تشريح لتشريع منحرف...

السيد يسين... الاتحاد

في إطار تحليلنا للحملة الدولية التي تقوم بها الدوائر الصهيونية في العالم لمناهضة المعاداة للسامية، أشرنا إلى القانون الذي أصدره الكونجرس الأميركي بعنوان "القانون العالمي لمناهضة معاداة السامية" والذي نوقش في أبريل الماضي، وصدق عليه الرئيس بوش في الطائرة الرئاسية وهو متوجه إلى فلوريدا، وهي الولايات التي تضم أكبر تجمع يهودي في الولايات المتحدة الأميركية.
ويلفت النظر أن الحملة الصهيونية في العالم ضد معاداة السامية لم تركز فقط على الولايات المتحدة الأميركية، ولكنها ركزت أولا على أوروبا، واستطاعت هذه الحملة أن تدفع منظمة التعاون والتضامن الأوروبي إلى أن تعقد ثلاثة مؤتمرات لبحث معاداة السامية. لو قمنا بتحليل قانوني دقيق للقانون الذي أصدره الكونجرس من ناحية الشكل لاكتشفنا أنه ينقسم إلى عدة أقسام. القسم الأول بعنوان:"عنوان وجيز" ويقصد عنوان القانون، وهو القانون العالمي لمناهضة السامية الصادر عام 2004.
والقسم الثاني بعنوان: "نتائج البحث-
Findings" وهو يعني أن الكونجرس قام ببحث ظواهر معاداة السامية واكتشف مجموعة من الوقائع. وأبرز هذه الوقائع المنصوص عليها في صلب القانون هي كما يلي:

1 – أن الأفعال المناهضة للسامية قد زادت زيادة ملحوظة سواء في عددها أو في اتساع مجالاتها في الأقطار المختلفة عبر العالم بما في ذلك البلاد التي تتمتع بأنظمة ديمقراطية قوية.

2 – أنه في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2003 والشهور الثلاثة الأولى من عام 2004 وقعت حالات عديدة من العنف المضاد للسامية حول العالم، وتتضمن هذه الوقائع حالات عنف وقعت في بتروجايا في ماليزيا في 16 أكتوبر 2003، حيث صرح مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي في هذا الوقت أمام منظمة المؤتمر الإسلامي، أن "اليهود يحكمون العالم بشكل غير مباشر، ودعا إلى النصر النهائي عليهم بواسطة المليار مسلم في العالم والذين لا يمكن أن تهزمهم ملايين قليلة من اليهود".

وتتضمن الوقائع انفجار قنابل في 15 نوفمبر 2003 في أسطنبول بتركيا أمام معبدين يهوديين، حيث قتل 24 شخصاً وجرح أكثر من 250 شخصاً. ويعدد القانون وقائع أخرى حدثت في أستراليا وروسيا وكندا وفرنسا.

ويلفت النظر أن القانون في الفقرة الثالثة من الفصل الثاني يقرر أن معاداة السامية أخذت شكل إدانة الصهيونية، والحركة القومية اليهودية، والتحريض ضد دولة إسرائيل. غير أن القانون يفرد (الفقرة الخامسة والسادسة) للأفعال المناهضة للسامية التي وقعت في العالم العربي والإسلامي بطريقة – كما يقرر – دائمة. ويتضمن ذلك توزيع كتب نشرتها دور نشر حكومية في مصر ودول عربية أخرى.

ومن المدهش حقاً من وجهة نظر أصول الصياغة التشريعية، أن يشير صلب القانون في فقرته الخامسة إلى المسلسل التليفزيوني المصري "فارس بلا جواد" الذي مثله محمد صبحي وعرض في نوفمبر 2002، باعتباره عملاً مضاداً للصهيونية، لأنه قام على أساس كتاب مزيف هو "بروتوكولات حكماء صهيون".

وتشير الفقرة السادسة إلى مسلسل تليفزيوني عربي آخر هو "الشتات"، والذي يتضمن إدانة لليهود لأنهم يتآمرون لكي يحكموا العالم. ويشير القانون في المادة السابعة إلى أن الصعود الحاد للأفعال المناهضة للسامية دفع منظمات دولية متعددة على رأسها منظمة الأمن والتعاون الأوروبي لعقد مؤتمرات لمواجهة الظاهرة. كما أن الولايات المتحدة – كما يشير القانون في المادة التاسعة - قد دعمت الجهود لمكافحة معاداة السامية من خلال علاقاتها الدولية الثنائية وتفاعلها مع منظمات دولية أخرى كالاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

ويخلص القسم الثاني من القانون في المادة العاشرة إلى أن الكونجرس دعم جهود مكافحة معاداة السامية وخصوصاً في دور الانعقاد رقم 107 حيث أصدر بمجلسيه قرارات تدعو وزارة الخارجية إلى توثيق الوقائع الخاصة بهذا الموضوع. أما القسم الثالث من القانون فعنوانه "تقدير الكونجرس" "
Sense of Congress" وهو يبدأ بأنه في تقدير الكونجرس فإن على الولايات المتحدة الأميركية التزامات معينة إزاء معاداة السامية هي كما يلي:

- على الولايات المتحدة الأميركية أن تستمر وبقوة في دعم الجهود لمكافحة معاداة السامية عبر العالم من خلال العلاقات الثنائية، وعن طريق التعاون مع المنظمات الدولية مثل منظمة الأمن والتعاون الأوروبي.

