هل تطوي وفاة عرفات صفحة المرارت الكويتية الفلسطينية ...

فهمي هويدي....الشرق الاوسط

أما آن لصفحة المرارات الكويتية ـ الفلسطينية أن تطوى؟
يشغلني السؤال منذ سنوات لسببين، أولهما انه في السياسة ليست هناك عداوات دائمة، وان أية عداوة مهما بلغت الجراح والثارات فيها لا بد أن تنتهي يوماً، والنموذج الكلاسيكي الذي يضرب به المثل في ذلك هو ما كان بين فرنسا وألمانيا من حروب طاحنة أشاعت خراباً واسع النطاق، وسالت فيها الدماء غزيرة في السنوات 1870 و1914 و1939، ومع ذلك نجح العدوان اللدودان في ترميم كل الجراح وتجاوزها، وصارا الآن حليفين يشدان أزر بعضهما البعض ويعملان جاهدين للنهوض بأوروبا الموحدة.
الأمر الثاني أن للكويت رصيدا ومكانة في السجل الفلسطيني، وفي العمل العربي المشترك ،يستحق أن يحافظ عليه وينمي، لا أن يفرط فيه أو يسحب منه. ولست أشك في أن السحابات القائمة التي أحاطت بالعلاقات الكويتية ـ الفلسطينية محت من ذاكرة الأجيال الجديدة، حقيقة الدور الكويتي في ميلاد حركة فتح، أو في مساندة منظمة التحرير واخراجها من مأزق أيلول الأسود، أو دورها في دفع وتشجيع حركة القوميين العرب، أو حتى دورها في مشروعات التنمية العربية، الذي كان تجسيداً لحماسها وتجاوب نخبتها مع موجة المد القومي وحماسهم للعمل العربي المشترك.
ليس ذلك فحسب، وانما لا تزال في الكويت شرائح واسعة من الناس الذين يعتزون بانتمائهم إلى أمتهم. ويستشعرون الغيرة على قضاياها، وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية.
ومن أسف أن الصورة التي ترسم للكويت في الخارج خلال السنوات الأخيرة تبخس تلك الحقيقة حقها، بل انها تشوهها وتسيء إليها. وهذا التشويه يسهم فيه الخطاب الإعلامي الكويتي بقسط وافر، ولأنني أكثر متابعة للصحافة الكويتية، وتصدمني بعض ما تنشره من كتابات دأبت على تجريح كل ما هو فلسطيني، وتذهب بعيداً في سب قيادته، أحياناً بعبارات وألفاظ غير لائقة يحاسب عليها القانون، وأنا دأبت على القول بأن الكويت التي نعرفها تستحق تعبيراً أرقى وأفضل من ذلك بكثير، وأن تلك الكتابات لا تجرح في القيادة الفلسطينية وحدها، وإنما التجريح ينال وجه الكويت بذات القدر.
ما دعاني للتطرق إلى الموضوع الآن، هو ذلك الجدل الذي ثار في الكويت بمناسبة وفاة الرئيس ياسر عرفات، وعممت وكالات الأنباء وقائعه وتفصيلاته على العالم العربي كله. فقد عرفنا من تقارير الوكالات ان تليفزيون الكويت قطع إرساله يوم الثلاثاء 9/11 وبث خبر وفاة أبو عمار، ثم اتبع ذلك ببث شريط عرض لحياة الرئيس الفلسطيني ونضاله. لم يكن الخبر الذي نقلته الوكالة الفرنسية صحيحاً في حينه، لأن الاعلان الرسمي عن الوفاة لم يكن قد حدث بعد، لكن هذه لم تكن المشكلة. وانما ما اعتبر مشكلة أثارت اللغط هناك كان بث الشريط الوثائقي الذي امتدح نضال أبو عمار. ذلك انه ما ان تم البث حتى انتابت أغلب الصحف، وعددا غير قليل من النواب أعضاء مجلس الأمة حالة من الغضب والهياج، وقرأنا أن أحد النواب طالب باستقالة وزير الاعلام. من جراء تلك «السقطة». و في الوقت ذاته أدت الحملة إلى اطاحة وكيل وزارة الاعلام المساعد لقطاع الأخبار (أعطى اجازة مفتوحة)، بعدما اعتبر مسؤولاً عما جرى. ثم عولج الأمر على نحو آخر حين أعلنت الوفاة. فلم يقطع الإرسال، وجرى بث الخبر ضمن نشرة الأخبار العادية، ولموازنة الموقف وإرضاء المشاعر الغاضبة، استضافت الاذاعة أحد الكتاب الذي وجه انتقادات شديدة لعرفات، على خلفية «تآمره» مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين في غزو الكويت. واذ أثير الموضوع في مجلس الأمة، فإن أحد الأعضاء اتهم أبو عمار بخيانة الكويت، وقال آخر إن يديه ملطختان بدم الكويتيين.
