لأنّ الأحداث تتسارع بشدّة وفي اتجاهات غير متوقعة ؟ أيّ تغيير من الداخل تريد واشنطن في سورية؟

2005/03/31

 

 

القدس العربي

صبحي حديدي
المرء المتابع لتاريخ ثلاثة عقود ونيف من عمر العلاقة بين البيت الأبيض والنظام الحاكم في دمشق منذ الحركة التصحيحية التي قادها حافظ الأسد أواخر العام 1970، وليس بالضرورة ذلك المرء العارف ببواطن ذاك التاريخ، لن يدهشه التصريح المدهش الذي أطلقه قبل أيّام آدم إيريلي، نائب الناطق الرسمي باسم الخارجية الأمريكية.
كان الرجل يعلّق علي لقاء موظفين كبار في الإدارة (إليزابيث شيني وجون هانا) مع نشطاء مجتمع مدني وأكاديميين أمريكيين من أصل سوري، فنفي أنّ يكون هدف اللقاء هو دراسة خطط بديلة عن نظام بشار الأسد، ومؤكداً علي نحو بليغ واضح: النقاش دار حول كيفية مساندة رغبة الشعب السوري في الإصلاح، وفي حرّيات أكبر، وفرصة أفضل... من داخل النظام القائم هناك حالياً !
من داخل النظام، إذاً، وليس من خارجه. وكنّا بحاجة إلي نائب الناطق الرسمي لكي ينطق بالموقف الفعلي الذي تنتهجه الإدارة، ولا يلوح أنها ستبدّله أو تعدل عنه إلي أيّ سيناريو آخر يعيد تكرار تجربة بعض أطراف المعارضة العراقية التي اشتغلت مباشرة عند، ولصالح، وكالة المخابرات المركزية والبنتاغون. هذا لا يلغي ميل واشنطن الغريزي إلي ممارسة ألعاب الحواة مع رجال تعرف الإدارة جيداً أنهم لا يمثّلون شيئاً يُذكر في سورية، ومن المضحك أن تشطح المخيّلة بعيداً فتري أياً منهم وقد تمّت ترقيته حتي إلي مصافّ أمثال أحمد الجلبي وإياد علاوي ومشعان الجبوري. وهذا، كذلك، لا يمنع بعض فرسان اليمين في البرلمان الأوروبي من السير كالصمّ البكم في الركاب الأمريكي، ودعوة فريد الغادري (وليس رياض الترك طبعاً، أو ليس أيّ ممثّل بارز للمعارضة في داخل سورية!) إلي حضور جلسة مخصصة لبحث إبرام اتفاق تجاري وسياسي مع دمشق...
وفي استكمال هذه الصورة، تتحدّث التقارير عن رجاءات حارّة توجّه بها بعض القادة الأوروبيين (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) إلي الرئيس الأمريكي جورج بوش لتخفيف الضغط عن نظام بشار الأسد، كيلا ينهار فجأة أو يتشقق أو يتداعي. وبعض التصريحات الأمريكية تؤكد لهؤلاء الحلفاء أنهم ليسوا بحاجة إلي توصية حريص، كما حين تفكّر كوندوليزا رايس بصوت عال في صحيفة واشنطن بوست حول سيناريوهات ما يجري أو سيجري في سورية: ما نحاول القيام به هو تقييم الموقف حتي لا يُباغت أحد لأنّ الأحداث تتسارع بشدّة وفي اتجاهات غير متوقعة، بحيث يقتضي الحذر معرفة ما يجري في هذه الآونة .
