تأملات في الانتخابات الرئاسية الأميركية

  بقلم: باسكال بونيفاس

 

لم يسجل التاريخ أبداً أن استحوذ شأن سياسي داخلي، في دولة ما على قدر من الاهتمام، وأثار من التعليقات والجدل على صعيد عالمي، مثلما استحوذت عليه حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية لسنة 2004.
ففي جميع دول العالم سرت موجة الاهتمام بالانتخابات الرئاسية الأميركية سريان النار في الهشيم، وطغت تغطيتها على وسائل الإعلام المحلية في جميع الدول، ربما بشكل يوازي أو ربما يتفوق على الاهتمام بانتخابات يكون طرفاً فيها رؤساء أو رؤساء حكومات محليون. صحيح أن الاهتمام بالانتخابات الأميركية ليس ظاهرة جديدة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية أصبحت حمى متابعة انتخابات الرئاسة الأميركية، عادة مألوفة في جميع أنحاء العالم. ولكن ما حدث هذه السنة ضرب أرقاماً قياسية من التغطية غير المسبوقة إلى حد يسمح بالحديث عن ظاهرة ملفتة، مكتملة العناصر والأبعاد، وتستحق التفسير حقاً.
لقد أحس العالم أجمع هذه المرة بأنه معني بهذه الانتخابات، وبأن النتيجة التي ستسفر عنها ستكون لها آثار مباشرة على بقية دول العالم الـ190 تقريباً الأعضاء في الأمم المتحدة. ولو احتاج المرء إلى دليل على الهيمنة الأميركية غير المسبوقة على الساحة الدولية في عالمنا المعاصر، وعلى أحادية القطبية الأميركية في النظام الدولي، وإذعان العالم أجمع وإقراره بذلك، فلربما يكون كل هذا الاهتمام بشأن داخلي أميركي كانتخاب رئيس للولايات المتحدة، يقدم دليلاً لا مزيد عليه بهذا الخصوص.

أو لنكن أكثر وضوحاً لنقول إن العالم بات مقتنعاً بأن السياسة الداخلية أو التوجهات التي تتبناها هذه الإدارة الأميركية أو تلك تعني بنفس الدرجة تقريباً بقية دول العالم جميعاً. ولا نحتاج إلى دليل للبرهنة على أن العكس غير صحيح. وهذه هي المفارقة الثانية في تلك الانتخابات. وما سجل هنا جدير بأن نشير إليه. فقد عبرت الأغلبية الساحقة من سكان هذا العالم عن تفضيلها لوصول جون كيري إلى البيت الأبيض. ولكن من يحق لهم التصويت في أميركا فقط كان لهم رأي مغاير تماماً فتوجهوا بالملايين إلى صناديق الاقتراع وصوتوا لجورج بوش. لقد أثبت الشعب الأميركي أنه قادر حتى على التصويت لصالح المرشح الأقل شعبية على صعيد سكان الكرة الأرضية بأسرهم.

ووجه المفارقة هنا، إن كان يحتاج إلى توضيح، هو أنه إذا كان ما تراه أميركا يعني بالضرورة والقوة بقية العالم، فإن ما يراه العالم لا يقدم ولا يؤخر عند الأميركيين. فلم يكن التأييد الدولي العارم للمرشح جون كيري قادراً على ترجيح كفته في نظر الأميركيين. والغريب أن كيري نفسه عمل كل ما يستطيع لإخفاء هذه الميزة وهي اتساع التأييد الدولي له، طيلة الحملة الانتخابية، وكأن هذا عيب كبير عليه التهرب منه، أو كأن مصالح أميركا متناقضة من حيث المبدأ مع مصلحة بقية العالم، وأن عليه هو بالتالي أن ينحاز لمصالح بلاده فقط.

أما المفارقة الثالثة فهي، أنه بقدرما أحس العالم كله بأنه معني بالانتخابات الرئاسية الأميركية، لأنه يرى أن مستقبله معلق على ما ستسفر عنه، بقدرما انتهى كل شيء إلى بعثرة آماله، بحكم إعادة انتخاب جورج بوش، خاصة أن هذا الأخير يرجح أنه سيركز أساساً على تغيير سياساته الداخلية فقط، بدلا من سياساته الخارجية التي تعني بقية سكان المعمورة.

