الحياة بين جملة استعصاءات ...

د. محمد السيد سعيد .... الاتحاد

يبدو أن العالم العربي أو أكثره يتمتع فعلا بخصوصية هي أكثر من ثقافية وتكاد تكون كونية. فهو يعيش الآن خارج القوانين العامة للسياسة والاجتماع البشرى. جميع الثقافات والتشكيلات الاجتماعية تدب فيها الحياة وتنشط ذهنيا وسياسيا وتنفض عنها غبار الزمن الآسن الطويل عندما تواجه محنة أقل مما يواجهه العرب بكثير. أما في العالم العربي فيبدو أن الأغلبية تقاوم مجرد إبداء اهتمام كاف بما يحدث حولها. ولهذا السبب يبدو أن الاختيار المفتوح الذي تطرحه السياسة هو بين العنف المجدب وعدم الاكتراث. تتبنى منهج العنف الخالص أقليات ضئيلة بذرائع دينية وقومية. وهي تشغل نفسها بالحرب ضد أقليات أخرى تعلن انتماءها للتيارات الليبرالية والديموقراطية والإصلاحية والبراجماتية التي تنتقى منذ لك كله دون حساب وتبعا للظروف. أما الغالبية بما فيها غالبية الطبقات الوسطى فقد انسحبت بنعومة وليس لديها سوى آراء ساخرة ومشوشة في أفضل الأحوال. وقد يكون هذا الانسحاب رد فعل للاستعصاءات والفراغات المجدبة التي تحكم الأزمات العربية الخارجية والداخلية. ولكنها في الواقع المنبع الرئيسي لتلك الاستعصاءات وسببها المباشر الأكثر بروزا. ويترتب على ذلك أن أحدا لا يملك طريقة لفتح ثغرة في جدار اليأس.

لدينا استعصاءات في العراق في صراع بين الإمبريالية وحركة "مقاومة" مجردة تماما تقريبا من الفكر وتباشر "المقاومة" بأسلوب إحراق البلد بما فيه من قوات أجنبية وعراقية، ومن أجانب ووطنيين. ومن ثروات عراقية وعمليات إعمار خارجية. وهناك استعصاء آخر حتى فيما لو انسحب الأميركيون حيث يخبىء القدر للعراق مزيدا من العنف الأهلي والطائفي هذه المرة، وفى فلسطين لدينا حقوق لا يمكن لأحد التنازل عنها ويكاد يستحيل كسبها بالقوة في المدى المنظور على الأقل. وبذلك نعود موضوعيا إلى الاستعصاء التاريخي بين فشل الدبلوماسية والافتقار إلى المقومات الأساسية لحل عسكري ناجح. ولهذا لا تعدنا التحركات الدبلوماسية الحالية سوى بهدنة أخرى ربما تسمح لشعب صغير يناضل بلحم أطفاله بفرصة للعق جراحه ولكنها لا تعده بالخلاص الوطني. فالإمبريالية تزور طبيعة الصراع وتنتحل طبيعة جديدة للقضية بنقلها إلى حيز الديموقراطية وشعارات الشرق الأوسط العظيم لتبعدها عن طبيعتها الحقيقية كقضية حقوق قومية سليبة، وبذلك لم يحصل الشعب على مقابل سياسي لتضحيات مخيفة بالمعايير الإنسانية ولم تنجح المقاومة المسلحة في التفوق على الدبلوماسية في إنتاج مخرج من هذا الاستعصاء.

وفى السودان يعيش الناس بين فخين: استقلال الجنوب وتفكك الدولة أو إنتاج دولة تجمع بين نقيضين لن يهدأ الصراع بينهما أبدا وهما الحكومة الإسلامية والمقاومة الجنوبية التي صارت مزيجا عجيبا من النزعات الإثنية والماركسية الماوية والمسيحية السياسية والصلات الأميركية.

ويطارد الاستعصاء الكامن في قضية الصحراء الغربية أية فرصة لبناء وحدة مغاربية يدرك الجميع حتميتها والحاجة الوجودية لها. كما تعاني أكثرية المجتمعات بين استعصاءات التوفيق بين الإرث الشعبوي والحركة الإسلامية الأشد عنفا في العالم العربي والإسلامي وسياسات القصر والفوضى والنفوذ العسكري.

وعلى المستوى الداخلي تعيش كل المجتمعات العربية تقريبا داخل شراك العجز عن إنتاج إصلاحات حقيقية تعيد اضاءة الأمل في العودة إلى مسار النهوض والضغوط الأجنبية التي تضغط لإنتاج إصلاحات تهدد بمزيد من التبعية والاستسلام للأمر الواقع.

