البراغماتية الفلسطينية بين زرع البيدر وبين الحصاد ...

محمد جمال باروت.... الوطن
تواجه البراغماتية الفلسطينية التي ارتبطت تقليدياً بالقيادة الفتحوية أو ما كان يسمّى حتى بتعابيرها بـ"القيادة المتنفّذة" لمنظمة التحرير الفلسطينية أخطر امتحانٍ لها، بعد رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، الذي تمكنت زعامته من تغطيتها ومنحها المشروعية الوطنية والسياسية وسط استقطابٍ فلسطينيٍ حادٍ. إن إعادة توزيع المناصب التي كان الرئيس الراحل يمسك بعقدها كلها قد أتت على مستوى إعادة تشكيل " الكابينة" القيادية الجديدة لصالح الاتجاه البراغماتي الفتحوي، الذي لم ينظر إلى الانتفاضة الثانية حين تمّ إطلاقها بقرارٍ مركزيٍ فتحويٍ، إثر مأزق مفاوضات كامب د يفيد(2) إلا كوسيلةٍ محسوبةٍ بدقةٍ لتحسين شروط العودة إلى طاولة المفاوضات، ومحاولة تقريب الوصول إلى الهدف الوطني بإقامة دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ.
بهذا المعنى لم تكن الانتفاضة قط خياراً استراتيجياً للاتجاه البراغماتي في القيادة الفتحوية بقدر ما كانت خياراً أداتياً ضغطياً مؤقتاً، لكن هذا الاتجاه لم يتمكن إزاء تطور الانتفاضة من إعادة المارد المنتفض إلى" القمقم"، الذي حرص الرئيس الراحل فعلياً على تركه طليقاً في ظل عدم وضوح المطار الذي ستحط فيه الطائرة، وهو ما أعاد الاعتبار إلى وزن القطب المقاوم في زعامته، الذي كرّسها وطنياً بقدر ما تم تدفيعه الثمن بحصاره و محاولة عزله، واعتباره غير ذي شأنٍ، وتبرير شارون إفراطه بالفتك بالشعب الفلسطيني بعدم وجود شريكٍ يحارب ما يسميه بـ" الإرهاب"، وتمكنه بنجاحٍ تامٍ من دمج فتكه بالشعب الفلسطيني باستراتيجية الرئيس الأمريكي جورج بوش في مكافحة "الإرهاب".
إن هذا الاتجاه البراغماتي يتربع اليوم على المفاصل القيادية في الكابينة القيادية للسلطة الفلسطينية، وكأن تربعه لم يكن بحاجةٍ سوى إلى نهاية الرئيس الراحل، وهو ما يفسر في العمق بسيكولوجيا نظرية تسميم الرئيس التي تنتمي مبدئياً إلى نظرية المؤامرة. ومع أنّ خيار اختبار تلك النظرية يبقى مفتوحاً بكل قوةٍ، فإن الخواتيم الأولى لتشكيل الكابينة الجديدة تنزع ذريعة شارون بعدم وجود" شريكٍ"، مع أن شارون قد كان العامل الحاسم في إسقاط محمود عباس إبان ترؤسه لأول حكومةٍ فلسطينيةٍ أكثر مما كان الرئيس الراحل، الذي أسقط حكومة أبي مازن بعد فشلها بانتزاع أية تسهيلاتٍ إسرائيليةٍ ملموسةٍ بغية توجيه رسالةٍ حاسمةٍ إلى شارون وواشنطن بمن هو مركز القرار في السلطة، ولكن كان من نتائج مجريات عملية إسقاط أبي مازن محاولة تشويه سمعته الوطنية بل وحرقها وتصويره بأنه" كارازاي فلسطين" وإفراده على الحائط.
تشكل سيطرة هذه الكابينة البراغماتية على المفاصل الأساسية الرسمية للقرار الفلسطيني إحراجاً حقيقياً لمزاعم شارون، في الوقت الذي تدخل فيه فرضياتها وخطط تصورها مرحلةً جديدةً تماماً بعد رحيل عرفات. والعنصر الجديد هنا هو عدم وجود زعامةٍ تغطيها. ومن هنا فإن البديل الحقيقي لتعويض ذلك هو في اعتماد محمود عباس على مبادىء القيادة الجماعية المؤسسية التي وحدها يمكن أن تسدّ فراغ الزعامة الذي خلّفه عرفات. ولكن لذلك استحقاق، ويتمثل هذا الاستحقاق في إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كمرجعيةٍ سياسيةٍ شرعيةٍ وحيدةٍ لأية مفاوضاتٍ محتَملةٍ، وهو مايثير إشكاليات إعادة بنائها وتفعيلها، والعلاقة مابينها وبين حركة فتح التي تعتبر نفسها حزباً قائداً للسلطة من جهةٍ، وبين السلطة الفلسطينية من جهةٍ ثانيةٍ.
