رهانات بوش وبلير...

عزمي بشارة....الحياة

كان الشعب الفلسطيني حزيناً على ذاته في ذلك اليوم، لأنه تذكر أنه بعد كل شيء، وبعد كل الانتصارات التي نعاها، ما زالت مأساته تتعمق. لكنه حزن كما يليق به أن يفعل، حتى الحزن كان تحدياً لإسرائيل. وبين تدمير الفلوجة وتشييع الجثمان في فلسطين، بدا المؤتمر الصحافي الذي عقده بوش وبلير يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري من إخراج صموئيل بيكيت في مسرح العبث. وإذا صمدت عزيزي القارىء، عفواً المشاهد، من جملة بوش الأولى في المؤتمر: «شكراً جزيلاً. السيد رئيس الحكومة، توني، كما احب أن أسميك، شكراً على حضورك، رائع أن أراك. أنا ولورا سعداء للترحيب بك مرة اخرى في البيت الابيض»، وحتى الجملة الاخيرة: «عمل ممتاز سيدي رئيس الحكومة»، فسوف تكتشف حتى لو كنت متحاملا على الفلسطينيين أن الشعب الفلسطيني ليس مذنباً في مصيبته. صحيح أنه وقعت أخطاء كثيرة، وصحيح أن هنالك فوضى، وصحيح أن تعميم الكذب في الأيام الأخيرة أطال الأنوف إلى درجة انه لم يعد أحد يلاحظ طول الانوف. كل هذا صحيح، لكن مصيبة الشعب الفلسطيني وتورطه مع الوضع العالمي وعلاقته بإسرائيل وبالمسالة اليهودية، ومع أمثال بوش من رؤساء الولايات المتحدة كبيرة ايضاً.

سمعنا في المؤتمر ردوداً حازمة على تشكيك الصحافيين بجدول الانتقال الزمني الى الديموقراطية في العراق، وطبيعة القوى التي ستتسلم الديموقراطية، وطبيعة «القوى الرجعية» التي تناهض ذلك. كم هو منعش أن تسمع كلمة «قوى رجعية» كمقولة للذم في البيت الأبيض. كان يلزم أن يدخله رجل عمالي مثل بلير في مرحلة لم تعد فيها مفاهيم اليسار تعتبر تهديداً لأحد.

لم يتم الإساءة لفكرة الديموقراطية وممارستها كما يتم الإساءة لها في هذه الأيام من قبل بريطانيا وابنتاها الاستيطانيتان، الولايات المتحدة واستراليا، ومواقفها الأكثر تطرفاً من قضية العراق والقضية الفلسطينية. ولو حضر رئيس وزرا استراليا لاكتملت صورة المؤتمر الصحافي.

كنا نتوقع أن نسمع أي شيء إلا أن قضية فلسطين هي قضية بناء الديموقراطية في فلسطين. والمقصود ليس الديموقراطية في الوطن العربي كما يذهب الديموقراطيون الراديكاليون العرب (خلافاً للنيوليبراليين الذين أشك بمدى ديموقراطيتهم) مذهب اليساريين من قبلهم أن الطريق إلى فلسطين تمر عبر العواصم العربية بالثورة الاشتراكية في حينه لإقامة هانوي عربية أو أكثر، وحالياً بالتحول إلى الديموقراطية في العالم العربي. فمن نافل القول أن بوش لم يقصد ذلك، وهو لم ينضم مع بلير إلى أي من المعسكرات الآنف ذكرها، بل هو يقصد الديموقراطية في فلسطين. صدقوا أو لا تصدقوا، خلاصة المؤتمر أن حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة يكمن في إقامة الديموقراطية في فلسطين. وقد يحسب المرء أن بوش وبلير قد انضما الى المعسكر الراديكالي القائل بالدولة الديموقراطية العلمانية. ففي فلسطين توجد حالياً دولة واحدة هي دولة اسرائيل، ودمقرطتها لا يمكن أن تعني إلا تعميم حق الاقتراع الى بقية ارجاء فلسطين في دولة ديموقراطية علمانية لجميع مواطنيها وسكانها، ولكن ليس هذا هو المقصود طبعاً. المقصود الديموقراطية عند الشعب الفلسطيني، وحتى حرية التعبير، نعم حرية التعبير في الضفة وغزة، هل يصدق هذا الكلام؟ كيف، ماذا، لماذا؟ الشيطان وحده إضافة إلى توني وجورج، وربما ايضاً لورا وشيري يعلمون عم يدور الحديث.