ولا شك أن هذا هو الاستعصاء الأكبر. فالاستلاب والفراغ السياسي والثقافي الممتد أنتج بيئة سياسية وثقافية مجدبة حيث لا يكاد يكون هناك حزب أو تيار فكري أو سياسي يحظى بشعبية حقيقية عاقلة أو يملك فكرا يبشر بالخلاص والنهوض أو حتى بإصلاحات حقيقية وتقدمية. وبهذا المعنى، تعيش المجتمعات العربية حالة توقف تاريخية نتيجة استعصاء ملتبس بين اختيارات مستبعدة وأقربها عنف خالص وواقع لا ينتج سوى الفساد وسياسات البطش.

ووسط هذه الاستعصاءات وبسببها تعيش شعوبنا العربية حياة ثقافية بائسة ويائسة حقا أغلقت حتى باب الأمل الخطر في المغامرة بالحياة من أجل فرصة عمل في أوروبا وأميركا وغيرهما من بلاد الدنيا. وربما لهذا السبب بين أسباب أخرى يتجه قطاع مهم من شباب هذه الأمة لتبني "الإرهاب" والعنف ضد الذات والآخر السياسي والديني فيما يبدو كحركة قتل لا معنى لها ولا قيمة في تغيير أي شيء: لا الظلم الإمبريالي الخارجي ولا الواقع الداخلي المجدب. أما القطاع الأكبر فينسحب إلى أبعد نقطة في المحارة حيث لا يسمع غير صوت مضطرب ومشوش لا يدعو للتأمل ولا يبعث على التفكير ويضاعف الانسحاب من الحياة الثقافية الأرقى أو الترقي على سلم المهارات والمهن الإبداعية والعمل الشاق والضروري لإنتاج حياة أفضل.

وهذا الاستعصاء العاطل هو أصل كل المحنة الراهنة. فلم يكن من الممكن أن نعبىء قدراتنا ومواردنا للانتصار في معاركنا القومية وسط بيئة مفرغة ثقافيا تردع الناس عن التفكير النقدي العميق وتشركهم في النظر إلى الأمور أو في صنع الاختيارات الكبرى في السياسة والاقتصاد. ولم يكن من الممكن أن تكون لدينا حياة سياسية حقيقية بعيدا عن العنف والبوار السياسي والفكري بدون مشاركة المجتمع في مناقشة كل القضايا الكبرى وكل الإشكاليات والقضايا المصيرية بصورة منهجية ومنظمة فتمتلك هذه المجتمعات إرادة التغيير السلمي المنظم وتستعيد قدرتها على الترقي السياسي والاجتماعي.

ولا يمكن أن نحل كل تلك الاستعصاءات إلا إذا جمعنا كل الطاقة الممكنة والمبعثرة حاليا في تضاعيف وجودنا القومي لإنهاء حالة التوقف التاريخي هذه. ويعني ذلك توفر شرطين أساسيين.

أولا إدراك أن المحنة شاملة ولكن المفتاح الأساسي والضروري لحلها هو القضية السياسية. فإنهاء الاحتكار السياسي والانتقال إلى دولة كل الشعب هو المدخل الوحيد لحل كل المعضلات الأخرى. فالدولة الباطشة مهما كانت مبرراتها وذرائعها لا بد أن تعمل على التفريغ الثقافي للمجتمع وتفرض عليه حالة يائسة من التشظى والانكماش تقود موضوعيا إلى موقف خارجي يائس. وهذا هو الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه الدولة البعثية.

وثانيا لابد من امتلاك وضوح الرؤية طويلة المدى الضرورية لصنع اختيارات صعبة تشتمل بالضرورة على تضحيات كبرى وربما تنازلات مؤلمة في المدى المباشر من أجل فتح أفق التطور وامتلاك ناصية القوة الأخلاقية والاجتماعية بما فيها من مقومات علمية واقتصادية وثقافية وصولا إلى تحقيق التوازن والنصر في المعارك الخارجية الكبرى. ففي الظروف الحالية قد نتمكن من منع الخصوم التاريخيين من تحصيل عائد سياسي مجد للعدوان، ولكن يستحيل تقريبا أن نحسم المعارك الكبرى لصالحنا ونحن على هذا القدر من الاهتراء الداخلي والضعف الخارجي. ولحسن الحظ فإن بعض من تصوروا أن "العنف الإرهابي" هو الطريق السليم للنصر قد أدركوا هذه الحقيقة وفهموا أن القضية يجب أن تبدأ بالنهوض من الداخل حتى ننتصر في الخارج. ويبقى أن نعي بوضوح أن النهوض من الداخل يحتاج إلى قرارات شجاعة لعقد هدنة تاريخية طويلة نسبيا مع الخارج. ولكن العكس ليس صحيحا، فمجرد الحصول على هدنة في الخارج لا يضمن نهوضا داخليا. وكان ذلك هو الخطأ الاستراتيجي للمذهب الساداتي في السياسة الخارجية.