وتمثل القاسم المشترك الأعظم بين الكتابات التي تناولت الموضوع والتصريحات التي علقت عليه، في التنديد بموقف عرفات أثناء غزو العراق للكويت في عام 1991، أي قبل ثلاثة عشر عاماً. ورغم أن أحداً لا ينكر أن عرفت أخطأ الحساب والتقدير بشكل فادح وقتذاك، وقد خالفه في موقفه عدد من قادة منظمة التحرير، إلا أن اتهام الرجل بالخيانة، والادعاء بأن يديه ملطختان بدم الكويتيين لا يخلو من مبالغة، تصب في اتجاه استثارة المشاعر وتأجيج نار الغضب ونكء الجراح وتعميقها. ثم أن الحديث بهذه اللغة في لحظة الوفاة التي هيجت مشاعر التعاطف معه في الأمة العربية والعالم الإسلامي ، لم يكن من اللياقة أو الرصانة في شيء.
نعم، لم يخل الأمر من إشارات محدودة اتسمت بالحكمة والتعقل، حين أعرب مجلس الوزراء الكويتي عن تمنياته بالشفاء للرئيس الفلسطيني، وحين دعا رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الأمة النائب محمد الصقر إلى عدم مقاطعة جنازة أبو عمار، وطالب بالمشاركة الوزارية فيها حفاظاً على الإجماع العربي، وحتى لا تكون الكويت نشازاً في المناسبة.
كما ذكرت احدى الصحف. (وزير النفط مثل الكويت في الجنازة). غير أن تلك الاشارات الايجابية النسبية توارت أمام الحملة الاعلامية السلبية التي استهدفت الرجل، واختزلت تاريخه كله في موقفه في عام 1991 وعلاقته مع الرئيس العراقي السابق الذي وصف بأنه «الصديق المحبب» لعرفات. بل هناك من ذهب إلى أن عرفات هو الوجه الآخر لصدام حسين.. إلى غير ذلك من المبالغات المفتعلة التي أسرفت في الربط بين الرجلين لدغدغة المشاعر ورفع وتيرة الغضب في الشارع الكويتي.
من أسف أن بعض الأصوات في الكويت أصبحت تتحدث بلغة المفاصلة مع العالم العربي واعتزاله. وفي ظروف التردي العربي الراهن، فإن المرء لا يستطيع إلا أن يعرب عن أسفه أيضاً لأن تلك الأصوات تتردد الآن في أكثر من عاصمة عربية، داعية إلى فك الارتباط مع «الأمة»، والالتحاق بالمنظومة الغربية والأميركية منها تحديداً. ورغم أنها أصوات نشاز، لكنها عالية النبرة، حتى باتت تسمع مع غيرها.
أما المستمر والباقي فهي تلك الوشائج والحقائق. ومن شأن معاندتها أن تثير في أعماق المجتمع درجات متفاوتة من التوتر وافتقاد الشعور بالثقة والأمن، فضلاً عن العزلة بطبيعة الحال.
