من سيربح 'المليون' ؟

 سمير منصور.... النهار

من الطبيعي أن تكون سوريا مهتمة على اعلى المستويات بـ"تظاهرة المليون"، فهي تعنيها مباشرة كونها رسالة سياسية واضحة الى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي وتحديداً الى الادارة الاميركية المهتمة جداً بالقرار 1559 الذي يعني بدروه سوريا قبل غيرها اذ يطالبها بسحب جيشها من الاراضي اللبنانية. واما الرسالة فمختصرة جداً ومفادها انه اذا كان في لبنان من يطالب بتنفيذ القرار المذكور ويعتبره منصفاً، فإن هناك اكثرية ترفضه وتعتبره ظالماً، وها هي التظاهرة خير دليل...

الداعون الى التظاهرة إذاً أمام تحد كبير، وليس سراً أنهم، احزاباً وتنظيمات وحركات يبذلون ما في وسعهم لتأمين أكبر حشد بشري في تلك التظاهرة الرسالة، والصورة فيها ستكون الأهم والأكثر تعبيراً. ولعل من اطلقوا صفة "المليون" على التظاهرة، وضعوا انفسهم في الموقع الحرج عندما الزموها سلفاً مثل هذا الحشد الذي مهما كان ضخماً فإنه سيفسح في المجال امام آخرين للقول في النهاية ان العدد لم يكن مليوناً بل أقل بكثير! من هنا التحدي الكبير الذي وجد منظمو التظاهرة انفسهم فجأة في مواجهته، وربما هم استعجلوا في رفع سقف العدد الى المليون، وهذا ما دفع احد السياسيين الى القول ممازحاً: كي يكون "العد" دقيقاً، يفترض الا يبقى احد في بيته نهار الثلثاء المقبل"... وفي المقابل من غير الجائز التسرع والاستعجال ايضاً فقد تبلغ التظاهرة المليون وربما اكثر، من يدري؟

واذا كان من حق معارضي القرار 1559 وغيرهم أن يتظاهروا تعبيراً عن موقفهم، فإن مؤيدي سوريا بدوا مرة جديدة، في موقع رد الفعل، وإلا فلماذا قرروا التظاهر الآن وليس بعد صدور القرار مباشرة؟ وقد عاد كثيرون بالذاكرة، الى محطات اخرى مشابهة في بعض اوجهها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر انشاء "لقاء خلية حمد" برئاسة رجل دين، رداً على انشاء "لقاء قرنة شهوان" برئاسة رجل دين، في خطوة لم تكن موفقة او قابلة للاستمرار، خلافاً لخطوة اخرى كانت فاعلة ومؤثرة الى حد كبير تمثلت بانشاء "اللقاء التشاوري" الذي ضم نحو اربعين نائباً مسيحياً برئاسة اكبرهم سناً الشيخ قبلان عيسى الخوري، كرد سياسي على نواب آخرين في "لقاء قرنة شهوان" وخارجه يخالفونهم الرأي في قضايا كثيرة ومنها الموقف من الوجود السوري في لبنان. من هنا فإن الداعين الى التظاهرة امام تحد آخر هو الحرص على ان لا تتخذ طابعاً فئوياً او طائفياً، بل ان يكون طابعها وطنياً بكل معنى الكلمة، وخيراً فعلوا عندما عمموا على محازبيهم عدم رفع الرايات الحزبية على اختلافها، والاكتفاء بالاعلام اللبنانية، علماً ان ثمة من يلفت الى ان التظاهرة الاخيرة للمعارضة اتخذت طابعاً فئوياً "اقله بسبب الصور التي رفعت خلالها"، وذلك في اشارة الى "تظاهرة المتحف" التي دعت اليها الاحزاب المسيحية.

بيد ان اكثر الامور حساسية، يبقى الحديث عن أقلية واكثرية بالمعنى الطائفي، لا بالمعنى السياسي، من هنا كان حرص رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي جبران عريجي على التأكيد إثر اجتماع في مقر حزبه لممثلي الاحزاب المشاركة في التظاهرة انها "رسالة الى المجتمع الدولي وليست موجهة ضد اي طرف لبناني" ومن هنا كان في الاساس حرص الرئيس عمر كرامي على التأكيد، عندما لفت الى انه "من غير الجائز ان تفرض اقلية رأيها على اكثرية" فإنما كان يتحدث عن اقلية واكثرية بمعنى الموقف السياسي الوطني اللبناني لا بالمعنى الطائفي".

وفي الانتظار فإن من غير المبالغة القول ان الجو السياسي العام بعد التظاهرة، سيكون مختلفاً عما قبلها، وخصوصاً اذا استحقت لقب "تظاهرة المليون". ومع الاستئذان من الزميل جورج قرداحي الذي حمل برنامجه التلفزيوني الشهير، العبارة نفسها، فان السؤال الأهم في النهاية سيكون: من سيربح "المليون"؟ مؤيدو القرار 1559 أم معارضوه؟