ولكي نتلمّس واحدة فقط من المسلّمات وأشباه البديهيات في تاريخ علاقة البيت الأبيض بـ الحركة التصحيحية ، نتذكر أنّ واشنطن أقامت الكثير من الـ بزنس مع الأسد الأب (في لبنان أوّلاً، ثمّ في عاصفة الصحراء ، وفي لبنان ثانياً، والعراق بعدئذ...)، فكانت أبرز خصاله أنه إذا تعاقد أوفي علي أكمل وجه. وكانت واشنطن تنوي مواصلة التعاقد غير المعلن ذاته مع الوريث الشاب، لولا انتهاء صانعي القرار إلي قناعة شبه أكيدة بأنّ هذا الإبن ليس ذاك الأب، وأنّ واشنطن لا تستطيع التعاقد معه في مسألة أولي وأساسية واستراتيجية ولا هامش فيها لأخطاء قاتلة من النوع الذي يرتكبه الهواة: خاصرة العراق، واللعب بالنار في الداخل العراقي، وإرخاء القبضة علي الحدود، وتجارة السلاح، وسوي هذه من مسائل تلحق الأخطار بالرهان الأمريكي الأهمّ اليوم في المنطقة.
ولكن... كيف السبيل، إذاً، إلي تغيير من داخل النظام القائم كما تريد واشنطن؟ وإذا لم يكن الرئيس هو فارس الرهان، لأنه ببساطة لا يحكم تماماً كما يريد البيت الأبيض، فمَن هو/ مَن هم البديل؟ وهل تنطوي السيناريوهات، إذ يصعب بالفعل أن يتخيّل المرء اعتماد ثقاة واشنطن علي سيناريو واحد وحيد، علي اشتغال إصلاحي ملموس وظاهر للعيان، لا يمسّ مع ذلك بنية النظام الجوهرية والمعادلات التي تبقيه قائماً علي قيد الحياة؟ وإذا صحّ هذا، وهو الأرجح الأبرز في الطور الراهن، وتمّ التغيير من داخل النظام ، فهل تدور آلة الحكم بيد شخص منفرد ظاهر، أو آخر يحكم في الظلّ، أو محفل حكماء، أو...؟
قبل أسابيع قليلة، روي جو كلاين في أسبوعية تايم الأمريكية أنه، وخلال التحضير للحوار الذي أجراه بعدئذ مع بشار الأسد، تحدّث مع بعض المعارضين السوريين لاستكشاف الصورة. وكان بين هؤلاء كمال اللبواني، أحد عشرة أشخاص بارزين صدرت بحقهم أحكام سجن بسبب مشاركتهم في الأنشطة السياسية خلال ما سُمي ربيع دمشق . واللبواني الطبيب طلب من كلاين أن يسأل الأسد ــ الطبيب بدوره ــ عن سبب اعتقال الثاني للأوّل. لستُ أنا الذي زجّ به في السجن. لستُ أنا الذي يقوم بكلّ شيء في هذا البلد ، كانت إجابة الرئيس!
في الفترة ذاتها نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين سعوديين طلبوا عدم ذكر أسمائهم، أن الأسد قال للأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء السعودي: أنا لا أقرر كل شيء وحــدي وذلك حينما طلب منه الأخير سحب القوات السورية من لبنان بأسرع ما يمكن. وحدث خلال اسبوع واحد أن نفت مصادر رسمية سورية، بينها وزير الإعلام السوري نفسه، تصريحات كان الأسد قد أدلي بها في لقاء مع الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي، وفي حوارات مع صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية وأسبوعية تايم الأمريكية.