إن محمود عباس نفسه ينتمي إلى المدرسة المؤسسية في حركة فتح ومنظمة التحرير، حتى وإن سار مع الزعيم الراحل خطواتٍ لا متناهية في تهميش المؤسسات. ولكنه بعد رحيل عرفات لا يستطيع أن يفعل شيئاً مغطىً بمشروعيةٍ وشرعيةٍ وطنيتين بمعزلٍ عن مداولات ومشاورات ومن ثم قرارات تلك المؤسسات. فهو يستطيع أن يدير اللعبة لكنه لا يستطيع أبداً أن يحكمها أو يقودها. وقد يشكل ذلك فرصةً حقيقيةً لاستعادة دور العامل المؤسسي الفلسطيني على مستوى حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية نفسها والعلاقة مع المجلس التشريعي. ويصب ذلك في صالح شرعية ومشروعية أية خطوةٍ سياسيةٍ يقدم عليها أبو مازن بوصفها قرار المؤسسات التي تدير كل شيءٍِ يتعلق بالشق السياسي" من ألفه إلى يائه" وليس قراره الشخصي.
لقد انتصر حتى الآن على الأقل في حركة فتح الوعي المؤسسي، لكن لاشيء يضمن تصدعات بل وانشقاقات العمل المؤسسي في وقت المنعطفات، ولكل ذلك إمكانيات قائمة في المناخ الفلسطيني. ويبدو أن هذا المنعطف المحتَمل يتلخص في سؤال: هل نحن في مرحلة الزرع من جديد كما تمّ من خلال إطلاق الانتفاضة كبديلٍ عن مسار أوسلو؟ أم في مرحلة حصاد؟ الكابينة البراغماتية تعتبر نفسها في مرحلة حصاد، عليها أن تكيّف تكتيكاتها واستراتيجياتها الانتقالية وفقها. ولكن الحصاد ليس قريباً بالضرورة، فالغطاء الإقليمي والدولي للكابينة البراغماتية الجديدة ما بعد عرفات والترحيب الأمريكي بها بوصفها كابينةً معتدلةً ومؤهلةً للتشارك التفاوضي قد ووجه بتراجع واشنطن وشكها باحتمال قيام دولة فلسطينيةٍ في عام 2005، ومطّ ذلك إلى سنوات ولاية بوش الثانية.
يشكل ذلك بحدّ ذاته ضغطاً محرِجاً على المدرسة البراغماتية للحصاد، بما يعنيه من الإصرار الحاسم على قطع أي طريقٍ للعودة إلى الطريق المقاوم ولو كان على نمط دفاع الصائل أو رد العدوان. وبما يعنيه أيضاً من امتصاص البرتقالة ورميها أمام ما أبقي لها. ولقد تمثلت عقدة عرفات في هذا التصور في أنه رفض تمثيل دور البرتقالة الممصوصة، وتحمل بكل بسالةٍ ثمن ذلك. لا يعني ذلك المصادرة على أداء القيادة الفلسطينية الجديدة بقدر ما يعني التبصر بالأهوال المحتملة في حال رمي البيض في سلةٍ واحدةٍ، وهو الذي تحاشاه الرئيس الراحل في كل علاقاته الإقليمية والعربية والدولية والداخلية الفلسطينية نفسها.
حين لم يفضِ طريق أوسلو إلى الحصاد لم يتردد الرئيس الراحل بقلب الطاولة ووداع أوسلو بـ" عظّم الله أجركم" فبدأ الزرعَ من جديد، فهل الحصاد المنتَظر هو حصاد هذا الزرع؟ في كل الأحوال لن يكون هذا الحصاد المنتظَر ثمرةً للتطلعات بل لموازين القوى، وسيكون حصاد المتعَبين والنازفين. من يستطع تحمل مسؤولية مثل هذا الحصاد الذي سيكون وفق المؤشرات الراهنة- وهي غير أبديةٍ ويجب ألا تكون بشتى السبل أبديةً- أقل من حصاد كامب ديفيد (2)، سوى قيادةٍ فلسطينيةٍ مؤسسيةٍ بالكامل تتحمل مسؤولية أي قرارٍ. ويعني ذلك أن طوق النجاة الحقيقي بحدّ ذاته لاختبارات الكابينة البراغماتية الجديدة لمرحلة ما بعد عرفات والحصاد المر الذي قد يكون بانتظارها هو المؤسسات والمؤسسات وحدها.

* كاتب سوري