وشك اللقاء به في ذات الأسبوع لو قدرت له الحياة.

لقد شعرت من موقع المواطن السوري بأن الاستخفاف بسوريا قد وصل حداً لا يطاق، ولا سيما حين انطلق الاتهام لها بتدبير التفجيرات في الأحياء المسيحية في بيروت، وكان مخزياً أن يتجاهل أصدقاء الأمس أن سوريا قدمت آلاف الشهداء من زهرة أبنائها كي توقف التفجيرات التي دمرت لبنان منذ منتصف السبعينيات وكان يصنعها أعداء سوريا ولبنان. والمخجل أن تنطلق هذه الاتهامات لسوريا بألسنة عربية تتجاهل أن المستفيد من الفوضى والتفجير والتدمير هو إسرائيل ومشروعها الصهيوني الشرق أوسطي الكبير الذي لا يمكن أن يمر إلا إذا تمت إبادة المقاومة وتم تسليم الأسلحة بما فيها سكاكين المطابخ، كي لا يملك أحد قدرة على الدفاع عن نفسه وعن وطنه، وإلا إذا تم إضعاف سوريا وإنهاكها وتغيير وجهها العروبي.

ومع أنني على صعيد فكري لست من دعاة التجييش والتعبئة لأنني أتمنى أن نستطيع تجاوز الأزمة بالحوار والتفاهم مع الولايات المتحدة وفرنسا، وأتمنى أن نصل إلى حل سلمي عادل للصراع العربي الإسرائيلي وأن تستجيب إسرائيل للمبادرة العربية، وأعتقد أنه ليس من مصلحتنا في الأمة العربية أن تعادينا أكبر قوة في العالم، و أؤمن بأن من أهم مسؤولياتنا الوطنية أن نجنب شعبنا الدمار، والوقوع في الأفخاخ، إلا أنني مثل كل السوريين أجد في نفسي غضباً من أن يستخف بسوريا أحد، وأن يشمت بضعفها عسكرياً أمام الولايات المتحدة ضعفاء النفوس الذين بدؤوا العد التنازلي وهم يبشرون بسقوط دمشق وبقدوم الإسرائيليين أو وكلائهم لتحرير سوريا ولبنان من العروبة والإسلام، دون أن يسألوا أنفسهم تحت أي حذاء سيكونون إذّاك، فقد عودنا التاريخ أن الغزاة يحترمون من يدافع عن وطنه ويحتقرون من يخون بلاده.

إننا من موقع المواطنة السورية ندرك حاجتنا الماسة جداً إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، وإلى ديمقراطية وطنية شفافة تتيح أوسع مشاركة للمواطنين في تحمل المسؤولية، وإلى تعميق الحوار الوطني لصياغة رؤية جديدة لمستقبل سوريا، وإلى إعادة النظر بالموروث الفكري لكل الأحزاب التي نشأت أفكارها في أوائل أو منتصف القرن العشرين ولم تعد قابلة للتفاعل مع المتغيرات والمستجدات، كما نؤمن بضرورة حل المشكلات التي باتت خلفنا، وورثنا تداعياتها من فتن تجاوزناها وبضرورة إنصاف كل ذي حق، ونخص من له حق من أهلنا الأكراد الذين امتزجوا بالعروبة والإسلام وكانوا على مر التاريخ قدوة في الدفاع عن الأمتين من قبل الحروب الصليبية إلى عصر الانتداب الفرنسي. وأعترف بأنني لم أسمع في حياتي إلا قبل بضع سنين عن مشكلة لبعض الأكراد في سوريا لأنني أعرف أن فيهم قادة كباراً تسلموا أعلى مواقع المسؤولية في الدولة السورية منذ تشكلها، ولكننا مطالبون بمناقشة كل مشكلات أبناء وطننا وإنصافهم ولا أحد في السوريين يضيق بحق أحد ما دام مطلبه يعمق الوحدة الوطنية ولا يشقها أو يخرج عليها.

إننا نؤمن بحاجتنا إلى إنهاء كل ما يشكو منه الشعب من فساد، ولكننا لا نقبل أن تتخذ الأخطاء ذريعة للانقضاض على سوريا الوطن والتاريخ والحصن العربي الأخير، وأن يتخذ قميص الحريري ذريعة لإيقاع سوريا ولبنان في فخ منصوب من قبل مجرمين محترفين.

ولقد وعد الرئيس بشار شعب سوريا بقفزة إصلاحية نرجو أن تكون نهوضاً شاملاً لمشروعه الذي بدأه دون ضغوط من قبل أن يتسلم سدة الرئاسة، وقد تعثر تنفيذ هذا المشروع، ونأمل أن يجد اليوم سبيلا لانطلاقة ضخمة، ونرجو من بعض أشقائنا العرب الذين يطالبون سوريا بفهم المتغيرات حولها، أن يتأملوا بدورهم هذه المتغيرات جدياً لأن فيها ما يهددهم بتغيير جلودهم وعروبتهم ودينهم وأسمائهم وبضياعهم في الدنيا وفي التاريخ.