مَن الذي زجّ اللبواني في السجن، إذاً؟ ومَن يتوجب أن يشارك الأسد في اتخاذ القرارات؟ ومَن الذي يصحّح أقوال الرئيس، وسبق له أن راقب أكثر من نصف مقابلته الشهيرة مع صحيفة نيويورك تايمز قبل سنتين؟ هذه الأسئلة يختصرها سؤال واحد كلاسيكي ظلّ يتردد منذ أن خلف بشار الأسد أباه حافظ الأسد في حزيران (يونيو) 2000: هل يحكم سورية حقاً؟ وإذا لم يكن الحاكم الفعلي، أو هو كما يقول لا يقرّر كلّ شيء وحده، مَن إذاً يحكم معه أو ربما بدلاً منه أو قبله؟ مَن هي القيادة السورية علي وجه الدقة؟ كيف يُطبخ القرار، وكيف يُتّخذ، وكيف يُنفّذ؟ أين يميل ميزان القوّة؟ أين تميل موازين القوّة؟
من الحكمة أن نأخذ مثالاً أساسياً وحديث العهد: إذا صحّ احتمال أن تكون السلطة السورية هي التي اتخذت قرار تصفية رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، مَن اتخذ القرار؟ الشائعة، التي ينبغي أن تظلّ هكذا حتي يثبت العكس في كثير أو قليل، تقول إنّ هذا الامر نوقش وحُسم في حلقة الستة ، إشارة إلي الدائرة الأعلي والأضيق التي تسيّر شؤون السلطة وتضمّ إلي جانب الرئيس السوري كلاً من:
ـ العقيد ماهر الأسد (37 سنة)، القائد الفعلي لكتائب الحرس الجمهوري ذات التسليح النوعي والتدريب العالي، والتي لا تقوم فقط بحماية الرئاسة، بل تطوّق العاصمة عملياً وتراقب كلّ تحرّك أمني وعسكري يجري فيها أو في محيطها. صحيح أنّ معظم التقديرات تجمع علي مزاجه العصبي الإنفعالي (في أكتوبر 2000 قالت تقارير إنه أطلق النار علي صهره آصف شوكت لأنّ الأخير تحدّث بشكل مهين عن عمّه رفعت الأسد)، لكنّ تقارير جادّة تقول إنه يتولي مهامّ خاصة وشديدة الحساسية، من نوع اللقاء السرّي الذي ذكرت صحيفة معاريف إنه جري في العاصمة الأردنية عمّان قبل أسابيع قليلة من غزو العراق، وجمع ماهر الأسد مع المبعوث الإسرائيلي إتيان بنتسور.
ـ اللواء غازي كنعان (63)، رئيس الإستخبارات العسكرية في لبنان طيلة 19 عاماً متواصلة، ووزير الداخلية الحالي، والرجل الذي قد يكون اليوم الأكثر صلاحيات وسلطة في الميدان الأمني. وكان كنعان قد حظي بثقة حافظ الأسد، وعمل معه علي نحو لصيق فاكتسب خبرة سياسية لا يتمتّع بها سواه من ضباط الأمن السوريين العاملين حالياً. وهذا يفسّر لجوء بشار الأسد إليه بهدف مركزة القرار الأمني، وتحسين مستويات التنسيق بين أجهزة يعمل كلّ منها وكـأنه في جزيرة مستقلة. وفي عام 2001، وبعد نقله من لبنان، تولي كنعان جهاز الأمن السياسي وأخذ يستجمع الصلاحيات بين يديه تدريجياً، حتي عُيّن وزيراً للداخلية في التعديل الوزاري العام الماضي. وإذا صحّ أن كنعان بدا الأقوي بين جميع قادة الأجهزة الأمنية في الفترة الماضية، فإنّ الأمر قد لا يستمرّ هكذا بعد تعيين شخصية قوية وقريبة من بيت السلطة مثل آصف شوكت في رئاسة المخابرات العسكرية، إذ من المرجح أن لا يمتثل الأخير لإرادة كنعان.
ـ اللواء آصف شوكت (55 سنة)، زوج بشري الأسد (54 سنة) شقيقة الرئيس والإبنة البكر والوحيدة في عائلة الأسد. وفي البدء لاح وكأن شوكت قد هبط مثل طائر الوقواق حين وقعت بشري في غرامه ورضيت أن تكون زوجته الثانية، سرّاً ودون موافقة العائلة، وعاشت معه بعيداً عن القصر الرئاسي، حتي حسم الأسد الأب الأمر فأعادها وضمّ شوكت إلي العائلة. ويتردد أنه ما يزال منبوذاً من العائلة، وطيلة خمس سنوات رفض بشار طلب بشري تسليم زوجها رئاسة جهاز الإستخبارات العسكرية، وكان أعلي منصب اقترحه عليه هو جهاز استخبارات القوي الجوية، الذي رفضه شوكت واعتبرته بشري إهانة لها!
