الطريق إلى أبو غريب مُعبّد بآراء ألبرتو جونزاليز...

مايكل راتنر....الوطن
في دولة يحكمها القانون عادة ما يكون تطورها القانوني والسياسي قد اكتمل وانتهى. أمّا أن يأتي محام ليدافع عن انتهاك المعاهدات، ويتجاهل الحجر الأساس في القانون الدولي والداخلي، فلا يمكن، كما هو معتاد، أن نعتبره مؤهلاً لملءِ منصبٍ شاغرٍ في المحكمة العليا أو في أي موقع عالٍ داخل الحكومة. وعليه، فمن البديهي أن يُطرد شخص، ممن تُعبّد آراؤه القانونية الطريق إلى تعذيب الأسرى، وهو تعذيب جرى فعلاً، من منصبه باعتباره مرفوضاً أخلاقياً.
أمّا بعد، فها هو من أحدّثكم عنه، إنه ألبرتو جونزاليز، مستشار الرئيس جورج بوش للشؤون القانونية والذي عُيّن من قبله ليكونَ مُدعيا عاما للولايات المتحدة (وزيرا للعدل). ها هو رجل كان ينبغي أن يُنبَذ وينفى قانونياً وسياسياً وأخلاقياَ بعد تسرّب مذكّرته القانونية التي كتبها في 25 يناير 2002. الآن ابتسم وأنت تقرأ ما جاء في المذكرة.
مذكّرة جونزاليز عَبَّدت الطريق للإساءات والتعذيب في جوانتانامو وأبو غريب: مازالت قراءة المذكرة تُشكِّل صدمة. في بداية عام 2002 طلب وزير الخارجية كولن باول من الرئيس أن يُعيد النظر في قراره عدم تطبيق قواعد وأحكام معاهدات جنيف (الخاصة بأسرى الحرب) على أسرى أفغانستان. أراد باول أن يضمن مصداقية الولايات المتحدة واعتبارها الأخلاقي في المقاضاة أثناء الحرب. كان يميل بشدّة أن تجري معاملة كافة الأسرى طبقا لمعاهدات جنيف متسلحا بحجته أن تطبيق المعاهدات سيحمي مستقبلا أرواح وسلامة الأسرى الجنود الأمريكان حيث سيتم معاملتهم بالمقابل كأسرى حرب وتتولى المعاهدات حمايتهم.
حجّة جونزاليز كانت تمضي باتجاه آخر. قال في مذكّرته إنه بإمكان الرئيس ألا يطبّق معاهدات جنيف، بالرغم من أنها معاهدة موقّعة من الولايات المتحدة ومُصادق عليها من مجلس الشيوخ، وبالنتيجة، تعتبر أعلى قانون في البلاد. أبلغَ الرئيس أيضا أنه ليس من الضروري إجراء محاكمات لأولئك الذين تم إلقاء القبض عليهم خلال الحرب في أفغانستان، وأن بإمكان الرئيس أن يقرّر ببساطة أنه ليس هناك بين الأسرى من هو أسير حرب. كتب جونزاليز في مذكرته يبرر استثناء أسرى أفغانستان من أحكام معاهدات جنيف قائلا: "النصوص الإنسانية الأساسية في معاهدة جنيف تصبح باطلة وميتة خلال الحرب ضد الإرهاب". لم يستند جونزاليز في حكمه على مبدأ أو قاعدة أو فقه أو سابقة قانونية.
نصح جونزاليز الرئيس أن يتجاهل القانون، وهنا أخذ يُعقلِن أسبابه بهذه الطريقة: هناك حاجة ماسّة "للحصول على معلومات بسرعة من الإرهابيين المعتقلين." لم يشرح كيف يمكن لأسير أو معتقل أن يُعتبر "إرهابياً" من دون محاكمة تستند إلى معاهدات جنيف، لكنه وضع هذه الحجة القانونية جانبا. بالنسبة لجونزاليز فإن القيود التي تضعها معاهدات جنيف حول طريقة الاستجواب، وتحريم التعذيب، والمعاملة غير الإنسانية، وامتهان الكرامة الشخصية للأسير، هي عبارة عن "أفكار بالية".
بينما كان جونزاليز يتبع هذا الخط من التفكير وقع في مشكلة تتعلق بـ: فضائح انتهاكات الجنود الأمريكان في سجن أبو غريب، وهي قضية أكثر تعقيدا من سجناء جوانتانامو، فقد ثبت أن تشريعاً أمريكيا واحدا في الأقل (قانون جرائم الحرب) يتضمن انتهاكات خطيرة لمعاهدات جنيف ناهيك عما إذا كان القانون قد اعتبر الأسير أسير حرب أم لا. أمّا عن التعذيب في أبو غريب فقد حذّر جونزاليز في مذكرته القانونية الشهيرة قائلا: "من الصعب أن نتكهن حول الدوافع التي دفعت المحققين لارتكاب الانتهاكات." وفي مجال دعوته للرئيس عدم تطبيق معاهدات جنيف، قال: "استثناء الإرهابيين من الأحكام الإنسانية الأساسية لمعاهدات جنيف يجعل من الصعب ملاحقة العسكريين الأمريكان من أي دعوى قضائية قد تقام مستقبلاً بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية." وهو هنا يخرق القانون، كي يتيح للعسكريين الأمريكان أن يخرقوا القانون، ثم يضمن لهم حماية غير قانونية عن طريق خرق القانون.
هذه الفقرة من مذكّرة جونزاليز كافية لتوضّح الأمر جلياً: أن إدارة بوش، كانت تُخطّط منذ وقت مبكر جدا، يعود إلى يناير 2002، باستخدام، وقد استخدمت فعلا فيما بعد، أساليب وتقنيات في التحقيق تعرف جيدا أنها تنتهك آدمية الإنسان وتنتهك بالتالي المعاهدات، وعليه من أجل ألا تعرِّض نفسها فيما بعد لدعاوى قانونية تتعلق بقضايا جرمية، اختارت تجاهل معاهدات جنيف. في الحقيقة، وكما بتنا نعرف الآن، فإن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قد خوّل استخدام تقنيات، ضد الأسرى في جوانتانامو تنتهك معاهدات جنيف كلياً. تقنيات التحقيق هذه نُقلت فيما بعد إلى العراق وكانت النتيجة فضيحة أبو غريب.
الكشف الذي ظهر فيما بعد عن ممارسات جوانتانامو، سواء الصادر من قبل الأسرى أو الحرّاس، يعطينا فكرة عمّا يعني تجاهل معاهدات جنيف من الناحية العملية. بعد إطلاق سراحهم في مارس 2004 تحدّث ثلاثة شبان من المملكة المتحدة عرفوا باسم (تبتون ثلاثة) عن الإساءات وعمليات التعذيب التي تعرضوا لها في جوانتانامو. لقد عانوا من فترات طويلة من الحبس الانفرادي، والتجريد من الملابس، والوقوف القسري بأوضاع مُنهكة بدنياً وعصبياً ونفسياً لمدة 12 ساعة، والتعرض للكلاب. الحراس أكّدوا فيما بعد المزيد من هذه الإساءات بضمن ذلك تجريد الأسرى من سراويلهم التحتية، وربط أيادي وأقدام الأسرى بسلسلة تُربط بحلقة معدنية مثبّتة في الأرض، وصعقهم بتيارات كهربائية خفيفة، وإخضاعهم لموسيقى صاخبة، ودرجات حرارة منخفضة جدا. في حالة الأسرى البريطانيين فقد أعطت هذه التقنيات للولايات المتحدة معلومات ثمينة، مع استثناء واحد، أنه تم التأكد فيما بعد أنها كانت مُختلقة كليا للتخلص من التعذيب، وقد كان هذا هو حال أغلب المعلومات الاستخبارية التي تم استخلاصها بهذه الطريقة. حتى هذه الذرائع غير الأخلاقية لحجج جونزاليز التي تبرّر المعاملة غير الإنسانية كضرورة لانتزاع المعلومات، اعتبرت خطأ فادحاً، كما سنرى بعد قليل.