حسناً، لنشاور أحد هؤلاء قليلاً، يقول بوش: «فرصة الفلسطينيين لتطبيق الديموقراطية هي انسحاب اسرائيل الأحادي الجانب من غزة وأجزاء من الضفة»... «إنها فرصة جيدة للفلسطينيين «لخلق حكومة اصلاحية عادلة وحرة»، «عندها تنشأ فرصة لتجديد التقدم على خارطة الطريق، ورؤيا الدولتين، اسرائيل وفلسطين، تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمن». الطريق اذاً هو قبول تحدي خطة فك الارتباط التي اقترحها شارون. أما مبادىء الديموقراطية والحرية وحتى خارطة الطريق فاختزلت الى خطة فك الارتباط التي يقترحها شارون ومدى تجاوب الفلسطينيين معها. هذا ما تبقى من خارطة الطريق. وامتحان الديموقراطية سيكون في غزة. هل سألتني عزيزي القارىء مرة أخرى أين؟! لا، لم أخطئ في الكتابة، في غزة. أكرر مرة اخرى في غزة سيجري امتحان الديموقراطية.

في هذه المرحلة من المؤتمر ينهي بوش مقدمته بالفقرة الاحتفالية التالية: «هذا العمل الصعب هو عمل ضروري ايضاً. الطريق الى السلام هو طريق الحرية: ومن يختار هذا الطريق سيحصل على دعم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وفي خضم كل هذه الجهود يعلم الشعب الاميركي انه ليس له صديق أعلى قيمة من السيد رئيس الحكومة توني بلير. وكما نقول في كراوفورد إنه «رجل قد حاله»، لديه عمود فقري ويتحلى بالشجاعة وبالقيادة القوية. اشكره واشكر شيري لحضورهما...»، وهنا يمنح رئيس الحكومة حق الكلام.

لقد أتى بلير مرة أخرى الى أميركا بعد تصريحات متظاهرة بالشجاعة بأن هذه المرة سيفهم الرئيس الأميركي أهمية القضية الفلسطينية، فعاد بإعلانات حول الديموقراطية في غزة. وصد بوش حتى اقتراح المؤتمر الشرق أوسطي الذي تمخض عنه ذهن بلير، فيبدو أنه حتى بوش قد ملّ المؤتمرات. وها نحن نقرأ (ألوف بن، هآرتس، 15 نوفمبر) أن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلي سعيد بتنفيذ بوش وعده له بصد أي محاولة للضغط على إسرائيل أو لتحرك دولي خارج خطة فك الارتباط. لقد وفى جورج بوش بوعوده لأرئيل شارون مقابل أهم حليف لأميركا على حد تعبيره في المؤتمر الصحافي. وربما جاء هذا التأكيد لمراضاة بلير الذي كاد يفهم من سلوك بوش كما يبدو أن شارون هو حليف أكثر أهمية.

بعد ان يعيد رئيس الحكومة بلير تأكيد الحزم في العراق في «أخذ هذه الدولة وتحويلها إلى ديموقراطية» على حد تعبيره، وبعد التكرار الاستحواذي للأسباب الجديدة للحرب والتي بدأت تكرر بعد نفاذ صلاحية الأسباب القديمة التي رددت قبل الحرب، والتي فرضت بأثر رجعي لتبرير غزو العراق، وتماماً في نهاية الخطاب في الفقرة الاخيرة فقط يقول بلير أن الهدف يجب ان يكون تركيب أجندة «تسمح لنا بهزيمة التهديد الامني، ومعالجة المشاكل التي يستغلها الارهابيون، معالجة الفقر، والصراعات الدينية والإثنية التي تشغل العالم... وفي هذا السياق نؤكد ضرورة إيجاد حل لعملية السلام في الشرق الاوسط(؟) ونرحب باقتراح فك الارتباط في غزة واجزاء من الضفة الغربية، وندعو الرباعية للانعقاد فوراً للبحث في كيفية دعم السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً، وفي قضايا الامن، لكي تتجاوب مع العرض )الاسرائيلي). ونؤكد ان هذه العملية ستعيدنا الى خارطة الطريق والتي نؤمن أنها توفر الحل الوحيد وهو حل الدولتين، اسرائيل وفلسطين.... الخ».