فعلى الصعيد الداخلي، كانت الفوارق أصلا بين المرشحين، بوش وكيري، ذات شأن، حتى لو بدت أحياناً متقاربة لزوم مناورات الدعاية الانتخابية وما سال فيها من حبر وكلام عائم من دون حساب. وعندما نقول السياسة الداخلية الأميركية فالمقصود أساساً هو حق الإجهاض، وحق اقتناء الأسلحة النارية، والسياسة الاقتصادية بما تعنيه من إنفاق حكومي فيدرالي وضرائب، هذا إضافة إلى طيف آخر واسع من القضايا الاجتماعية مثل حقوق الشواذ، وبرامج الحماية الاجتماعية. ولكن على رغم وحدة موضوعات الشأن الداخلي، وتقارب الطرح، ظل هناك خيار فعلاً بين برنامج بوش وبرنامج كيري.

ومن الواضح أن اختيار الأميركيين فيما يتعلق بالموضوعات الاجتماعية يعتبر على الأقل اختياراً رجعياً بكل المقاييس إذا حكمنا عليه من وجهة نظر أوروبية، ومن شأنه أن يزيد الانشقاقات في العائلة الغربية، أكثر فأكثر، بإقامة جدار تصوري قيمي هائل بين الشعوب الأوروبية والشعب الأميركي.

أما فيما يخص السياسة الخارجية الدولية فإن الفارق بين المرشحين يبدو أقل وضوحاً. ومن الغني عن

القول إنه لا مجال عملياً لإقامة تمييز هنا بين "بوش- رجل- عصر الظلام"، و"كيري- رجل - عصر - الأنوار". ولكن، الحقيقة، أنه لو كان كيري انتخب فعلا في الرئاسة، فربما أدى ذلك إلى أن يحمل المحافظون الجدد عصيهم ويرحلوا عن دائرة التأثير في السياسة الأميركية، التي طالما رتعوا فيها كيفما يشاءون في ظل إدارة بوش الأولى. ولو كان هؤلاء خرجوا من المشهد فلربما استعادت العلاقات الأطلسية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين شيئاً من الدفء. وكان في مقدور كيري أيضاً أن يخفف شيئاً ما من غلواء الأحادية الأميركية التي وصلت عند بوش حدوداً سافرة غير مسبوقة. هذا مع أنه لم يكن من الوارد أن يتخلى عنها كلياً.

إن الأحادية الأميركية لم تولد مع مجيء جورج بوش إلى البيت الأبيض. ولو لم تكن ثمة رغبة أميركية صادقة في هذا التوجه لكان في مقدور الكونجرس أن يلجم رغبات الرئيس، وأن يدفع في اتجاه سياسة غير أحادية.

وعلينا نحن، على رغم كل شيء، أن نتفاءل الآن بأن جورج بوش لن يستطيع الاستمرار في أحادية سياساته الخارجية بحكم ما وصلت إليه الآن من مآزق ومطبات، وطرق مسدودة. كما أن وضعه الحالي لا يسمح له عملياً بالمغامرة بالدخول في حرب جديدة من حجم حرب العراق. وإذا تمادينا في التفاؤل أكثر يمكن أن نتوقع أنه أيضاً سيسعى جاهداً لكسر طوق العزلة الذي يرزح الآن في إساره، خاصة أن هذه العزلة تعد اليوم أحد أهم أسباب ضعف وعدم فاعلية الدور الأميركي على الساحة الدولية. لن يكون في مقدور بوش، في كل الأحوال، أن ينسى أن شعبيته العالمية في الحضيض. وإذا كان يريد الخروج من هذا الوضع فلن يفيده في شيء تبني سياسة علاقات عامة مهما كانت فاعلة ومحمومة، بل لابد له من معالجة الخلل في سياسته الخارجية بخطوات جريئة وخلاقة وقادرة على استغلال كل إمكانات أميركا القيمية وخيالها السياسي.

أما بقية أمم العالم، فإذا كانت خرجت من حملة الانتخابات الأميركية تجر أذيال خيبة الأمل، فلا أقل من أن تعمل لكي لا تكون خياراتها بعد اليوم رهينة لمجرد مناصرة أو مناوأة هذا المرشح الأميركي أو ذاك، لأن الأمرين كليهما دليل على العجز عن التأثير وعدم الفاعلية. إن العمل على إطفاء سناء أميركا وجذوة زهوها لا معنى له وليس مثلا أعلى يستحق السعي إليه، هذا إن لم نقل إن الاقتراب منه كفيل أصلاً بأن يحرق صاحبه ويرتد عليه بالعمى. ولكن الارتهان أيضاً لموقف الدونية والاختزال لأميركا وخياراتها لم يعد أيضاً خياراً واقعياً، وعلى العالم أن يجد طريقاً ما خلاقاً ومؤثراً يسلكه مع إدارة بوش بين هذين الطريقين.