ـ اللواء بهجت سليمان (61 سنة)، رئيس الفرع 251 في المخابرات العامة والشخصية الأقوي في هذا الجهاز، ويتمتع بنفوذ وصلاحيات تفوق رئيس الجهاز نفسه، اللواء هشام بختيار. موقع سليمان له أكثر من خصوصية تجعله مختلفاً عن جميع أفراد الحلقة الضيقة في السلطة. إنه، من جهة أولي، عرّاب التوريث والجمهورية الوراثية وكان أوّل مَن طالب أن يكون باسل الأسد هو خير خلف لخير سلف ، وكان كذلك أوّل مَن طالب بتوريث بشار بعد ساعات من وفاة أبيه. خصوصية ثانية أنه الذراع اليمني للسلطة في أوساط المثقفين والكتّاب والفنانين، وهو المسؤول عن تدجين العديد منهم، واختراق تجمعاتهم وإفشال مشاريعهم في ميدان العمل الديمقراطي عن طريق التهديد أو الوعيد. والخصوصية الثالثة أنّه أحياناً ينقل صوت السلطة في قضايا حاسمة وعلي نحو غير مباشر عن طريق المقال السياسي، الذي يوقّعه صراحة أو بأسماء مستعارة. وعلي سبيل المثال، في مقال نشرته صحيفة السفير اللبنانية أوسط 2003، كان أوّل مَن حذّر من زلزال ديمغرافي في لبنان إذا انسحبت منه القوات السورية.
ـ عبد الحليم خدام (73 سنة)، نائب الرئيس وأبرز المتبقين في السلطة من رفاق حافظ الأسد. أهميته تنبع أولاً من كونه الشخصية السنّية الوحيدة في حلقة الستة ، وصاحب الخبرة الواسعة في شؤون السياسة الخارجية، والرجل الذي كان في وسعه خلق أزمة جدّية بين أغلبية البلاد السنّة والأقلية العلوية لو أنه تمسّك بحقّه في أن يكون الرئيس الإنتقالي بعد وفاة الأسد. وإذا صحّت نظرية انقسام السلطة إلي حرس قديم وحرس جديد، فإنّ خدّام هو الرأس السياسي الأبرز في الحرس القديم، وفي صفوف حزب البعث ايضاً، وإليه يُعزي معظم الضغط الذي أدّي إلي إجهاض ربيع دمشق حين ألقي خطاباً نارياً في جامعة دمشق حذّر فيه من جزأرة سورية.
هذا لا يعني، بالطبع، عدم وجود شخصيات أخري ليست عضوة في دائرة الستة ، ولكنها صاحبة سطوة وسلطة ونفوذ في ميادين الأمن والجيش والاستثمار الخاصّ ومختلف أنساق النهب المنظّم لاقتصاد البلد وثرواته. السؤال يظلّ معلقاً، مع ذلك: هل هاهنا، في حلقة الستة أو عند أيّ من أعضائها مجتمعين أو فرادي، تعلّق واشنطن أمر التغيير من داخل النظام القائم ؟ وإذا كانت هذه الحلقة قد عجزت عن إحداث تغيير جوهري أو حتي إصلاحي بنيوي طيلة خمس سنوات بعد وفاة الأسد الأب، هل ستضطرّ اليوم إلي ذلك التغيير الذي يريده البيت الأبيض تحديداً، تحت طائلة تفكيك النظام أو تسريع اهتراء أركانه أو زعزعة استقراره بغية تقريب انهياره؟
وفي غمرة أسئلة كهذه، ما الذي كانت كوندوليزا رايس ترمي إليه حين تحدّثت عن مباغتة قد تصنعها أحداث تتسارع بشدّة وفي اتجاهات غير متوقعة ؟