لم يفت الصحافيين ان يسألوا بوش عن معنى كل هذا بعد رسالة الضمانات الامريكية لشارون واقتبس أحدهم تصريح شارون أن رسالة الضمانات من بوش إليه قد وضعت حداً لأحلام الفلسطينيين. رئيس الحكومة البريطاني يجيب كما يجيب السياسيون في مثل هذه الحالات، أي عندما يريدون التهرب من الإجابة: «لم أصادف هذه الكلمات ولا أعرف السياق، ولا اعتقد أن هنالك نهاية لأحلام احد. ولكنها توفر الفرصة على الاقل من اجل التقدم الى الامام». لا تتوفر إجابة طبعاً.

أما بوش فلا يفته أن يفوِّت الإجابة طبعا بنفس الأسلوب: «لم أعرف سياق هذا التصريح، لكنني أستطيع أن أطلعكم على ما قاله لي (المقصود شارون). لقد قال لي أنه يدعم دولة فلسطينية... لقد جلست مع الرجل هنا في الدور الثاني... وهو يعرف ما اعرفه عن خارطة الطريق وانه عندما نتوصل الى ثقة بالقيادة الفلسطينية، فسيحصل تقدم اكثر...». وهكذا جهد رئيسا دولتين عظميين في تقديم تفسير مقنع لما قاله شارون. ولكن السؤال لم يكن حول إنكار شارون للدولة الفلسطينية، فهو لا ينكرها، وإنما حول تعهدات بوش له، حول إلغاء حق العودة، وتفهم عدم انسحاب إسرائيل إلى حدود عام 1967، وبقاء القدس وجزء كبير من المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية.

تم التهرب من الإجابة بإنكار معرفة الاقتباس من شارون وفقدان سياقه وبتأكيد ضرورة قيام الدولة الفلسطينية. وليس التأكيد الأميركي الإسرائيلي على الدولة حالياً إلا نفياً للقدس وحق العودة. وفي الواقع يتم تأكيد كلام شارون ومفهوم الأخير للدولة الفلسطينية في وجود قيادة فلسطينية تثق بها، تثق بها أن تبدي المسؤولية والديموقراطية اللازمين لرؤية مركزية الدولة للتتنازل عن كافة الثوابت الأخرى مقابل الدولة.

يتم التأكيد على الانتخابات الرئاسية الفلسطينية كمطلب عربي، وهي في الواقع مطلب فلسطيني، تعوق اسرائيل تنفيذه حتى اليوم. ولو تمت الانتخابات في عهد عرفات لجدد الشعب الفلسطيني ثقته به. ولا يذكر المؤتمران ان هذه ليست اول انتخابات فلسطينية تعقد وانه سبق أن أجريت انتخابات أخرى في المناطق المحتلة عام 67... وان رئيس السلطة الفلسطينية الذي حوصر وجرت محاولة لتجريده من صلاحياته كان في رئيسا منتخباً.

يذكر القارىء المسيس مؤتمراً صحافياً شبيهاً عقده بلير مع بوش بعد نشوب الحرب على العراق وكانت بغداد ما زالت محاصرة. لقد عقد ذلك المؤتمر الصحافي في واشنطن يوم 27 آذار 2003، وفيه تعرض الزعيمان للقضية الفلسطينية بإلحاح من بلير كما قيل. وتم ذكر خارطة الطريق لأول مرة رسمياً. وهذا ما قاله بوش في حينه حول خارطة الطريق:" يتطلب التاريخ من ائتلافنا أكثر من مجرد إلحاق الهزيمة بخطر مريع. انا ومعي رئيس الحكومة، أرى فرصة في تجديد الامل والتقدم للشرق الاوسط كله. في الرابع والعشرين من حزيران الماضي وضعت خطوط رؤيا دولتين، اسرائيل وفلسطين تعيشان جنباً الى جنب بسلام وأمن. وفوراً سنطلق خارطة الطريق التي صممت من اجل المساعدة في تحويل هذه الرؤيا الى واقع، وكلا اميركا وبريطانيا تلتزمان بقوة بتطبيق خارطة الطريق».