- إن الوفد الأميركي في مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أبريل عليه أن يطلب تعيين مبعوث رفيع المستوي لمناهضة معاداة السامية.

- على رئيس الجمهورية أن يوجه سفير الولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة لكي يستصدر بالطريقة المثلى قراراً لإدانة معاداة السامية.

- وعلى وزير الخارجية أن ينشئ مكتباً في وزارة الخارجية لرصد الأفعال المعادية للسامية ومناهضتها.

- على وزارة الخارجية أن تسجل بصورة شاملة الأفعال المعادية للسامية أو التحريض عليها التي تحدث حول العالم.

أما القسم الرابع من القانون فهو يتضمن تخويل وزارة الخارجية الحق في إنشاء مكتب خاص لرصد الوقائع المعادية للسامية ومكافحتها. ويتم ذلك عن طريق تعديل القانون الخاص باختصاصات وزارة الخارجية والصادر عام 1956 لكي تدمج فيه فقرة جديدة خاصة بهذا المكتب واختصاصاته. وأهمها إدماج تقريره عن معاداة السامية في التقرير السنوي لوزارة الخارجية، وحق مدير المكتب في عقد جلسات استماع يتحدث فيها شهود، وحقه في تلقي الأدلة المناسبة على وقوع أحداث منافية للسامية!

وبغض النظر عن مخالفة القانون لأصول الصياغة التشريعية والتي لا تجيز ذكر حوادث فردية كمبرر لإصدار القانون، لأن القاعدة القانونية كما تنص أصول القانون في كل البلاد، ينبغي أن تتسم بالعمومية والتجريد، إلا أن الشق الموضوعي من القانون يخالف عديداً من القواعد القانونية الدولية المستقرة.

فالقانون ينص على تعيين مبعوث خاص لمكافحة معاداة السامية من حقه أن "يفتش" على مختلف بلاد العالم لكي يرصد المخالفات التي تدل على معاداة السامية سواء صدرت من حكومات أو مؤسسات أو أفراد. وله أن يناقش الحكومات في ذلك، ويحثها على إصدار التشريعات الداخلية في بلادها التي تمنع وقوع هذه الأحداث أو تعاقب عليها، كما أن من حقه أن يسائل المؤسسات والأفراد الذين يرتكبون هذه الوقائع.

وهو في تقريره السنوي الذي سيرفع لرئيس الجمهورية، عليه أن يوثق الوقائع المعادية للسامية في أي بلد في العالم، ولرئيس الجمهورية أن يتخذ – حسب تقريره – الإجراءات العقابية المناسبة، والتي قد تكون عقوبات اقتصادية أو سياسية.

والواقع أن الولايات المتحدة الأميركية بإصدارها هذا القانون المنحرف تكون قد أعطت لنفسها حقاً غير مشروع في أن تكون هي المشرّع العالمي والمدعي العام العالمي وأخيرا القاضي العالمي!

مشرع عالمي بمعنى إصدار تشريع ينطبق على وقائع قد تحدث في أي بلد في العالم، وبغض النظر عن القوانين الداخلية التي عادة ما تكون لها السلطة المطلقة – في حدود أصول القانون – في تأثيم الأفعال والعقاب عليها. ومدعٍ عام عالمي لأن المبعوث الأميركي هو الذي – من خلال تقريره المرفوع إلى رئيس الجمهورية الأميركي – يقوم بدور المدعي العام. وقاضٍ عام عالمي يمثله رئيس الجمهورية الأميركية منفرداً، والذي يوقع الجزاءات والعقوبات على الدول والمؤسسات الوطنية.

إن هذا القانون ينضم إلى القانون الذي سبق أن أصدره الكونجرس للعقاب على مخالفات حقوق الإنسان والحرية الدينية في العالم، وهو في الحقيقة ليس إلا إعلاناً جهيراً بأن الإمبراطورية الأميركية التي فرضت على العالم هيمنتها المطلقة السياسية والعسكرية والثقافية، تريد أن تتجاوز ذلك كله لتفرض أيضاً هيمنتها القانونية.

غير أن أخطر نتائج هذا القانون هو التأويل الذي أعطته لنصوصه المنظمات الصهيونية في العالم، من كون أية انتقادات توجه للحكومة الإسرائيلية ومهما ارتكبت من مخالفات صارخة للقانون الدولي، وجرائم ضد الإنسانية... ستعد أفعالاً معادية للسامية. ترى ما هو رد الفعل العالمي على مخالفة الولايات المتحدة الأميركية لقواعد القانون الدولي المستقرة، ولاعتبارات سيادة الدول؟.