لقد سبّبت فضائح التعذيب أضرارا لا يمكن إصلاحها لمن تم احتجازهم خطأً، وكذلك لسمعة الولايات المتحدة، وسلامة وأمن قواتها مستقبلا، ولحكم القانون أيضا. مذكرة جونزاليز القانونية، التي مهدت الطريق للفضيحة، هي وثيقة ستلحق العار بهذا البلد.
لقد تم في وقت لاحق رفض آراء وتفسيرات جونزاليز القانونية في المحاكم، وإن جاء ذلك متأخراً. ففي يونيو من هذا العام أصدرت المحكمة العليا حكما اعتبرت فيه الحجز الغامض، وغير الدقيق، وغير المحدد، وغير المحدود لأغراض التحقيق غير مخوّل قانونا. وفي وقت حديث جدا أصدرت محكمة اتحادية حكما قالت فيه إن معاهدات جنيف قابلة للتطبيق على الأسرى وإن كافة المحتجزين في جوانتانامو تنطبق عليهم مواصفات أسير حرب.
لكن الرفض السياسي والأخلاقي لأفكار جونزاليز ينبغي أن يكون هو الآخر ثابتا. ماذا سيحصل الآن للتطور الوظيفي والمهني لرجل كان قد نصح الرئيس بتجاهل القانون؟ هل من الممكن ترقية محامٍ كان قد برّر المعاملة غير الإنسانية للأسرى لأعلى منصب قانوني في الأرض؟ هل بإمكان شخص، كان مخطئا إلى هذا الحد بحيث وافق على التعذيب وتحدث عن فوائده ومزاياه في انتزاع الحقائق أن يصبح مدعيا عاما (وزيرا للعدل) للولايات المتحدة الأمريكية؟
إن رفض الكونجرس ترشيح جونزاليز ليكون وزيرا للعدل سيؤكّد أن أمريكا ترفض الإساءات والتعذيب، وأننا نؤمن بحكم القانون، ونحن نسعى أن نكون جزءاً من العالم حيث يُعامل الأسرى بكرامة وإنسانية.

* قانوني أمريكي، ورئيس مركز الحقوق الدستورية بالولايات المتحدة