واستمر اللغط حول خارطة الطريق منذ ذلك اليوم وانتهى الى أن يضع شارون إيقاع التنفيذ وأن يفسر كيف تنفذ خارطة الطريق الى درجة تصدي بوش لضغط بلير حاليا. وفي أي حال، لا يستطيع أي لغط أن يغطي على المبادىء الآتية التي تقع في أساس خارطة الطريق: 1) ينص البند الأول في خارطة الطريق أن قيام سلطة فلسطينية تحارب الارهاب هو شرط لتنفيذ كل البنود التالية. 2) أن الخارطة لا تتضمن حدود الدولة الفلسطينية، ولا تتضمن حلاً واضحاً لقضية القدس واللاجئين والمستوطنات. 3) أن بوش في رسالة الضمانات قدم تصوراً قريباً من التصور الاسرائيلي للحل الدائم في نهاية خارطة الطريق.

ماذا تبقى حالياً من هذه الخارطة: 1) تنفيذ خطة فك الارتباط الشارونية بمباركة دولية وامتحان مدى ديموقراطية الفلسطينيين بتجاوبهم مع الخطة. 2) التقدم بعدها في المفاوضات يتم بعد تنفيذ السلطة للبند الاول من الخارطة وهو مكافحة الإرهاب. وهذا امتحان آخر لديموقراطية الفلسطينيين. 3) وجود سلطة فلسطينية من دون ياسر عرفات مؤهلة للعب الدور، وتقبل بدولة فلسطينية، بل تطالب بدولة فلسطينية وتترك «أحلامها» الأخرى جانباً، لتصبح الدولة وحدها هي الحلم الواقعي الوحيد.

بعد القبول بدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة في نهاية السبعينيات أصبح تحرير فلسطين هو الحلم، والآن أصبحت القدس وحدود 67 وحق العودة من منظور التفسير الأمريكي لخارطة الطريق أحلاماً يجدر التخلي عنها. وتمتحن ديموقراطية وواقعية القيادة الفلسطينية بقدرتها على تحييد هذه الأحلام. وكان ياسر عرفات عائقاً أمام هذا كله داخل السلطة. أما المعارضة فيتم التعامل معها وكأنها ليست عائقاً بتحديدها الأبدي لذاتها كمعارضة، وأما عرفات فيتم تحويله إلى رمز من قبل أطراف متناقضة ولو على حساب كل الحقائق.

والرمز سلاح ذو حدين. سيستخدمه مؤيدو التنازل من أجل مشروع الدولة بالمعنى أعلاه، لأنه أول من طرح مشروعاً واقعياً، وتنازل عن كل الثوابت برأيهم مصطدماً بعثرة القدس فقط في كامب ديفيد. وسيدعي معارضو هذه الخطط أن ياسر عرفات قد ثبت على كل الثوابت في كامب ديفيد وبعدها. وسيستخدم كلا الطرفين اقتباسات متناقضة وطرائف كثيرة وجلسات وذكريات متناقضة عن ياسر عرفات. وسيكون كل ذلك ممكناً لأن مسألة الوحدة الوطنية والديموقراطية في ظلها لم تحسم بعد. فمن يشترط بحق أن توافق المعارضة على برنامج حد أدنى سياسي لكي تحسم مسألة الوحدة الوطنية ولكي تؤهل نفسها لقيادة موحدة يذهب هو ذاته الى ما هو أدنى من الحد الادنى المتفق عليه حتى في إطار التسوية، ومن يؤكد بحق على الوحدة الوطنية لا يعرب عن التزام تجاه برنامج سياسي واستراتيجية موحدة يساعد الطرف الأول على التحلل من هم الوحدة، كما يساعد على اعتبار النضال مجرد حالة فوضى يسهل ترويج الشعور بضرورة وضع حد لها في أوساط معينة تريد أن تنجح في امتحان الديموقراطية الغريب. لا أحد يقول أنه ضد المقاومة، يقولون أنهم ضد الفوضى.

فلماذا لا يتم الاستنتاج أن تنظم المقاومة صفوفها إذاً؟ ولتنتهي حالة الفوضى، ولتنتظم القوى المعارضة للطرح الأمريكي الإسرائيلي أيضا خلف برنامج سياسي، ولتبادر إلى وضع استراتيجية موحدة تأخذ الظرف في الاعتبار... عندها سيظهر أن التنازل والتفريط بالحقوق هو حالة الفوضى الخطيرة في البلد.

كاتب عربي.