الكويت لها وضع خاص في هذا السياق. فهي بحجمها المحدود جغرافياً وسكانياً، وبمواردها الوفيرة التي قد تثير الأطماع، بحاجة أكثر من غيرها لأن تحتمي بالمحيط العربي وتتلاحم معه، وتلك إحدى بديهيات الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. لست أشك في أن دعاة المفاصلة والاعتزال سيردون على الفور قائلين أن الغطاء العربي لم ينجح في إغاثة الكويت حين احتلها صدام حسين، وهذا صحيح بصورة نسبية، ولكن ذلك لا يخل بتلك الرؤية الاستراتيجية التي أتحدث عنها.
أولاً لأن مشهد الاحتلال كان جزءاً من أزمة النظام العربي، الذي كان سباقاً إلى إغاثة الكويت وساندها ابان حكم عبد الكريم قاسم. وثانياً لأن تجربة الاحتلال تمثل لحظة استثنائية لا ينبغي أن يقرأ التاريخ من خلالها. واذا صح ذلك فإنه يعني أن الضمان الحقيقي لعدم تكرار تلك اللحظة البائسة يتمثل في السعي الجاد مع «الأشقاء» من أجل استعادة الثقة في النظام العربي، وليس مفاصلة العالم العربي والبحث عن حماية ومظلة من خارجه.
أدري أن في الكويت عقلاء يعرفون هذا الكلام جيداً وقد يكونون أسبق مني إلى ادراكه وترديده، إلا أن أصواتهم ليست حاضرة بشكل كاف في الخطاب الإعلامي الذي يصل إلى العالم الخارجي، خصوصاً العربي منه والإسلامي. وبالتالي فان الموقف السلبي أصبح الأكثر حضوراً ورنيناً خارج الكويت.
بسبب من ذلك فأزعم أن الدفء في العلاقات العربية ـ الكويتية، على مستوى الجماهير، لن يستعيد حرارته المرجوة إلا إذا عاد الدفء الى العلاقات الكويتية ـ الفلسطينية. واذ أقدر تماماً ما يقال عن الجرح الذي تعاني منه الذاكرة الكويتية، إلا أنني أذهب إلى أن التئام ذلك الجرح لا ينبغي أن يترك للزمن وحده، وانما يجب أن تتضافر الجهود لأجل تحقيقه. على الأقل من جانب الغيورين على مستقبل صميم أمن الكويت في محيط الأمة العربية وأحضانها. وبعد رحيل أبو عمار وانتقاله إلى ذمة التاريخ، فان اللحظة الراهنة توفر فرصة مواتية لاتخاذ هذه الخطوة، وأول إجراء يتعين اتخاذه في هذا الصدد هو وقف حملات التشهير والتحريض والاستعداء، والكف عن تغذية المرارات دون مبرر. وذلك لا يصادر حق الحوار النقدي، الذي له ساحته كما أن له أدبه بطبيعة الحال.
لقد قدمت الكويت الكثير للفلسطينيين، كما أن الفلسطينيين قدموا الكثير للكويت، والأمة بحاجة إلى الطرفين، لكي تمضي في مسيرتها بخطى واثقة، وتبني مستقبلها وأحلامها في عالم الكيانات الكبيرة التي لا تكف عن لملمة شتاتها وتعزيز حصونها. بينما بعضنا يمضي بهمه في الاتجاه المعاكس تماماً، علماً بأن الأمر بالنسبة لنا ليس ترفاً ولكنه مسألة بقاء أو فناء، وحياة أو موت.
انني أحد الذين يستشعرون ديناً للكويت في أعناقهم، اذ قضيت ست سنوات خصبة بين أهلها الطيبين، ورأيت فيها وجهاً مشرقاً، يختلف كثيراً عن ذلك الذي أطل علينا بعد الغزو. واعتبر هذه المصارحة جزءاً من الوفاء بذلك الدين، باعتبار أن صديقك هو من صدقك، وليس من صفق لك وأيدك في زلاتك فورطك وساقك إلى طريق «الندامة» الذي لا رجعة منه.