الانتخابات الفلسطينية...

محمد كريشان...القدس العربي
موعد التاسع من كانون الثاني (يناير) المقبل الذي حدد لإجراء الانتخابات الرئاسية الفلسطينية بعد رحيل الأب الرمز ياسر عرفات سيكون محطة فارقة يفترض أن يعمل الجميع علي استغلالها لتكون نقطة انطلاق جديدة عساها تضع قضية إنهاء الاحتلال الإســـــرائيلي واحترام الشرعية الدولية في سياق أقل استعصاء مما يتيح ربما مناخا أفضل يكون فيه أطراف التسوية أقل مماحكة وأكثر قدرة علي إبداع تصورات خلاقة للتجاوز.
و مع التحفظ المبدئي الذي يجب أن يسجل أولا وأخيرا علي انتخابات تجري تحت الاحتلال بأشكاله المختلفة، فإن هذا الموعد الانتخابي، الذي أحسن الفلسطينيون إعلانه مبكرا بعد عملية انتقال السلطة بأسلوب هادئ متحضر، تعتبر فرصة بقدر ما هي اختبار لأكثر من طرف:
ـ اختبار لحركة فتح كبري الفصائل وعميدتها حتي تتجاوز الخلافات العلنية والسرية التي عصفت بها في السنوات القليلة الماضية ليس فقط بين سياسييها وعسكرييها أو بين الجيل الشاب والقديم فيها بل بين رموز هذا الجيل الأخير تحديدا وخاصة داخل اللجنة المركزية. وبعد أن كان الختيار الراحل أبو عمار خيمة الجميع في هذه الخلافات التي أدارها دائما بأسلوبه المعروف، علي أبناء الحركة الأكثر شعبية داخل الساحة الفلسطينية رغم ما اعتراها من أزمات وهزات أن يلتقوا الآن عند صيغة تحفظ للجميع مكانتهم والأهم أن تحفظ للحركة وحدتها وصلابتها لأن انفراط عقد فتح انفراط للعقد الفلسطيني بأكمله وهو ما لا يرضاه حتي المختلفون معها.
ـ اختبار لفصائل المعارضة الوطنية والإسلامية الأخري التي أبدت من الحزن والنضج الرائع والرجولة عند رحيل الرئيس عرفات ما سيظل مفخرة لها وللفلسطينيين جميعا . من حق هذه الفصائل أن تستمر علي تحفظها علي نهج أوسلو وكل ما قام علي أساسه ولكن من واجبها،علي ما أعتقد، أن تخطو خطوة عملية محدودة كأن تمتنع عن الدعوة لمقاطعة الانتخابات الرئاسية أو تدعمها ضمنا أو تدعم أي مرشح للوفاق الوطني علي أن تسعي بالتوازي مع ذلك إلي أن تكون لها مكانتها في الهياكل التشريعية والبلدية المقبلة، أو في هذه الأخيرة علي الأقل، حتي تضع موطئ قدم لها فيما هو متاح الآن علي أمل توفر موازين قوي مقبلة صيغا أفضل.
ـ اختبار لإسرائيل التي ملأت الدنيا ضجيجا مع واشنطن عن عدم وجود شريك فلسطيني وعن عرفات العقبة لتظهر للعالم ،ولو مرة واحدة، حدا أدني من الجدية في التعامل مع قضية إنهاء الاحتلال بعيدا عن التسويف واختلاق الأعذار المسبقة كقول وزير الحرب شاؤول موفاز مؤخرا بأنه عندما تكون هناك قيادة فلسطينية تتمتع بحس المسؤولية ومنتخبة بطريقة مشروعة ويمكن أن تكون شريكة ، ستكون إسرائيل مستعدة للحوار معها شرط أن تقوم هذه القيادة بمكافحة الإرهاب وبالعمل من أجل التعايش السلمي مما يوحي باستمرار ذات الأسطوانة المشروخة التي يرددها دون كلل شارون وجماعته.
ـ اختبار للمجتمع الدولي و زعيمته الولايات المتحدة وتحديدا اللجنة الرباعية رغم البداية المثبطة للعزائم التي تجلت في المؤتمر الصحافي المشترك بين بوش وبلير. وإذا كانت واشنطن لم تتعلم شيئا من درس عدم مساعدة أبو مازن عندما كان رئيس حكومة فلن تتعلم شيئا أبدا وبالتالي لن تفعل شيئا أبدا عكس الاتحاد الأوروبي الذي بدا بناء في حرصه علي إنجاح الانتخابات وتحقيق بعض الانفراجات رغم أنه سيظل إلي حد كبير محكوما بالسقف الذي ستحدده الإدارة الأمريكية لهذا الشأن ارتفاعا أو انخفاضا.
إنه اختبار للجميع لكن الأهم أن ينجح فيه الفلسطينيون حتي وإن سقط فيه كل البقية لأنهم بذلك يحافظون علي وحدتهم الوطنية وهي قوتهم الأساسية وصمام الأمان وإن استمر تكالب الجميع عليهم.